أزمة الصحافة والحلول المقترحة

أ.د. حسني نصر –

توقفنا في مقال الأسبوع الماضي عند توصيف أزمة الصحافة المطبوعة ومسبباتها الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، ورصدنا بعض مظاهر هذه الأزمة التي طالت الصحف سواء في الدول المتقدمة أو في الدول النامية، ومنها دول عربية عديدة. ونكمل في هذا المقال الحديث عن تداعيات هذه الأزمة سواء علي الصحف أو علي المجتمع بوجه عام، ومن ثم نطرح بعض الحلول المقترحة للتعامل معها سواء من جانب المؤسسات الإعلامية والثقافية الأكبر المعنية بالأمر، أو من جانب الصحف والمؤسسات الصحفية.
الواقع أن هناك اتفاقا بين الباحثين والصحفيين والمسؤولين عن الصحافة والمعنيين بأمرها في جميع أنحاء العالم تقريبا علي النتائج والتداعيات السلبية المترتبة على أزمة الصحافة المطبوعة، خاصة علي صعيد ممارسة حرية التعبير في المجتمع، ودورها كرقيب، أو ما بات معروفا باسم «دور كلب الحراسة» الذي ينبه المجتمع إلى المخاطر التي تحيط به والمشكلات التي يجب علاجها ومواطن الخلل التي تحتاج إلى تدخل عاجل. ورغم أن الإنترنت ووسائل الإعلام الجديدة بدأت في القيام ببعض الوظائف التي كان يسندها المجتمع للصحافة، فإن هذه الوسائل ساهمت في المقابل في إضعاف أداء الصحف المطبوعة لوظائفها التاريخية المعروفة خاصة التعليمية منها والاستقصائية والتحليلية.
وعلي سبيل المثال فإن إغلاق الصحف أو خفض عدد صفحاتها والتغيرات التي طالت محتواها كان له تداعيات سلبية عديدة علي المشاركة السياسية والتصويت في الانتخابات والمنافسة الانتخابية في كثير من دول العالم. إذ تراجع الدور السياسي للصحف بعد ظهور الراديو ثم التلفزيون، وزاد هذا التراجع مع ظهور الإنترنت التي نقلت الحملات الانتخابية من صفحات الصحف إلى شبكات التواصل الاجتماعي. وكان لإغلاق الصحف تأثيرات سلبية على عدد المصوتين في الانتخابات وكذلك عدد المترشحين لها، وحجم الأموال التي يتم إنفاقها في الحملات الانتخابية. والمؤكد أن خفض المنتج الصحفي وإغلاق الصحف وتخلي القائم منها عن دورها في توفير المعرفة والتوجيه والإرشاد، أدى إلى فقد المجتمع الإنساني مصدرا مهما من مصادر المعرفة بالقضايا والموضوعات، وهي المعرفة التي تساعد المواطنين علي اتخاذ قرارات سياسية تستند إلى المعرفة. في المقابل لم تستطع وسائل الإعلام الجديدة سد الفجوة التي نجمت عن تخلى الصحف المطبوعة لأسباب تتعلق بخفض الإنفاق عن وظيفتها السياسية الاستقصائية، وهو ما أدى إلى انتشار الفساد، نتيجة انخفاض شعور المسؤولين بالخوف من تعقب الصحافة لأعمالهم.
إن تحليل مصادر أزمة الصحافة المطبوعة ومظاهرها وتداعياتها يقودنا حتما إلى الحلول المقترحة، ليس فقط للتغلب علي هذه الأزمة، ولكن أيضا لتحويلها إلى فرصة كبيرة لنمو وازدهار الصحف مرة أخرى. في هذا الإطار علينا أن نميز بين الحلول التي تستهدف إنقاذ الصحف وصناعة الصحافة، وبين تلك التي تستهدف استعادة الوظيفة السياسية الديمقراطية التي تقوم بها الصحف سواء من خلال الصحف نفسها أو من خلال وسائل إعلامية أخرى.
في ضوء ما ذكرناه عن التحديات المالية والتكنولوجية فإن أول وربما أيسر الحلول المقترحة يتمثل في اتجاه المؤسسات الصحفية إلى خفض نفقاتها للتقليل من حدة الأزمة. ومع ذلك فإن هذا الحل لا يساعد علي المدى الطويل علي تجاوز الأزمة باعتباره أحد أسبابها. ولذلك فإن الحل الذي يجب علي الصحف أن تفكر فيه، يتمثل في البحث عن نموذج اقتصادي بديل للنموذج التقليدي الحالي الذي يعتمد علي عائدات الإعلان بشكل أساسي. ومن الضروري أن يأخذ النموذج الجديد في الاعتبار التغيرات التي أحدثتها الإنترنت في إنتاج الأخبار وفي استهلاكها. وفي هذا الإطار يطرح صحفيون وباحثون نماذج بديلة متعددة لتمويل الصحف، من بينها نموذج رعاية الصحف سواء من جانب أفراد أو مؤسسات، ونموذج التمويل المصغر الذي يعتمد علي جمع مبالغ صغيرة من عدد كبير من المستثمرين عبر موقع الصحيفة أو مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، ونموذج البيع المصغر الذي يعتمد علي بيع النسخ الورقية والإلكترونية من خلال الإنترنت بمبالغ صغيرة، وهي التجربة التي تخوضها حاليا صحف أمريكية كبيرة مثل نيويورك تايمز والواشنطن بوست والتي فتحت الاشتراك في نسخها المختلفة بدولار واحد لمدة أربعة أسابيع. ويبرز هنا أيضا نموذج المشروعات التعاونية بين الصحف والمواطنين الصحفيين، ونموذج المشروعات العائلية، ونموذج إنتاج المحتوى المخصص للبيع للمؤسسات الإعلامية الأخرى.
من الحلول المطروحة أيضا استخدام الموارد العامة لإعادة بناء الصحافة الوطنية. ففي مواجهة الجدل الذي يثيره التمويل الحكومي للصحافة وتأثيره علي حريتها واستقلالها، فإن التحول إلى صحافة الخدمة العامة على غرار إذاعات الخدمة العامة في أوروبا يمكن أن يكون حلا مناسبا لإخراج الصحافة من أزمتها والحفاظ عليها وعلي الوظائف التي تؤديها للمجتمع. في هذه الحالة فإن الدولة وليس الحكومة هي التي تخصص الموارد المناسبة للصحف من الموازنة العامة أو من ضريبة محددة مخصصة للصحف، ولكنها لا تتدخل في الإدارة التي تتم من خلال مجالس إدارة يُمثل فيها أطياف المجتمع. ويمكن لهذا الحل أن يعيد بناء نظام ملكية الصحف بما يحافظ علي الوظائف القائمة فيها ويوفر وظائف جديدة تستوعب الصحفيين الشباب.
ويتصل بالحلول السابقة ضرورة انفتاح الصحف علي كل ما تقدمه الإنترنت وتكنولوجيات الاتصال الأخرى من فرص حتى تستطيع الخروج من أزمتها. إذ تمثل وسائل الإعلام الجديدة فرصة للمؤسسات الصحفية لدمج القراء في عمليات إنتاج الأخبار وتبني نماذج اقتصادية جديدة، وخفض تكاليف الإنتاج الباهظة المرتبطة بالطباعة. في هذا الإطار يمكن التركيز علي تحسين المحتوى الصحفي، وضبط الممارسات التحريرية بما يقود إلى إنتاج صحف عالية الجودة، تدعم رسالة الصحافة. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى استعادة الصحف لثقة الجمهور فيها. وعلى هذا الأساس فإن خفض عدد الصحفيين وإغلاق الصحف المطبوعة لا يحل الأزمة بل يزيدها تعقيدا. إذ تحتاج الصحف للارتقاء بمضمونها واستعادة وظائفها إلى المزيد من الصحفيين وربما المزيد من الصفحات، وهو ما نراه في الصحف الأمريكية الكبرى التي ما زالت تحتفظ بقدر كبير من جودتها وقرائها في نفس الوقت.
في الوقت نفسه يمكن أن تمثل الطبعات المحلية والإقليمية من الصحف الوطنية حلا مناسبا في الدول الكبيرة المساحة والمترامية الأطراف. هذه الطبعات يمكن أن تلبي احتياجات الجماهير المحلية في المحافظات والمدن البعيدة عن العواصم، التي تحتاج إلى صحف تعكس اهتماماتها المحلية وتناقش قضاياها. ومن خلال هذا الحل يمكن أن تستعيد الصحف قدرا كبيرا من ثقة القراء، وتستخدم في نفس الوقت نموذجا اقتصاديا منخفض التكاليف.
من المؤكد أن الأزمة المعقدة التي تواجهها الصحافة لا يمكن التغلب عليها بحل واحد من الحلول التي طرحناها، كما أن اختيار حل أو أكثر من الحلول يجب أن يتم في سياق واقع وتطور الصحافة في الدولة والأدوار المسندة لها وعلاقتها بالسلطة السياسية. وفي كل الأحوال فإن الأمر بات يتطلب بالفعل التفكير في إعادة بناء سوق وسائل الإعلام والخروج من أسر نموذج «صحافة المقاس الواحد الذي يناسب كل الأحجام»، وتبني نموذج جديد يقوم على التنوع والتعددية.