قوة الكلمة وعظم تأثيرها

حمود بن عامر الصوافي –
(4)

الشعر ديوان العرب، وفخر القبيلة، ومنتهى العلم، وقوة الكلمة وعظم التأثير لذلك كان ظهور شاعر في القبيلة يعد قوة وشموخًا وسؤددًا للقبيلة ورفعةً وشرفًا بل قد يفوق ذلك بروز شجاع لا يبارى وأسد لا يجارى على رغم من حاجة العرب إلى القوة أكثر من حاجتهم إلى الكلام إلا أن للشعر منزلة سامقة لا تضاهيها منزلة، ومكانة لا تدانيها مكانة.
والعرب كما هو معروف أهل بيان وفصاحة، وقدرة على تقليب الكلام، واختيار الألفاظ وسبك الكلمات لذلك نزل القرآن المعجز بلسان عربي مبين لما تملك هذه اللغة من إمكانيات هائلة في توليد الكلمات والتعبير بمختلف الأساليب والمعاني فلا عجب أن جعلت وعاء لكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال تعالى: «الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ».
وقد عرف العرب أن الشعر قد يحط قبيلة، وقد ينزلها من أعاليها لذلك كانوا يتحاشون شعراء الهجاء، وأحيانًا يدفعون إليهم ما يرغبون فيه اتقاء لسانهم، واجتنابا لهجائهم المقذع وسهامهم النافذة، وأحيانا يستعينون بهم من أجل تحسين وضعهم أو رفعة قبيلتهم.
فكم من إنسان رفع قدره ببيت من الشعر، وآخر انحط دركات بيت من الشعر فيروى عن قبيلة أنف الناقة أنها كانت تستحي من ذكر القبيلة، وتتعدى هذا اللقب إلى جعفر، فيقولون: نحن بنو قريع، من أجل ألا يطالها الذم ولا يدخلهم الوسواس من جراء لقب «أنف الناقة» لذلك تجاوزت أنف الناقة إلى أعلاه.
وكانت إذا عُيرت بأنف الناقة استعنت، وشعرت بالدونية والهوان لذا لم تجد القبيلة حلا لهذه العقدة والنقيصة إلا الشعر ليبعدوا عن أنفسهم شبح المذلة ويحوّلوا الذم إلى مدح ومنحة، فأعطوا الحطيئة مالا ليمدحهم ويحوّر هذا اللقب إلى مدح وفخر، فقال فيهم:

قوَمٌ هُمُ الأَنْفُ وَالأَذْنَابُ غَيرُهُمُ فَمَنْ يُسَوِّي بِأَنْفِ النَاقةِ الذَّنَبَ

ففرحوا بهذا التغيير وأعجبهم هذا التحوير وصاروا يأنسون باللقب وينتشون لسماعه ويفخرون عند سؤالهم عن قبيلتهم فيفخمون الاسم ويعلون من قدره، فانظروا كيف غير الشعر من نظرتهم إلى اللقب ومن نظرة الناس إليهم، فقد ورد عن قبيلة أنف الناقة: «فيقال بأن بني حنظلة بن قريع بن عوف كانوا يسمون بأنف الناقة، والسبب أن أباهم نحر جزورا، ووزعه على بنيه، وكان حنظلة غائبًا، فلما جاء إلى منزل والده لم يجد شيئًا، فأعطي الرأس فأخذه وكأنه غضب لذلك فأخذه من منخريه وسار به، فلما رأوه الناس قالوا له: أنف الناقة فالتصق به هذا اللقب وصار فيه وفي بنيه وكانوا يجدون حرجًا في ذلك ويتجاوزون الجد إلى جدهم الأعلى قريع خوفا من عار هذا اللقب فقد تأثرت نفسيته من جراء سخرية الناس منهم وتندرهم بهم لذلك لما كتب لهم أن يرتفع رسهم وترتفع قبيلتهم ببيت من الحطيئة فرحوا بالاسم وتعدلت نفسيتهم وأخذوا يتفاخرون باللقب في مجالس قومهم ويفخمون اسم القبيلة على سواهم».