تواصل: كيلو الجماهيرية بكم ؟

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

مشهد أول:
تبدأ علاقتها بالبث الحي في «سناب شات» بالتعبير عن آرائها التي تبدو ناجمة عن فهم لقضايا المجتمع، تظهر كمحجبة تصور بثها الحي في أريكة تبدو في صالة المنزل، تواصل بثها الحي يوميا لفترة قد تزيد عن ساعة، تشتهر مقاطع فيديوهاتها العميقة الفهم وعفوية الطرح، تأتيها عروض مدفوعة الأجر للمشاركة في حضور العديد من الفعاليات، تحضرها وتتحدث عنها باستفاضة ثم فجأة وبدون مقدمات تتحول لتقدم جلسات تجميل تقوم فيها ببث تغطية مباشرة لنفسها وهي تضع الماكياج الاحترافي لها مع أنه لم يكن مجالها سابقا، شيئا فشيئا تبدأ في إظهار خصلات من شعرها من مقدمة الرأس، ثم يصبح غطاء الشعر «الحجاب» مجرد اكسسوار يضاف لملابسها، وتبدأ بثها الصباحي من سريرها وهي بملابس نومها وماكياج كامل تبدو ألوانه قريبة من لون البشرة الطبيعي، تتوقف عن تقديم المحتوى الذي تابعها لأجله المتابعون وترهن وقتها كله لسرد حكاياتها وماركات التجميل الشهيرة وفائدة كل منتج من منتجاتها، وتقول لمتابعيها في كل مرة يتذمرون من تغير شكل المحتوى المقدم في حسابها: «من لا يعجبه حسابي لا يتابعني».

مشهد ثانٍ:
ثنائي يتكون من زوج وزوجة يرتبط ظهورهما سويا في وسائل التواصل الاجتماعي بالترفيه، يتحدثان عن يومياتهما بقرب من المتابعين، يتابعهما الناس لعفويتهما الواضحة حتى يزداد عدد متابعيهما وتطلبهما المحلات التجارية للترويج عن منتجاتها ثم تبدأ قصصهما التي يشعر من يتابعهما أنها مفتعلة كي يبقيا في صدارة الأكثر طلبا للترويج لمختلف أنواع المنتجات، يفتعلان المشكلات أو السيناريوهات والقصص مع المنافسين التي تجعلهما دائما موضع انشغال متابعيهم وبحثهم عن أخبارهما حتى لو كان ذلك بخرق صورة المبادئ والأخلاق التي تعارف عليها المجتمع، يتهم المتابعون الرجل بعدم الغيرة على زوجته، فملابسها وإطلالتها وما تفعله لا يتلاءم مع عرف المجتمع، يطلان كل يوم ومظاهر الرومانسية تحيط بعلاقاتهما، يرددان في كل مناسبة وبدونها أنهما أحرار فيما يفعلانه.

مشهد ثالث:
مطربات أو ممثلات أو إعلاميات متحققات في مجالاتهن الفنية أو الإعلامية التي اشتهرن من خلالها، تدخل حساباتهن في وسائل التواصل الاجتماعي لتتابع نشاطاتهن الفنية، فتجد لا حديث لهن طوال النهار والليل إلا الترويج لمنتج التجميل الفلاني من الماركة الفلانية أو القسم بأعظم الأيمان أنهن يستخدمن منتج العناية بالشعر من الماركة الأخرى والذي استفدن منه شخصيا، يدعون بعدها متابعيهن لشراء ذلك المنتج عبر الرابط المرفق والذي يقود غالبا لحساباتهن في موقع التسوق الشهير الخاص بمنتجات التجميل، تسأل نفسك هل ما زلن فنانات أم تحولن ليكونن «فاشنيستات»، ولم يبلغن الجمهور المتابع لهن بذلك؟.
في الماضي كانت الجماهيرية المتمثلة في شهرة محببة من الجمهور المتابع لنجم تميز في مجال ما يتم تحقيقها بصعوبة وعبر سنوات من الكفاح والعمل الدؤوب، لكن وسائل التواصل الاجتماعي جاءت ومعها وصفة الشهرة والتكسب المالي السريعة التي لا تحتاج كل هذا الوقت إذ يمكن أن تتحقق في فترة قد لا تتجاوز شهورا، وقد استفاد العديد من مستخدمي هذه الوسائل من هذه الوصفة في تقديم محتوى ترفيهي أو تعليمي أو تثقيفي أو غيره دون الحاجة لمؤسسات إعلامية تقليدية تتبنى ظهورهم لتوضح أنهم الأفضل في مجالهم كما كان الوضع في السابق.
تبدأ بعض هذه القصص في نماذج قد تقدم محتوى عفويا وقريبا للجمهور بطريقة تعكس شغف صاحب المحتوى بما يقدمه لأنه لا يتقاضى عليه مبالغ مالية ولا شيء آخر غير إقبال المتابعين عليه ومحبتهم له، ثم يتحول الأمر بعد النجاح وزيادة المتابعين الخيالية إلى عمل يتكسب منه وتحسب فيه قيمة جماهيرية كل شخص بأرقام مرات الإعجاب في منشوره وعدد التعليقات وإعادة نشر الآخرين لذلك المحتوى في حساباتهم وغيرها، وهنا قد يتغير المحتوى الذي يقدم في ذلك الحساب ليراعي جوانب زيادة الإثارة لجمع أعداد أكبر من التفاعل حتى لو كان ذلك على حساب قيمة المحتوى المقدم ومبادئ صاحب المحتوى التي ظهرت عليه في بداية ظهوره وقبل سطوع نجمه.
إن الرغبة في التكسب المالي من الجماهيرية بشكل قد يأتي على حساب مبادئ النجم لا تحدث فقط مع حديثي العهد بالشهرة ، ممن ساعدتهم وسائل التواصل الاجتماعي في تحقيق تلك الشهرة بل أن هناك فنانين وإعلاميين ونجوما في مجالات عدة متحققين وعلى قدر كبير من الشهرة بسبب نجاحات عملوا عليها لأعوام أيضا ممن استهوتهم المكاسب السريعة في وسائل التواصل الاجتماعي ليظلوا طوال الوقت لا عمل لهم غير الترويج للمنتج «الفلاني» وتجربة المنتج «العلاني».
يقال: إنه من الجيد أن يعمل الفرد منا فيما يحبه ويتقاضى عليه أموالا، لكن كمية المتاجرة والتربح من الجماهيرية والإسفاف الذي يقدم للمتابعين من بعض من يعلوا صيتهم في وسائل التواصل الاجتماعي كي تصبح أخبارهم المثيرة موجودة بشكل يومي في وسائل التواصل الاجتماعي تجعل الكثير منا قد يسأل بعد مشاهدة الإثارة في أخبار هؤلاء النجوم وفرض نفسها على حساباتنا في وسائل التواصل الاجتماعي: كيلو الجماهيرية اليوم بكم؟.

جريدة عمان

مجانى
عرض