الدعوى ومرور الزمن .. الدعـــــاوى الحديــــة«11»

فضيلة الشيخ زهران بن ناصر البراشدي –
قاضي المحكمــــة العــليا –

وإذا ادعى أحد أنه وكيل مسجد أو نهر أو ذي يتم وادعى حقاً لذلك المسجد أو النهر أو ذي اليتم أتستمع دعواه ويدعى خصمه لموافاته؟ فنعم دعواه مسموعة وجائز للحاكم أن يدعو المدعى عليه للموافاة للحق إذا كان مدعي الوكالة ثقة.
وإذا كان النهر لا يكتب المسلمون فيه وأراد أحد الشركاء القيام من شركائه أو بياديره في حصصهم أتسمع دعواه ويدخل الحاكم فيه؟ فنعم يقال له سلم ما عليك لفلان ولا يذكر من كذا ولا يذر الناس يضار بعضهم بعضا.
وإذا غير الوكيل من بيع مال من وكله وأتى بلفظ الغير وصح له وادعى البائع أن المشتري رضي بالمال واستغله وأنكر الوكيل ذلك فإذا أطلق الموكل للوكيل الوكالة فدعواه مسموعة وغيَرُه ثابت ويبطله ما يبطل الغير من البيع المنتقض كالموت والإتلاف وأما دعوى البائع أن المشتري راض بالبيع بغير حجة وعليه رد الثمن فإن كان المشتري حيث تبلغه الحجة أجل بقدر ما يعلم قول المشتري ورضاه بالمال وإلا أمضى الحاكم الحكم واستثنى للغائب حجته.
ومن أثبت أملاكه لزيد بحق سماه ثم بعد مدة باع أملاكه لخالد بيع قطع أو خيار ثم ضرب ومن داره هرب ولم يملك شيئاً سواها وصح أن المال ورثه من أبيه وكان موت أبيه في أول يوم من رمضان صح بالشهرة وتاريخ الإثبات في شهر شعبان من آخر تلك السنة فحق ذي الإثبات أولى على قول من يثبت الإثبات في حياة المثبت وقول لا يثبت والأول أصح.
وإذا أراد المدعي قطع بينته بينه وخصمه حلفه الحاكم: كذا يا فلان قد قطعتَ دعواك وكل دعوى لك كانت لك على خصمك هذا فيما مضى إلى هذا الوقت في هذا اليوم فإذا أنعم وحلفه لم تسمع دعواه بعد ذلك في تلك الخصومة.
قال أبو سعيد: معي أنه قيل: إن الصبي إذا خاصم إلى الحاكم وكان يعقل ما يخاصم فيه فتسمع دعواه.
وإن كان له والد أمر بحضور مخاصمته والاستماع له وعليه وإن كان يتيماً أقام له الحاكم وكيلا فيما يجب أن يقام له فإن سمع له الحاكم بينته وكانت البينة له ثبتت بينته وجاز الحكم له وكذلك إن أقر له كان خصما وثبت الحكم له.
وإن حلف له الحاكم خصمه ولم يقم له وكيلاً يحلف له لم يثبت له ذلك وكان له اليمين على خصمه إذا بلغ لأن ذلك من الحكم عليه لا له وما حكم بمخاصمته بإقرار أو بينة من خصمه ثبت له ولا يجوز إقراره على نفسه.
وإذا قامت عليه البينة أقام الحاكم وكيلا يسمع عليه البينة وحكم عليه بما يوجبه الحق مما يثبت عليه
فإن لم يقم له الحاكم وكيلاً وحكم عليه وسمع البينة عليه في حضرته كانت له حجته في البينة وفيما يحتج فيها.
وإن ماتت البينة قبل بلوغه ولم يكن الحاكم أقام له وكيلا يدفع عنه وله في أمر البينة في حين استماعه أو بعد ذلك وتنقطع حجته بالوكيل كانت له حجته في البينة فيما يدعي فيها ما يثبت شهادتهما وليس له إبطال البينة بموضع شهادتهما في صباه وشهادتهما له ثابتة وعليه إلا ما يكون من الحجة فيها….
قلت له: وعلى الحاكم أن يأمره بجمع مطالبه؟ قال: هكذا عندي، أنّ ذلك من مصالح الأحكام؛ لئلا يتعنّت الخصوم بعضهم بعضا.
قلت له: وإذا قال: إنّه لم تبق له دعوى، وطلب يمينه فحلفه، ثمّ ادّعى عليه شيئا آخر، هل تسمع دعواه؟ قال: هكذا عندي، ما لم يقطع دعاويه.
قلت له: فما اللفظ الذي يقطع دعاويه، ولا تسمع له دعوى بعد ذلك؟ قال: من ذلك أن يقول له الحاكم: قد قطعتَ كلّ دعوى لك على خصمك هذا فيما يمضي إلى هذا الوقت، في هذا اليوم. فإذا قال: نعم، وحلفه على دعاويه، ثمّ ادّعى عليه، لم يسمع له بعد ذلك دعوى في ذلك الوقت، وقد انقطع عنه دعواه.
قلت له: فإن غابا عنه في ذلك اليوم، بقدر ما يلزمه له حق، ثمّ نزلا إليه في ذلك اليوم، بعد الغيبة، فادّعى عليه دعوى أخرى. فهل يسمع الحاكم منه ذلك؟ قال: هكذا إذا أمكن حدوث ذلك.
وحضر أبا المؤثر رجل وامرأته، فقال له الرجل: إنّي كان بيني وبين امرأتي كلام فقلت لها: سيري فليسك امرأتي. فقال لها أبو المؤثر: اسمعي ما يقول. فقالت: هو كما يقول هكذا. قال: فقال للرجل إن كنت عنيت بقولك طلاقا، فهو ما نويت، وإن لم تنو طلاقا، فلا بأس عليك. فقال الرجل: لم أنو طلاقا، وإنّما أردت بذلك أغمّها إذ غمتني. قال أبو المؤثر: للمرأة إن صدّقته، فلا بأس عليك، وإن لم تصدّقيه، فاستحلفيه فطلبت المرأة يمينه، فأمرتني أستحلفه بالله، ما عنى بقوله: سيرى فليسك امرأتي. طلاقا فحلف الرجل ما عنى بقوله: سيرى فليسك امرأتي. طلاقا فقالت المرأة: أرجع إليه. فقال لها: ارجعي إليه فهو زوجك.
ومن غيره: وعن المرأة إذا ادّعت على زوجها حرمة يسألها الحاكم. ما هذه الحرمة؟ قال: قد قيل ذلك؛ لأنّه لعلّها توهمتها حرمة، وليس بحرمة.
قلت: فهل يسع الحاكم ألا يفحصها عن ذلك، ويحلفه على دعواها؟ قال: لا يبيّن لي ذلك، ولا عليه مما قيل؛ لأنّه لو أقرّ هو أنّه وقع بينهما حرمة، لم يقر على ذلك حتّى يبيّن الحرمة؛ لأنّ الحرمة لا تُدرى ما هي.
قلت له: فإن ادّعت أنّه كان منه إليها شيء، لا تحلّ له بعده أبدا. فهل للحاكم أن يحلفه على ذلك، ولا يفحصها؟ قال: لا أعلم ذلك، وليس له ذلك؛ لأنّ ذلك يقع موقع الكذب، إذا كان على ذلك في الأصل.
قلت: فإن ادّعت أنّه وطئها في الدبر، وأقرّ بذلك، وادّعى الخطأ. فهل يكون القول قوله، وعليها هي البيّنة أنّه عمد؟ قال: إذا لم يقر بالعمد، وإنّما قالت هي: عمد، وقال هو: خطأ، فهي المدّعية الحرمة، والمدّعى الحرمة، هو المدّعى؛ لأنّ الخطأ لا يفسد وإنّما يفسد العمد.
قلت: القول بالتحريم بناءً على رأي من يقول: النهي دال على فساد المنهي عنه قالوا: نهي عن إتيان الدبر فتعدى حدود الله بإتيان المنهي عنه ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وبذلك أفسد عليه زوجه وعقوبةً له يقضى بالتحريم.
القول الثاني: النهي غير دال على فساد المنهي عنه ما لم يكن في ذات المنهي كالشرك مثلا أما إن كان لصفة فلا يدل كمسألتنا هذه ولم ينص الشارع على تحريم الزوجة والتحريم والتحليل مرده الشارع ولا قياس هنا إن قلنا بالعقوبة والعقوبات لا تفرض بالقياس وكونه ارتكب محظورا فعليه التوبة الخالصة لله عز وجل وبعضهم الزمه كفارة وهذا القول هو الذي عليه الفتوى الآن.
وقيل: في التي ادّعت على زوجها الطلاق وأنكر، ونزل إلى يمينها. فإن ادّعت طلاق ثلاث، أو خلعا حلفت، لقد طلّقها ثلاثا، وأنّها بائنة منه بهذا الطلاق، وما هي زوجته، وكذلك في الخلع. وإن كان يملك فيه رجعتها، وادّعت أنّ عدّتها قد انقضت، حلفت لقد طلّقها وانقضت عدّتها منه، وأنّها لبائنة منه، وما هي له بزوجة، ولا له فيها ملك ولا مراجعة. وإن لم تنقض عدّتها خير على ردّها.
وإذا تزوّج الرجل بالمرأة، وأنكرت الرضا، فطلب يمينها، فاليمين عليها هي، ولا يمين عليه، إلا أن يدّعى أنّ بيّنته بالرضا غابت، أو ماتت، أو نحو هذا، يحلف بالله، لقد رضيت به زوجها، وأنّها زوجته. فأمّا الأب إذا نزل إلى يمين رجل عليه حق لولده الصبي، فإنّه يحلف المطلوب إليه، ما عليه لهذا الصبي ابن هذا، ويسمّى باسمه كذا كذا.