إدارة التغييـر الاقتصـادي

يوسف بن حمد البلوشي –
yousufhamad@yahoo.com –

لا يخفى أن عُمان على أعتاب مرحلة جديدة تتطلب تغييرا في منهج التنمية، مستندة في ذلك إلى حصيلة التجربة التنموية الثرية للسلطنة التي تخللتها العديد من الإنجازات واكتنفتها العديد من التحديات، والاستفادة من الأحداث ودروس التاريخ التي مرت بها المنطقة والعالم، والجهود المبذلة لاستشراف المستقبل. وفي رأينا أن الفرصة سانحة لشحذ الهمم والأرضية مناسبة لضبط بوصلة المسار التنموي في الاتجاه المرغوب والأمر الذي يستوجب إدخال التعديلات الضرورية في النموذج التنموي الحالي القائم نسبيا على الحكومة والموارد النفطية والصبغة الاستهلاكية والاعتماد على القوى العاملة الوافدة والاستيراد لتلبية الطلب المحلي، الى نموذج وآليات جديده قوامه الإنتاج والإبداع وإرساء قواعده على المؤسسات والإنسان العماني.
سنتناول باختصار القضية الوطنية لإدارة التغيير من خلال إلقاء الضوء على مبررات التغيير وحتمية التحول الى نموذج تنموي يمكن من جني السلطنة لثمار استثماراتها في مختلف الأصعدة والذي نوضح من خلاله أن التحول ليس رفاها وليس خيارا ولكنه ضرورة ملحة للتعامل مع التحديات المقبلة، والسلطنة تمتلك كل المقومات والموارد والجاهزية للتغيير خلال فترة وجيزة والانتقال إلى وضع مستدام يعمل وينتج وينعم فيه الجميع بالرفاه والسعادة .
إن التغيير سنة كونية فالمجتمعات إما أن تتبدل أو تتبدد ، وحتى الثبات يعتبر تراجعا إذا ما تم مقارنته بالآخرين وتأجيل المشاكل وإبقاؤها دون حل يزيدها تعقيدا وتضاعف تكلفة حلها. والتغيير الناجح كغيرة من الظواهر لا يحدث من تلقاء نفسه، بل يحتاج الى قيادة محكمة تستخدم الموارد والمقومات المتاحة ضمن مسارات مدروسة وباستخدام أدوات منهجية ومتابعة مستمرة حتى تحقق النتائج المأمولة.
ومن المعلوم أن هناك العديد من الأسباب التي جعلت من التغيير على مستوى المجتمعات والمؤسسات وكذلك الأفراد ضرورة ملحة وليس ترفا فكريا ، من بينها ثورة المعلومات والاتصالات والتنافس الشديد في الأسواق وبين الشركات وتغيير أذواق الأفراد وندرة الموارد. إلا ان العديد من محاولات التغيير تفشل نظرا الى تجاهلها العنصر البشري في التغيير. وإيمانا بقوله تعالى في سورة الرعد الآية 11 «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» فالتغيير لينجح فإنه لا بد أن يبدأ من الداخل وعلى من يدير التغيير أن يمارسه على نفسه ويمتلك مهاراته ويشعر بالحاجة الملحة إليه، وكما يجب ان تكون هناك خيارات متوفرة يمكن المفاضلة بينها واختيار الأفضل ويجب ان يرتبط التغيير بتغيير العقليات والقناعات الراسخة وتمكين القائمين عليه بمعارف ومهارات وطرق تفكير جديدة . فالنتيجة المختلفة تحتاج الى سلوك مختلف، كما يحتاج التغيير الى جهد ومثابرة للتغلب عليه.
وعليه، ولتتمكن الحكومة من النجاح في مسار إدارة التغيير لابد من أن تبدأ بنفسها أولا والقادة في المستويين الأول والثاني في إحداث تغييرات ملموسة لتقديم الإشارة الواضحة للأطراف الأخرى في مستويات الحكومة ومؤسسات الأعمال والمجتمع المدني والأفراد والمستثمرين المحليين والخارجيين. والتغيير منظومة متكاملة يجب تنفيذها بشكل تكاملي من خلال منظومة إنجاز مناسبة. كما أن هناك العديد من التحديات التي تواجه أي عملية تغيير منها ما يرتبط بالجانب البشري والتقني والمالي والتشريعي والبيئي وردة الفعل للرأي العام.
وتجدر الإشارة إلى أن هنالك العديد من الأسباب التي تحد من تفاعل مع التغيير والتحول، من بينها الرضى بالوضع الراهن والخوف من زيادة الأعباء وفقدان بعض الصلاحيات والأفضلية نتيجة للتغيير، ونقص المعلومات عن التغيير ومبرراته وتفاصيله ورؤيته التفصيلية وفوائده.
وعند استعراض تجارب الدول التي نجحت في مضمار التغيير نجد أن هناك قواسم ومفاهيم مشتركة منها إعادة هندسة العمليات re- engineering والجودة الشاملة total quality وإعادة الهيكلة restructuring والأفكار الجديدة تفتح مجالات جديدة New thinking, new possibilities وغيرها.
وبالنسبة للوقت المناسب لتبدأ عملية التغيير فإن التجارب العالمية تشير الى أن درهم وقاية خير من قنطار علاج ولذلك ينصح بأن تبدأ عملية التغيير في مرحلة الازدهار. وهناك العديد من العوامل الضرورية اللازمة لإحداث تحول جوهري في المجتمعات، يأتي على رأسها النظام العام أو البيئة العامة التي تكفل تفعيل العلاقة بين الأطراف ذات الصلة لإحداث التغيرات المطلوبة في محركات النمو المختلفة التي تتمثل في الوضع المؤسسي للدولة (مؤسسات الأعمال العامة والخاصة، والمؤسسات الاجتماعية والتشريعات واللوائح القانونية، والنظام الاقتصادي).
ومن المعلوم ان الحكومات يمكنها أن تؤثر على اقتصاد الدولة على مستويين: المستوى المالي والمستوى التنظيمي. ولإجراء تحول ما فإن الأمر يقتضي بالضرورة أولًا تغيير عقلية صانعي السياسات، ورجال الأعمال، وأفراد المجتمع. وأن تفاوت الدول فيما يتعلق بمدى نجاحها على المستوى الاقتصادي يُعزى إلى اختلاف جودة مؤسساتها، والقواعد التي تؤثر في عمل الاقتصاد والحوافز التي تحفز الناس. ولا شك أن الطريق نحو إدارة التغيير لضمان الوصول إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة يحتاج إلى درجة عالية من العلم والوعي والإدراك بطبيعة هيكل وخصوصية الدولة حتى يمكنها اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب وباستخدام الآلية المناسبة.
وبالنسبة للسلطنة فإنه يمكننا القول بأن تركيبة التنمية والاقتصاد العُماني الحالية غير مثالية ، فهو اقتصاد يعتمد على مصدر نفطي ناضب في الحصول على معظم دخله ويعتمد على الإنفاق الحكومي لتحريك عجلة الإنتاج والاستهلاك وكذلك يعتمد على القوى العاملة الوافدة والاستيراد لتلبية الطلب المحلي. والجميع على يقين أن جاهزية السلطنة عالية للانتقال الى طور جديد من النمو تعضده الإنجازات والمقومات والموارد البشرية الوطنية.