وتر: ذات مساء ضَجِر

شريفة بنت علي التوبية –

وأنا أقرأ نص قراصنة وادي عدي للقاص حمود سعود في مجموعته الأخيرة أحلام معلّقة على جسر وادي عدي، كان السارد الضَجِر والمصاب بالأرق يتخيل الأموات يخرجون من قبورهم (رأى في الحلم الموتى وهم يخرجون من المقبرة، مطالبين أهل المدينة أن يتوقفوا عن مزاحمتهم، استغل البعض الفرصة وذهب ليسلّم على عائلته..)، يصور السارد المشهد فيعيش القارئ الحدث ويتخيله، يأخذ الحلم القارئ إلى تلك العودة المتخيّلة لمن أحبهم، يتحايل على الغياب، وينتصر على الفقد، فيرى من رحل عنه وقد عاد إليه، يصبح القارئ جزءا من المشهد، فيعيش لذة حضور الغائب، وعودته كخيال عذب لا يعرفه سوى الفاقد المشتاق، ورغم إدراكه بأن الحدث الذي يعيشه ليس سوى مشهد متخيل في نص السارد لكنه يشعر بالقلق فيتساءل، لو خيّر الراحلون بين موتهم والحياة هل سيقبلون العودة إلى حياتهم السابقة، أم سيتشبثون بموتهم كما كانوا متشبثين بحياتهم؟
يتعبه السؤال، فيخرج من حدود النص، ويبتعد عن الواقع، يلغي فكرة الزمان والمكان، ينتظر راحلا لن يعود أو يتمنى موتاً مشتهى لم يأت، يتخيله موتا جميلا، فيتهيأ له، ويكتشف أنه حينما بكى لحظة رحيلهم، لم يكن بكاءه سوى خوفا من الحياة، وخشيته أن تصبح حياته فارغة من وجودهم، فيرعبه الشعور وقد غدا وحيدًا وسط زحام البشر، يرعبه فقد يد حنونة كانت تقبض على يده بلحظة خوف، يرعبه غياب كتف آمن كان يسند عليه رأسه المتصدّع بلحظة تعب، يرعبه غياب قلب مُحّب كان يحتوي حماقاته بلحظة ضعف، يؤرّقه الشوق ويتعبه الحنين رغم علمه أن من ذاق راحة الموت لن يرجع لتعب الحياة، فيأخذه الخيال ليرى أرواحًا يقف بعضها على باب الجنّة، تنتظر أحبتها كي يشاركونها نعيم ما هي عليه، وذلك ما يضيء عتمة الشوق ويبدد وجع الحنين في قلبه، فيستفيق من غفوة الحلم، ويدرك أن الخيال ليس سوى كذبته العذبة، يهرب من درب الحكاية مرتدًا إلى درب الحياة التي ترسم له المشهد كاملاً، يسلّم نفسه للحياة، فيشعر كم هو وحيدٌ من دون وجودهم أو عذب خيالاته بهم، تجتاحه الغربة ويؤرّقه الحنين، وتوجعه الحقيقة وهو يرى نفسه بين المجانين والحمقى، يعود إلى سطور النص، فيجد المدينة قد خلت من الموتى والمجانين ولم يبق فيها سوى قمر ينير سماء ليلها المعتم الضَجِر، وسارد ما زال يعلّق أحلامه على جسر الوادي، وقارئ يقلّب الصفحة تلو الصفحة كي يبدد بذاك الحلم ضَجَر الحياة.

جريدة عمان

مجانى
عرض