المفارقة بين أزمات إسرائيل وأزماتنا!

ماجد كيالي – كاتب فلسطيني –

صار الحديث عن أزمات إسرائيل لازمة في الخطاب السياسي العربي، على نحو ما شهدنا مؤخّرا، مثلا، في أعقاب تقديم أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع السابق، استقالته من الحكومة، أو قيام جهاز الشرطة الإسرائيلية بتوجيهات اتهامات لرئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، وهو الرجل الذي شغل هذا المنصب أكثر من أي رئيس حكومة سابق، باستثناء دافيد بن غوريون (المؤسس)، ناهيك أنه زعيم أكبر حزب في إسرائيل.
هكذا، يغيب عن بال كثر عندنا أن أزمات إسرائيل، وهي كثيرة وعميقة، تختلف عن أزماتنا، التي تتعلق، في كثير منها، بقصور قدرتنا على بناء مجتمعات مواطنين، في حين أن إسرائيل، التي قامت على جلب اليهود من مختلف أنحاء العالم، مع انتمائهم إلى إثنيات مختلفة وحديثهم بلغات متعددة، استطاعت دمجهم، وتشكيل الهوية الإسرائيلية، في نظام مواطنين متساوين (طبعا بالمعنى النسبي)، وهو ما لم نستطعه ولا حتى على مستوى البلد الواحد، رغم أننا ننتمي إلى إثنية واحدة رئيسية، ورغم أننا نتحدث لغة عربية واحدة.
أيضا، استطاعت إسرائيل بناء دولة مؤسسات وقانون، ذات نظام ديمقراطي، وهي تحظى بانتخابات دورية، بالطريقة النسبية التي تتيح المشاركة للجميع، وتعتمد الفصل بين السلطات (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وتداول السلطة، وحرية الأحزاب والرأي والتعبير، في حين أننا لم نستطع بناء دولة مؤسسات وقانون، بمعنى الكلمة، ناهيك عن تعثر الديمقراطية، ومصادرة الحريات في معظم العالم العربي. وبديهي أن الحديث عن نظام ديمقراطي في إسرائيل، رغم كل الثغرات فيه، هو أمر يخصّ مواطنيها اليهود، أساسا، بمعنى أن ذلك لا يحجب، ولا يبيّض، حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية (وإن تم استخدام الأسطورة الدينية على وجهين، الديني والقومي).
مفيد التذكير هنا أن إسرائيل شهدت عشرين دورة انتخابية للكنيست، منذ قيامها (1948)، في 70 عاما، بمعدل دورة انتخابية كل 3.5 سنة، وتداول على رئاسة حكومتها 12 شخصا، بمعدل حوالي ست سنوات للشخص الواحد، ينتمون إلى عديد من الأحزاب، وإن كان أهمها، العمل والليكود.
في غضون ذلك لنلاحظ، أيضا، أن هذه الدولة متفوقة اقتصاديا، إذ إن الناتج السنوي لها بات يقدر بأكثر من ثلاثمائة بليون دولار، ومعدل دخل الفرد فيها وصل إلى 36 ألف دولار، علما أن ناتجها السنوي قبل أعوام قليلة كان يقدر بحوالي 206 بلايين دولار، مع دخل فردي قدره 27 ألف دولار؛ أي أنها دولة مستقرة وتتطور. فوق ذلك فهي تعد من الدول الأولى في العالم في إنفاقها على البحث العلمي، 3.5 بالمائة من إجمالي دخلها السنوي، وهو يزيد عما ينفقه العالم العربي كله. وتصدر إسرائيل بما قيمته 66 بليون دولار سنويا، معظمها من الصناعات المتطورة والإلكترونيات، وهذا يعادل 25 بالمائة من صادرات العالم العربي من الصناعات التحويلية، في حين تخصص 16 بليون دولار لأغراض الإنفاق على المجالات الأمنية والعسكرية، مع التذكير بأن إسرائيل تنفق نسبة كبيرة من موازنتها على التعليم والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، حتى باتت من أهم الدول إنتاجا لصناعات الهاي تيك والبرمجة على صعيد العالم.
طبعا، هذا لا يعني أن إسرائيل هي دولة فريدة من نوعها، وخالية من التناقضات، فثمة فيها تناقض بين المتدينين والعلمانيين، وبين الشرقيين والغربيين، وبين اليسار واليمين، وبين الأغنياء والفقراء، وبين دعاة الهوية الإسرائيلية ودعاة الهوية اليهودية العالمية، كما بين العرب واليهود المستوطنين الخ، لكن ما يفترض إدراكه هنا أن طريقة عمل النظام الإسرائيلي، ونمط الثقافة السائدة، وانتهاج الديمقراطية والانتخابات، تساعد على هضم هذه الخلافات أو التناقضات والسيطرة عليها، وإدارتها بطريقة لا تخل كثيرا بأداء النظام، أو بالاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلد.
حسنا، وإزاء كل ذلك، ماذا عن حالنا؟! عن إدراكاتنا القاصرة لعدونا؟ فأن يطلب جهاز الشرطة رئيس الحكومة، وزعيم أقوى حزب، للتحقيق فهذا دليل قوة ومنعة للنظام الإسرائيلي، بغض النظر عن عدائنا لإسرائيل، إذ إن ذلك دليل فصل بين السلطات، وخضوع للقانون من أي مسؤول، ودليل تداول على السلطة وتمسك بالديمقراطية، أي أن ذلك ليس دلالة على ضعف.
المفارقة أن الأنظمة السائدة التي أجلت في معظمها الحرية والديمقراطية وحتى التنمية والعيش الكريم برّرت كل ذلك بدعوى التفرّغ للقضية المركزية، أي قضية فلسطين، ومواجهة إسرائيل، في حين أن هذه الدولة الصغيرة، بمساحتها وعدد سكانها ومواردها، والمعزولة وسط محيط عربي هائل، ومعاد لها، تواصل حياتها، وضمنه انتخاباتها السياسة كل ثلاثة أو أربعة أعوام!.