مع «وحدات الإرباك الليلي» بغزة.. ليل المستوطنين نهار

غزة-(الأناضول): يغلب وميض الألعاب النارية المتداخل مع ألسنة النيران الموزعة بعشوائية وأشعة الليزر الموجهة ناحية الشرق على عتمة سماء حدود قطاع غزة، فتتحول الأجواء، خلال ساعات الليل الأولى، إلى ما يشبه طقوس الاحتفالات الغنائية.
إلا أن دوي صافرات الإنذار والرصاص وأزيز الطائرات وأصوات التكبيرات، المتزامنة مع انفجارات الألعاب النارية والقنابل الصوتية وسحب غاز القنابل المسيلة للدموع، يرسم مشهدًا لساحة حرب حقيقية.. لكنها غير متكافئة.
«وحدات الإرباك الليلي» بمجرد غروب الشمس تبدأ مجموعات من الشباب الفلسطينيين، تطلق على نفسها اسم «وحدات الإرباك الليلي»، بإشعال إطارات السيارات، على بعد أمتار من السياج الحدودي بين غزة وإسرائيل.
هؤلاء الشباب يطلقون أيضًا الألعاب النارية وأشعة الليزر تجاه البلدات الإسرائيلية القريبة والقوات الإسرائيلية المتمركزة على الجانب الآخر من حدود غزة، التي تحاصرها إسرائيل منذ 12 عامًا.
كما يطلق الشباب صافرات إنذار وتكبيرات، عبر العشرات من مكبرات الصوت موزعة على طول خط الحدود، في محاولات متواصلة لإنهاك سكان المستوطنات القريبة والجنود الإسرائيليين.
هذه التحركات ضمن فعاليات مسيرات «العودة»، المتواصلة منذ نهاية مارس الماضي، للمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين، ورفع الحصار الإسرائيلي المفروض منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالانتخابات البرلمانية، عام 2006.
شارة انطلاق تلك التحركات تبدأ بتقدم العشرات من شباب ملثمين بالكوفيات، في مجموعات تتوزع على خمس نقاط حدودية، وهم يحملون شعلات نارية وأعلام فلسطين وصور لشهداء، إذ قتلت إسرائيل أكثر من مائة فلسطيني وأصابت الآلاف منذ انطلاق المسيرات.
ما أن تصل هذه المجموعات، التي ترافقها عربات تحمل مكبرات للصوت، حتى تُشعل إطارات سيارات تم إيصالها مسبقًا إلى المناطق الحدودية حتى يشكل دخانها غطاء يمنع الجنود الإسرائيليين من رؤيتهم.
فور تشكل الستار الدخاني العملاق، يبدأ الشباب الفلسطينيون بإطلاق الألعاب النارية بكثافة تجاه المستوطنات والبلدات الإسرائيلية وقوات الجيش الإسرائيلي، التي تبعد عنهم عشرات الأمتار خلف السياج الحدودي.
بالتزامن، يوجه فريق آخر من عناصر «وحدات الإرباك الليلي» أشعة الليزر الخضراء تجاه الجانب الآخر من الحدود، في محاولة لشتيت انتباه قناصة الجيش الإسرائيلي.
وعبر مكبرات الصوت، يطلق المتظاهرون صافرات الإنذار، في محاولة لـ«إرباك سكان المستوطنات وإثارة حالة من القلق والتوتر لديهم».
فهذه الأصوات اعتاد المستوطنون على سماعها، لتحذيرهم من سقوط صواريخ تُطلق من غزة تجاه بلداتهم، ردًا على الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية.
«حرب غير متكافئة» لا يكتمل المشهد عندما يغطي دخان الإطارات المشتعلة خط الحدود، وتنير الألعاب النارية وأشعة الليزر عتمة الليل، وتثير أصوات صافرات الإنذار والتكبيرات حالة من التوتر.
فما إن يُنجز الشباب الفلسطينيين عناصر الإرباك حتى تزدحم السماء بطائرات حربية إسرائيلية مُسيرة، فتسقط قنابل غاز مسيل للدموع وصواريخ كحمم بركانية تحمل الموت.
ويبدأ جنود الجيش الإسرائيلي بإطلاق أعيرة نارية حية وقنابل غاز وصوت باتجاه المتظاهرين.ويعلو أزيز الرصاص وأصوات الانفجارات وسيارات الإسعاف، وتتحول المنطقة إلى أشبه بساحة حرب. لكنها حرب غير متكافئة، فالمتظاهرون يستخدمون الحجارة والزجاجات الحارقة والألعاب النارية لمواجهة قوات إسرائيلية مدججة بالأسلحة.
من يحالفه الحظ، خلال اللحظات الأولى للمواجهات، يصاب اختناقًا بالغاز، فيتم علاجه ميدانيًا، ويعود بالمزيد من الحجارة والهتاف.لكن آخرين تصيبهم رصاصات الجيش، فيتساقطون جرحى ويُنقلون إلى أقرب مستشفى.
وفي زاوية أخرى من طقوس «الإرباك الليلي»، يتجمع شباب فلسطينيون في مخيمات قريبة من الحدود.هؤلاء الشباب يؤدون رقصة «الدبكة» على أنغام موسيقى خاصة، أو رقصة «الدِحِّيّة»، في أجواء احتفالية يستمتع بمشاهدتها نساء وأطفال ومسنون، وتزعج المستوطنين والجنود الإسرائيليين.
وبعد انتصاف الليل يبدأ من نجا من المتظاهرين بمغادرة الحدود، وهم يحملون جراحهم وآمالهم في أن تحقق احتجاجاتهم هدفها بإنهاء حصار أنهك أكثر من مليوني إنسان في غزة.