قرار الخروج.. أبعد من الانتهاكات الروسية

د. صلاح أبونار –

من السهل أن نكتشف عند مراجعة التحليلات المنشورة، بشأن قرار مغادرة « معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى»، وجود نمطين من الإجماع. أولا لن نجد خروجا عليه يقر بوجود انتهاكات روسية متواصلة لأحكام المعاهدة، وثانيا أقل قوة ولكنه يظل إجماعا أساسيا يرى أن القرار لا يشكل الحل الصحيح أو الأمثل لمشكلة حقيقية.

ولدت المعاهدة عام 1987 عند نهايات الحرب الباردة وقبل شهور قليلة من انهيار الاتحاد السوفييتي، وحملت أحكامها سمات لحظة ميلادها التاريخية وتوازناتها الأساسية. نصت المعاهدة على إزالة الصواريخ متوسطة المدى المنصوبة أرضا (من 500 كم الى 5500 كم)، الموجهة ( الباليستية) والجوالة (كروز)، ومعها منصاتها. ولكنها لم تكتف بالإزالة بل نصت على أمور أخرى هامة كفلت نجاحها. فلقد منعت إنتاج هذه الصواريخ واختبارها، ونصت على إجراءات تحقيق وتفتيش ميدانية متعددة ومتكاملة عالية الكفاءة، وعلى تكوين «لجنة مراجعة خاصة» لمناقشة مشاكل التطبيق والشكاوى المتبادلة، عقدت منذ تأسيسها 30 اجتماعا آخرها في أكتوبر 2017. وعبرت أحكامها السابقة عن نهاية الحرب الباردة، لأنها كانت المرة الأولى في تاريخ الحد من الأسلحة النووية، التي اتفق فيها علي إزالة فئة كاملة من الأسلحة وليس مجرد تخفيض أعدادها، وبصحبة نظام تفتيش ميداني محكم. لكنها من جهة ثانية لم تنص علي أي أحكام تتعلق بالصواريخ المحمولة جوا وبحرا، وهو النمط الذي كانت الولايات المتحدة تتفوق فيه تفوقا ظاهرا. وفي تخطيها لهذا النمط عبرت عن توازن القوى لحظة نهاية الحرب الباردة، والذي كان مختلا لصالح أمريكا. وبتكوينها هذا حققت إنجازات كبيرة، حيث تمكنت حتى عام 1991 من تدمير 2700 صاروخ على الجانبين، وساهمت في تدعيم الوفاق الدولي، وسمحت لأوروبا المستضيفة لأغلب الصواريخ بالاسترخاء السياسي. والخلاصة أن المعاهدة كانت تعمل لصالح أمريكا أساسا.
الأمر المؤكد أن الانتهاكات الروسية كان لها دورها في دفع أمريكا لقرار الانسحاب. لكنها لم تكن العامل الوحيد، كما يصعب علينا إذا وضعناها في سياق العوامل الأخرى، أن نحدد وزنها ودورها الفعلي في صنع القرار. ترجع هذه الانتهاكات إلى 2014، وقبل ذلك لا نجد أي شكوى ذات معنى تمس التزام روسيا بالمعاهدة. في هذا التوقيت شرعت في تطوير نوع جديد من صواريخ كروز متوسطة المدي اعتبرته واشنطن منتهكا لأحكام المعاهدة. ولم تتمكن إدارة أوباما من إيقاف مسيرتها، وواصل الروس التجارب الجديدة على مدى السنوات التالية. ويمكننا أن نرد هذا التحول في الموقف الروسي من المعاهدة وتصاعده الى سياق تحولات روسية أعم . صعود النزعة القومية الروسية، ومعها عداء للعالم الغربي وتشكك واسع وعميق في نواياه تجاه روسيا. والتدخل الروسي العسكري في القرم وأوكرانيا وسوريا، وإطلاق بوتين لسياسة تحديث نووي جديدة تجسدت في زيادة عدد الصواريخ النووية المحمولة بحرا، وتطوير نظم جديدة لنقل الصواريخ برا مثل نظام القطار الدوار، وتطوير غواصات نووية عملاقة مصممة لنقل صواريخ كروز. تطورات كان من شأنها ان تقود الى انتهاكات للمعاهدة، خاصة أنها وجهت لجبهة الناتو الذي اعتبرته روسيا مع اتجاهه للتوسع شرقا، مصدر تهديدها الأمني الأساسي.وفي 2017 وصلت تجارب صواريخ كروز البرية الجديدة الى نهايتها، وفي 8 نوفمبر أخبر جيمس ماتيس وزراء دفاع الناتو، ان معلوماته تفيد أن روسيا نشرت بالفعل تلك الصواريخ الجديدة، في انتهاك سافر لأحكام المعاهدة.
ولكن من قبيل التبسيط ان نرجع كل عوامل القرار الأمريكي الى تلك الانتهاكات. في ديسمبر 2017 وبعد ان ثبت بالدليل الواقعي انتهاك روسيا العملي للمعاهدة، قررت الإدارة الأمريكية تبني استراتيجية دعتها الاستراتيجية المتكاملة لإعادة موسكو للالتزام بأحكام المعاهدة، عبر حزمة من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، الأمر الذي يفيد أن مجرد الانتهاك الروسي لم يولد آليا التفكير في الخروج . والواقع انه كانت هناك عوامل أخرى تخص أمريكا ذاتها، لعبت دورها في استكمال الدفع في هذا الاتجاه.
على المستوى العام نشير إلى أن بعض سمات سياسة الإدارة الجديدة تجاه النظام الدولي ، والتي تمزج بين عداء التنظيمات الدولية والسعي لتقليص اختصاصاتها، والانسلاخ عن المعاهدات الدولية وإعادة التفاوض على أحكامها وعضويتها من جديد، وإعادة التشكيل الأحادية للتحالفات العالمية. ويمكننا أن نفسر مساحة من توجهات الإدارة صوب قضايا الحد من التسلح النووي في هذا السياق.ونجد ما يشير الى ذلك في ظاهرتين. الأولى موقف ترامب وبعض ابرز أعضاء مجلس الأمن القومي من «معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية»، المعقودة مع روسيا أيضا والمعروفة باسم ستارت الأولى وستارت الثانية. أضحى الآن من المسلم به ،أن ترامب وجون بولتون وتيم موريسون، يرون عدم تجديد ستارت الثانية في 2021 موعد نهايتها. رغم غياب أي أزمات حتى الآن مع روسيا بشأنها، وفقط من منطلق انتقادهم لاحكام الاتفاقية بمعزل عن الالتزام الروسي بها. والثانية تولي جون بولتون منصب مستشار الأمن القومي في أبريل 2018.وفقا لآراء كل المحللين كان بولتون القوة المحركة لقرار الخروج. ولبولتون أصلا رؤية معادية لنزع السلاح النووي، وكان القوة المحركة لخروج أمريكا عام 2001 من معاهدة 1972 المضادة للصواريخ الباليستية، وكان معارضا للاتفاقية النووية مع إيران ثم محرضا على الخروج منها، وفي عام 2010 عارض بحدة توقيع ستارت الثانية.
وعلى المستوى الخاص يمكننا الإشارة الى ما يدعى بالسياسة النووية الأمريكية الجديدة. بعيدا عن رطانة ترامب النووية من نوع « النار والغضب»، تبدو المؤسسات الأمريكية الحاكمة الآن متجهه صوب سياسات تطوير كمي وكيفي للسلاح النووي. في فبراير 2018 صدرت عن وزارة الدفاع الأمريكية، وثيقة الاستراتيجية النووية الأمريكية الدورية:«مراجعة الوضع النووي 2018»، وكان آخر إصداراتها عام 2010. شددت الوثيقة على توسيع ترسانة أمريكا النووية، من خلال التوسع في إنتاج الأسلحة النووية التكتيكية، وخاصة المحمولة بحرا. والهدف تطويع قدرات السلاح النووي لكي يكون قادرا على خوض حروب نووية تكتيكية، من خلال مفهوم جديد تدعوه « خيار المردود المنخفض». ويعني سلاحا نوويا سهل الاستخدام، قادر على إحداث تدمير محدود ضد أهداف صغيرة بشرية وعسكرية، وفي مواجهة فئة واسعة وجديدة من الهجمات أو الأهداف، ليس شرطا أن تكون نووية مثل الهجمات السيبرية . أسلحة نووية محدودة ومتفاوتة القدرات التدميرية، على عكس القديمة المصممة لتحقيق دمار شامل للمدن والجيوش. وتضيف الوثيقة ان هذا الخيار من شأنه، المحافظة على قوة الرادع النووي ومصداقيته، وإضفاء صفة المرونة علية ، والتنوع على الخيارات النووية.
واجه القرار بمجرد صدوره عاصفة من النقد، اتخذت وجهتها عدة مسارات، وكلها لا تشكك في الانتهاكات. مسار أول يرى أن الانتهاكات ليست بسيطة، لكنها أيضا ليست بالخطورة المنسوبة إليها، و مخاطرها لا توازن تكلفة الانسحاب من المعاهدة. ومسار ثان يتشكك في جدوى الذريعة الصينية المبررة للانسحاب. تخبرنا تلك الذريعة ان الالتزام بالمعاهدة يمنع تطوير صواريخ كروز، اللازمة لمواجهه الخطر المتصاعد للصواريخ الصينية متوسطة المدى. طرح النقاد ان الترسانة النووية الصينية ليست بهذه الخطورة، وقوتها حتى الآن بالمقارنة بالقوة الأمريكية حسب وصف خبير أمريكي:«محدودة جدا». وأضافوا أن الطريقة الاستراتيجية المثلى لمواجهة التهديد الصيني، هي صواريخ كروز المحمولة بحرا وجوا التي لم تشملها المعاهدة، والمنتشرة في القواعد الأمريكية في الباسفيكي. ونوهوا الى ان المعاهدة لا تمنع حلفاء أمريكا في الباسفيكي، من إنتاج ونشر تلك الصواريخ. ومسار ثالث يطرح ان الانسحاب نتيجته الحتمية إطلاق سباق تسلح نووي ضارٍ. لأنه سيرفع ما تبقى من قيود على نمو الترسانة متوسطة المدى الروسية، وسيهدد تجديد معاهدة ستارت الثانية، وبالتالي قد يطلق سباق التسلح في الصواريخ طويلة المدى ، وسيحد من القدرة الأمريكية على مواجهة واحتواء مصادر التهديد الحقيقة مثل المصدر الكوري الشمالي لأنه سينتقص بقوة من مصداقية التعهدات الأمريكية المستقبلية في المجال النووي . ومسار رابع يرى أن الخروج سيدخل واشنطن في معركة سياسية إعلامية ستخسرها على الأرجح. لأن إثبات صحة القرار الأمريكي في حاجة الى جهد ووقت طويل، بينما لا يحظى الموقف الأمريكي بدعم الحلفاء الغربيين، وتتراجع مصداقية القيادة الأمريكية عالميا. ومسار خامس يرى ان الطريقة المثلى لمعالجة الانتهاكات الروسية، هي البقاء في المعاهدة مع ضغط متواصل على موسكو للالتزام الكامل بها. عبر حزمة من الضغوط الاقتصادية والسياسية، وتطوير أسلحة جديدة قادرة على موازنة نتائج الانتهاكات، وإعادة التفاوض على الاتفاقية لمعالجة ثغراتها . ويعترف أنصار هذا الرأي على أن الضغط في حاجة الى وقت ليثمر ثماره، وانه قد لا يثمر ثماره بالكامل، لكنه يمتلك ميزة الفعل المؤثر مع الإبقاء على المعاهدة ومزاياها وإنجازاتها الأكيدة.
في معرض نقد القرار قال الرئيس الروسي السابق جورباتشوف:« هل القائمون على الأمور في واشنطون يدركون فعلا ما يقودوننا إليه؟». وفي تصريح لاندرو ويبر الذي خدم لمدة 30 عاما في وزارتي الدفاع والخارجية في مجال نزع السلاح، قال:«كانت السياسة الأمريكية طويلة الأمد، تعمل على خفض دور وعدد الأسلحة النووية. والآن يبدو أن تلك الفكرة قد انتزعت وألقى بها من النافذة».