قمة فارقة لمستقبل التعاون العربي على مختلف الأصعدة

يسرا الشرقاوي –
من أكثر القضايا الجدلية والتي تعد أساسية على أجندة قمة تونس إمكانية رفع التجميد عن عضوية سوريا منذ عام 2011 بجامعة الدول العربية. 

المؤكد أن اجتماعا لوزراء خارجية الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية سيعقد يوم 29 مارس الجاري. وأن قمة لزعماء وقيادات دول الجامعة سوف تعقد بعدها بيومين، في 31 مارس. والمؤكد أيضا أن تونس ستستضيف فاعليات ما سيكون القمة الـ30 لجامعة الدول العربية. ولكن غير ذلك يبدو هناك الكثير من علامات الاستفهام حول القمة المرتقبة والمتوقع منها.
في تصريح له، أكد رئيس تونس الباجي قائد السبسي أن عقد القمة ببلاده، سيكون بمثابة «شرف بالنسبة لتونس ومواطنيها»، وشدد في سياق التصريحات ذاتها والتي نقلتها عنه عدد من وسائل الإعلام أن القمة أيضا تشكل «فرصة» بالنسبة لدول جامعة الدول العربية للتقارب وتدعيم «فرص العمل العربي المشترك». والحقيقة أن جزئية «العمل العربي المشترك» تحديدا من أكثر الأمور إثارة للجدل وتضارب التكهنات حول المنتظر من قمة تونس.
فعقد القمة في حد ذاتها سيتم اعتباره إنجازا وبرهانا على التزام الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية على استمرار، والتطوير إذا أمكن، لسبل العمل المشترك. فبعد سجل من الإلغاء والتأجيل والتبديل في مواعيد القمم العربية، وأحيانا عقدها ولكن بحضور متواضع على غرار ما جرى في «القمة العربية الاقتصادية» والتي جرت في بيروت يناير الماضي وسط غياب أغلب القيادات العربية، يزيد أهمية القمة المرتقبة.
أما ثاني القضايا التي يتوقع أن يكون للقمة المقبلة دور في تناولها، هو سبل التعاون بين أقطار الجامعة، والأهم التعاون الخارجي ما بين كتلة الدول العربية من جانب والتكتلات الاستراتيجية والاقتصادية خارجيا.
ويلاحظ أن تسيير وتطوير سبل التعاون ما بين الجانب العربي والتكتلات الخارجية، سيكون له دور في إعادة ترسيم وتطوير علاقات الجانب العربي أساسا. فقمة تونس تأتي بعد أسابيع قليلة من عقد أول قمة عربية – أوروبية استضافتها القيادة المصرية في مدينة شرم الشيخ. ورغم أن قمة شرم الشيخ، حققت فكرة «السبق» بتكريس مشروع المنصة المشتركة للتلاقي العربي – الأوروبي، وانتهت إلى قرار بتكرار اللقاء الثنائي عام 2022. وهذه المنصة تعتبر بالغة الأهمية في ضوء التحديات المتعددة والمشتركة بين الجانبين. فبخلاف فرص التعاون الاقتصادي والتجاري التي يمكن أن تتعاظم بفضل هذه المنصة المستحدثة، هناك أيضا فرص التوافق والتعاون في مجالات استراتيجية مثل مكافحة الإرهاب، وهي القضية التي تزداد أهمية يوما بعد يوم في ضوء استمرار الجدل حول مصير تنظيم «داعش» الإرهابي، ومصير فلوله العائدين من ساحات النزاعات الحديثة مثل سوريا إلى الدول الأم سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط. ويمكن اعتبار القضية الأخيرة لــ«عروس داعش» البريطانية، شاميما، بعض أهون تفاصيل هذه القضية المعقدة.
ويضاف إلى ذلك ملف مشترك مواز، وهو «اللجوء غير الشرعي»، حيث شهدت الدول الأوروبية في الفترة الأخيرة تراجعا، ولكن ليس انتهاء تاما في وتيرة الهجرة غير المشروع وطالبي اللجوء الوافدين عبر سبل غير شرعية متخذين مسلك البحر الأبيض المتوسط مسارا. وشكل الشرق الأوسط ودول شمال إفريقيا إما بؤر تصدير رئيسية لهذه الظاهرة، أو محطات انتقالية على مسار قوارب اللجوء إلى أوروبا. وفقًا لتقرير نشره موقع «بلومبيرج» الأمريكي الاقتصادي بتاريخ 13 مارس الجاري، تم تأكيد فكرة أن الاتحاد الأوروبي في حاجة شديدة توازي الحاجة العربية، أو قد تفوقها، فيما يتعلق بدعم هذه المنصة وفرص التعاون المرتبطة بها مستقبلا. ويمكن للقمة العربية التونسية مراجعة مستخلصات قمة شرم الشيخ، والبناء عليها بوضع استراتيجية لتحفيز التعاون الثنائي على مختلف الأصعدة.
وبذكر التعاون الأوروبي – العربي، يتوجب الإشارة إلى أن ذلك التعاون لا يقتصر على المجالات الاقتصادية والأمنية، لكنه يتعلق أيضا بأبرز الملفات العربية المطروحة للحسم خلال الأشهر المقبلة، وفي مقدمتها الملف الليبي. فمع حالة الانقسام الداخلي في ليبيا وفرصة الانتخابات الوشيكة هناك، يضاف إلى ذلك الدور الأوروبي، متمثلا أساسا في الدورين الفرنسي والإيطالي والصراع الاستراتيجي بين الحليفين الأوروبيين، يزداد أهمية قمة تونس في تكريس دور عربي فعّال في ما يخص توجيه القضية الليبية خلال الأشهر الفارقة المقبلة. ويمكن استطلاع الإدراك العربي لهذا الدور من خلال مناقشة الاجتماع العربي لوزراء الخارجية، والذي عقد في القاهرة مطلع مارس الجاري.
فقد تمت مناقشة مطالب وزير خارجية حكومة الوفاق الوطني في ليبيا محمد طاهر سيالة بدعم المطالب الليبية لتسليح قواتها بحيث تتحقق أهداف حفظ الأمن المحلي، والهدف الأهم لتبعاته الإقليمية، مكافحة الشبكات الإقليمية والدولية لأنشطة الإرهاب والتهريب. وكذلك دعم جهود إعادة بناء وتقييم مؤسسات الدولة الليبية. وما لا يقل أهمية عن الملف الليبي، يتوقع التوصل إلى موقف عربي موحد ومحدد فيما يخص مستقبل القضية الفلسطينية، التي أعاد وزير خارجية مصر سامح شكري التأكيد مؤخرا على أنها ما زالت القضية العربية الأولى. ويزداد أهمية تطوير وتأكيد موقف القمة العربية، مع تنامي الضغوطات المتربصة بالشأن الفلسطيني، سواء من حيث المزايدات الانتخابية من جانب الكيان الإسرائيلي، وذلك في أعقاب الدعوة لعقد انتخابات مبكرة أبريل المقبل. ويضاف إلى المتغير الإسرائيلي، المبادرة الأمريكية المطروحة منذ بداية الولاية الحالية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يناير 2017، والمعروفة بـ«صفقة القرن»، والتي تم طرحها من جانب الإدارة الأمريكية كمنافس لمبادرة السلام العربية المتكاملة، لحل النزاع العربي – الإسرائيلي.
وينتظر أن تنتهي قمة تونس إلى إعادة المبادرة العربية التي تم طرحها أول مرة عام 2002، إلى واجهة الأحداث وعدم السماح بإزاحتها من قائمة خيارات الحل للشأن الفلسطيني. فالمبادرة تؤكد على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وحتمية انسحاب الكيان الإسرائيلي من مجمل الأراضي المحتلة وحتى حدود الرابع من يونيو عام 1967 بالضفة الغربية وقطاع غزة والتزام القدس الشرقية كعاصمة لدولة فلسطين.
ومن أكثر القضايا الجدلية والتي تعد أساسية على أجندة قمة تونس إمكانية رفع التجميد عن عضوية سوريا منذ عام 2011 بجامعة الدول العربية. ويتوقع أن تنتهي القمة المنتظرة إلى موقف واضح من مسألة عودة عضوية سوريا، وخاصة عقب خطوات التقارب الأخيرة بين دمشق من جانب وبين عدد من الدول العربي في الآونة الأخيرة ومنها السودان والإمارات العربية المتحدة والأردن وغيرهم. فالإرادة العربية تدرك أهمية لعبها دورا أساسيا في توجيه الشأن السوري خلال المرحلة المقبلة عقب انسحاب أغلبية القوات الأمريكية والإبقاء على مجرد 400 عنصر عسكري من أصل ألفي عنصر كانت منتشرة في الآونة الأخيرة بسوريا وتتعاون مع عدد من بؤر القوة والتأثير ميدانيا من أجل تحقيق توازن للقوى مقابل التواجد الروسي.
أهمية وحيوية الملفات المطروحة أمام قمة تونس العربية، تجعلها قمة فارقة بالنسبة لمستقبل الشأن العربي على مختلف الأصعدة الاستراتيجي والاقتصادي والأمني، ويجعلها قمة فارقة أيضا بالنسبة لتحقيق كل من التعاون وكذلك التوازن مع باقي القوى الموجهة مثل القوة الأوروبية والأمريكية.