وتر : كافكــا.. العاشق الأديب

شريفة بنت علي التوبية –

قرأت الكثير من أدب الرسائل، ولكن من أجمل الرسائل التي قرأتها هي رسائل فرانس كافكا لمعشوقته ميلينا، بما تحمله من صدق العاطفة، إنه كافكا الأديب العاشق الذي خلّد قصة حبّه في رسائل كان يكتبها لمحبوبته بشكل يومي، حتى تخال أنه لم يكن يفعل شيئاً في حياته غير كتابة تلك الرسائل، ولا يهمه شيء في الحياة أكثر من انتظار رسائلها (لم يشغلني شيء بشكل حقيقي سوى رسائلك، متعذب وعاشق ومتوحش..) لقد وهب كافكا حياته لتلك العاطفة الجياشة الصادقة، فيمضي أيام حياته، منتظراً متلهّفاً لرسالة قادمة منها إليه، لتطفئ ظمأ شوقه وحنينه إليها، في زمن لم يكن من وسيلة للتواصل غير البريد والرسائل المكتوبة، إنها ميلينا الصديقة والحبيبة التي يخبرها بكل تفاصيل يومه ومرضه وكآبته وفرحه وعذاباته، رغم أنه يعترف في رسائله الأخيرة إليها وبعد أن طلبت منه الابتعاد، إن الرسائل التي كان يعتقد أنها تقرّبه منها كانت تزيد عذابه، فكان عذاب قربها أشبه ببعدها، وأن كتابة الرسائل تعني التجرّد أمام الأشباح، وما هي سوى حيلة العاشق العاجز عن لقاء من يُحب.
لم يكن كافكا رجلاً عاديا حتى في حبه ورهافة إحساسه وصدق مشاعره، لقد كان صادقاً إلى درجة الألم والعذاب، وهو العاشق المريض الخجول الذي ابتلي بحب ميلينا المتزوجة والتي يدرك استحالة أن تكون له، فأرسل لها بلحظة تعب (لا أريد تعاستك يا ميلينا، أخرجي من هذه الحياة الملعونة التي سجنتك فيها) فترد عليه (وإن كنت مجرد جثة في العالم.. فأنا أحبك)، لذلك من يقرأ لكافكا، يدرك أن تلك العاطفة الصادقة بكل ما رافقها من عذاب ومرض ومعاناة، خلقت منه كافكا الغريب والمتفرّد في سرده وأدبه وعاطفته، إنها تلك العاطفة الصادقة التي لم ينشد منها سوى سعادة محبوبته، (أما عن احتياجي لك فليس ذلك الاحتياج لهدوء الجسد، ولكن لهدوء النفس التي تبعثين فيها القلق). لقد أسكنها قلبه حتى اللحظة الأخيرة من حياته، فلم يسع إلى شهرة أومجد، بل معظم أعماله نُشرت بعد وفاته رغم أنه طلب من صديقه حرقها، لكن صديقه لم يفعل، فنشرها بعد موته، ليقدم للبشرية أجمل ما كُتب في الأدب، رحل كافكا وهو في الأربعين من العمر وحيداً في عزلته مع مرضه وآلامه إلا من حبه لميلينا التي كانت رسائلها تنير عتمة ظلام حياته الدامس، وذلك هو سر الأديب إذا كتب، وسر العاشق إذا أبدع.