إخفاق حوارات موسكو

ماجد كيالي –

لم يكن من المتوقّع، ولا في أية حال، نجاح الفصائل الفلسطينية، وتحديداً الحركتان الرئيستان المهيمنتان على النظام السياسي الفلسطيني، أي «فتح» و«حماس»، في طيّ صفحة الانقسام، واستعادة وحدة هذا النظام، وذلك في المؤتمر الذي عقد مؤخّرا في موسكو، تحت رعاية وزير الخارجية الروسية، إذ ما لم يتم تحقيقه في اجتماعات سابقة خصّصت لهذا الغرض، منذ 12 عاماً، في مكة وصنعاء والدوحة والقاهرة وغزة ورام الله، لن ينجح في عاصمة أخرى، بل إن الفشل كان متوقعاً، لأكثر من سبب إضافي في الظروف الراهنة.
على ذلك لا يمكن إحالة سبب انفضاض الاجتماع، حتى من دون إصدار بيان مشترك، رغم هزالة المسودة التي نشرت، إلى النص على قيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، فهكذا نص ورد في عديد من وثائق المصالحة السابقة، بل إن حركة «حماس» باتت تتبناه وتضمنه في وثائقها، وفي تصريحات قادتها.
أيضاً، هذا لا يتعلق برفض حركة الجهاد الإسلامي التوقيع على المسودة، لهذا السبب أو ذاك، وضمن ذلك، مثلاً/‏‏ اعتبار المنظمة الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، أو النص على دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، إذ أن تلك الحركة اعتادت اللعب في الهوامش الفلسطينية، وإعلاء نبرتها للتغطية على طابعها، أو على تبعيتها، كما اعتادت جميع الفصائل على اعتبار تلك الحركة خارج تلك الإطارات الجمعية، علما أن حدود تأثير حركة «الجهاد» الفاعل لا يتجاوز قطاع غزة، كما هو معروف.
هكذا، يمكن إحالة فشل التوافق في موسكو إلى أسباب متعددة، ضمنها:
أولاً، شعور الفصائل المعنية، خاصة فتح وحماس، بأن موسكو لا تمثّل ثقلا وازناً في المعادلات السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، سيما مع العلاقات الممتازة التي تربطها بإسرائيل، بدليل زيارات نتانياهو المتكررة إلى موسكو، ولقاءاته بوتين، وبدليل التنسيق الوثيق بين الطرفين في الصراع السوري.
ثانياً، كان من الصعب على الحركتين المعنيتين (فتح وحماس) إهداء ملف المصالحة، ولو شكليا، لموسكو، على حساب مصر، إذ أن حماس تتحسب لردة فعل أية غضبة مصرية، كما أن فتح لا ترغب في ذلك، للسبب ذاته.
ثالثا، في الواقع لا توجد ظروف تساعد على طي ملف الانقسام والاختلاف واستعادة الوحدة للنظام السياسي الفلسطيني، حيث فتح سلطة في الضفة، وحماس سلطة في غزة، إذ من المستحيل لسلطة أن تتنازل للأخرى، كما اختبرنا بالتجربة وبالأثمان الباهظة، كما من المستحيل لحركة حماس أن ترضى بأية تنازلات من دون حجز حصّة لها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.
رابعاً، يبدو من تحليل مجمل الظروف الإقليمية أن توظيف إيران لجهودها، في الشأن الفلسطيني، يتركز اليوم في غزة، وهي وإن كانت ما زالت تتمتع بعلاقات مع قطاعات مهمة في حماس، إلا أنها تحاول أن تعزز من مكانة حركة الجهاد الإسلامي في غزة، باعتبارها الحركة الأكثر استجابة للإرادة أو للتوظيفات السياسية، لذا فهي في هذه اللحظة التي تتعرض فيه للاستهداف (سيما مع العقوبات الأمريكية ومع عقد مؤتمر وارسو) فإن أكثر ما تفكر فيه هو كيفية رد الاعتبار للقضية الفلسطينية مجددا، بعد أن استنزفت كثيرا من مواردها في الصراع السوري.
إضافة إلى تلك الأسباب ثمة سببان أساسيان آخران، أولهما، أن اللحظة السياسية الدولية والإقليمية تريد الحفاظ على الستاتيكو القائم المتمثل بالانقسام الفلسطيني، لتسهيل المضي في صفقة القرن، وتمريرها.
وثانيهما، أن الجهود في هذه اللحظة، أيضا، تتركز على إضعاف نفوذ إيران، ونزع أوراقها في الإقليم، ويأتي ذلك ضمن الساحة الفلسطينية، أي أن الأمر يتطلب مزيدا من إضعاف حماس والجهاد الإسلامي.
الآن، وبمعزل عن كل ما تقدم من أسباب، فإن إخفاق اجتماع القاهرة يعود إلى افتقاد الأطراف المعنية لرؤية سياسية تؤسس لإجماع وطني فلسطيني جديد، بعد إخفاق التسوية، وانسداد حل الدولتين، وسعي الأطراف إلى نوع من شراكة في السلطة، بدلا من التوجه نحو إعادة بناء البيت الفلسطيني (المنظمة والسلطة والإطارات الوطنية) على قاعدة مؤسسية وتمثيلية وديمقراطية وتشاركية، وعلى قاعدة الانتخابات، وليس على قاعدة المحاصصة (الكوتا)، وعلى قاعدة إعادة تعريف الفصائل الفلسطينية، إذ عديد من الفصائل لم يعد لها دور ولا معنى في المعادلات السياسية الفلسطينية، كما لم يعد لها مكانة في أوساط الفلسطينيين، في الداخل والخارج؟
السؤال الذي يدور في أذهان أغلبية الفلسطينيين اليوم هو: لماذا لا تجتمع قيادات الفصائل الفلسطينية في مدن رام الله أو الخليل أو نابلس أو غزة؟
أو لماذا لا تتحاور هذه القيادات في الإطارات الشرعية في المجلس الوطني أو في المجلس التشريعي أو في أي ملتقى يتفق عليه؟
لماذا لا تتحاور إلا في عواصم بعيدة في مكة أو قطر أو صنعاء أو القاهرة أو موسكو؟ لماذا؟