المؤتمر الدولي للعلاقات العمانية- البريطانية يؤكد على الشراكة الاستراتيجية

بريطانيا تشيد بحكمة جلالة السلطان من أجل إيجاد مخارج لأزمات المنطقة –
أليستر بيرت: «السيف السريع 3» أكبر تمرين مشترك نشارك فيه منذ 70 عاما –

تغطية ـ عاصم الشيدي –

أكدت أعمال المؤتمر الدولي «العلاقات العمانية البريطانية» على استمرار الصداقة بين البلدين «مدى الدهر وحتى تنهي الشمس والقمر مسيرة دورانهما» وفق ما قال الجانبان في افتتاح أعمال المؤتمر صباح أمس. وذكرت العبارة السابقة في كلمتي معالي أليستر بيرت وزير الدولة البريطاني بوزارة الخارجية وعضو البرلمان لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وسعادة حمد بن محمد الضوياني رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية وهي مقتبسة من نص المعاهدة العمانية البريطانية التي وقعها السيد سلطان بن أحمد البوسعيدي في عام 1798م.
وكان صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد قد افتتح صباح أمس في فندق كمبنسكي الموج أعمال المؤتمر الدولي السابع «العلاقات العمانية البريطانية» والذي تنظمه هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، وحضر حفل الافتتاح عدد من أصحاب السمو والمعالي وأصحاب السعادة ورؤساء البعثات الدبلوماسية وجمع كبير من الباحثين في الشؤون التاريخية.
وركزت أوراق العمل في يومها الأول على تحليل ومناقشة تاريخ العلاقات العمانية البريطانية ودورها الحضاري والسياسي والتاريخي والاقتصادي في مختلف المجالات خلال الفترة التاريخية من القرن السابع عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر.
وتناقش الندوة ثلاثة محاور هي المحور السياسي والتاريخي، والمحور الاقتصادي، والمحور الثقافي.
وتقدم خلال المؤتمر 43 ورقة عمل يقدمها باحثون من السلطنة ودول عربية وأجنبية.
وتحدثت الأوراق عن مسارين في العلاقات العمانية البريطانية اتسم الأول بالتوازن والتكافؤ في الجوانب التجارية والاقتصادية وذلك في المراحل الأولى من العلاقة، فيما اتسم المسار الثاني بمرحلة تقييد حركة النشاط التجاري والاقتصادي وفرض شروط تلزم ضرورة إخطار الجانب البريطاني في حالة إبرام اتفاقيات أو بناء علاقات مع الأطراف الأخرى وبرز هذا المسار في القرن العشرين.
وقال سعادة حمد الضوياني في كلمته أمام المؤتمر متحدثا عن عُمان «أسهم تواصلها وبناء علاقاتها مع بريطانيا في الاستعانة بخبرة شركة الهند الشرقية البريطانية في تعزيز قدرات الأسطول العماني ومن هنا تمضي العلاقات قدما في إبرام المعاهدات مع المملكة المتحدة وبأطوار متباينة بداية من التحالفات ضد العدو المشترك ومرورا بالنفوذ البريطاني في المنطقة وانتهاء بالشريك التجاري والاستراتيجي في الوقت الراهن، ويأتي ذلك انسجاما وتوافقا مع التوجهات والالتزامات التي أرستها المعاهدة البريطانية العمانية التي وقعها السلطان السيد سلطان بن أحمد في عام 1798م وما يميز هذه الاتفاقية في ما ورد فيها من تأكيد لثبات واستمرارية العلاقات والالتزام بها من الدولتين».
من جانبه قال وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط في كلمته أمام المؤتمر: «إذا كان المؤتمر يناقش العلاقات التاريخية فإنني ناقشت مع معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي أمين عام وزارة الخارجية تفاصيل المستقبل ووضعت معه أعمالا للفترة القادمة تتعلق بالجوانب التعليمية والصحية والعسكرية والتجارية»، مشيرا إلى أن العلاقات بين البلدين تعتبر الآن في أفضل مراحلها. وقال الوزير البريطاني إن حجم التبادل التجاري بين السلطنة وبريطانيا بلغ 3 مليارات جنيه استرليني. وأضاف: إن العلاقات الدفاعية في المجال العسكرية تعبر عن ذاتها، مشيرا إلى أن السيف السريع 3 يعتبر أكبر تمرين مشترك تشارك فيه بريطانيا منذ 70 عاما.
وقال الوزير إذا كانت العلاقات بين البلدين تاريخية وعرفتها الأجيال الماضية ولكن علينا أن نوصلها للأجيال الجديدة، ونريد لهذه الأجيال أن تعرف «أن العلاقات بين بريطانيا وعُمان ثابتة إلى انتهاء الشمس والقمر عن الدوران». وسوف نبني على التاريخ المشترك ولن تكون هناك عوامل يمكن أن تهز هذه العلاقة».

التاريخي والسياسي

وكان اليوم الأول من أعمال المؤتمر قد شهد تقديم 12 ورقة في المحور التاريخي والسياسي.
وقدم الدكتور جريمي جونز مستشار مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية ورقة بعنوان «عماني يصنع العالم في البحيرة البريطانية.. السلطان سعيد وعالم المحيط الهندي».
وقال الباحث إن سياسات وأفعال القادة والتجار العمانيين خلال فترة حكم السيد سعيد بن سلطان وأفعال السلطان نفسه لا يمكن أن يفهم مغزاها إذا تم تفسيرها على أنها رد فعل للوجود البريطاني المتزايد في منطقة المحيط الهندي والخليج. وتحاول الدراسة تقديم تحليل للجوانب الرئيسية للأفعال والسياسات العمانية خلال تلك الفترة للتمييز بين تلك الأفعال وبين الأفعال التي جاءت كرد فعل إزاء الأهداف والأفعال البريطانية.
وحاولت الورقة تقديم قراءة حول أسباب عدم توقيع السيد سعيد بن سلطان على المعاهدة البحرية لمنع القرصنة عام 1820
وطالب الباحث بإعادة قراءة المقولة التي تقول إن السيد سعيد كان يشكل «الدولة الأمة» لأن هذا المصطلح لم يكن مطروحا في تلك المرحلة حتى في ألمانيا وإيطاليا ولم يتأسس إلا في عام 1870، معتبرا أن مفهوم الأمة جديد ولا يعكس ما كان يجري في المحيط الهندي.
وركز الباحث على فكرة أن السيد سعيد كان يطور شبكة تجارية بين مسقط وزنجبار!!
بعد ذلك قدم الدكتور سعيد الهاشمي ورقة بعنوان «الاتفاقية البريطانية العمانية الأولى الموقعة في صحار عام 1646م: أسبابها ونتائجها» وتحدث الباحث عن أسباب توقيع الاتفاقية مشيرا أن الإمام ناصر بن مرشد كان يحفز بريطانيا لتتعاون معه تجاريا من أجل أن يكسبها سياسيا. ولما وجد الإمام أنه أمام ثلاث دول أوروبية تتنافس في المحيط الهندي فكر كيف يستفيد من التنافس الدولي ويوظفه لمصلحته. كما كان الإمام، وفق الباحث، يرمي لشراء سفن ومراكب كبيرة وتكون على الطراز الأوروبي لمواجهة البرتغاليين.
وقال الهاشمي إن الإمام أرسل وفدا «يحمل رسالة إلى رئيس الشركة الهندية الشرقية في سورات في عام 1645م يرغب في التقارب معهم، ويوثق علاقته بهذه الشركة، كما يطلب إبرام اتفاقية تجارية، يسمح بموجبها بتوريد وتصدير التجارة من وإلى عمان». وفعلا أرسلت السلطات البريطانية بالهند مبعوثا سياسيا إلى صحار، هو أيلد فليب وناقش مع الإمام والوفد كل المقترحات وتم في نهاية الجلسة توقيع الاتفاقية وذلك في فبراير من عام 1646. وتضمنت الاتفاقية ثمانية بنود؛ ينص البند الأول على السماح للإنجليز بحرية التجارة داخل الأراضي العمانية بدون أي عوائق أو تحديد البضائع التي يتاجرون بها، تعهد الإمام بالتعويض عن السرقات التي يتعرض لها الإنجليز، عدم دفع الإنجليز أي ضرائب جزاء البضائع المستوردة من عمان، عدم السماح لأي تاجر باستيراد أي بضاعة يأتي بها الإنجليز، ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية للإنجليز، في حالة وقوع مشاكل بين الإنجليز والعمانيين على مستوى الأفراد تتولى السلطات العمانية معاقبة رعاياها وتعهد الإنجليز بمتابعة رعاياهم، السماح للإنجليز بحمل السلاح في تجوالهم في الأراضي العمانية، والسماح لهم بممارسة الشعائر الدينية في مسقط.
ورأى الباحث أن الاتفاقية «أثارت كثيرا من القضايا والخاصة بحرية التجارة والحماية الشخصية للأجانب، وحرية ممارسة المعتقدات والشعائر الدينية لهم، فضلا عن تبادل العملة بالأراضي العمانية ورفع الضرائب عن تجارة الإنجليز، وعدم تحديد قيمة السلع. وهذه تعتبر الاتفاقية الأولى من نوعها مع الدول الأوروبية باستثناء البرتغاليين المستعمرين». «كما أنه من الواضح أن تأثير هذه الاتفاقية كان ضئيلا؛ وذلك لأسباب يبدو أنها متعلقة بالإنجليز وبمحاولات البرتغاليين استعادة صحار. ولم يتشجع الإنجليز على تنفيذ هذه الاتفاقية، وذلك لعدة أمور منها؛ تحسن العلاقة بين البرتغاليين والانجليز بعد استقلال البرتغال عن التاج الإسباني عام 1640م»
ورأى الباحث أن هذه الاتفاقية كانت أساس قدوم ممثل شركة الهند الشرقية في سورات إلى مسقط بعد تحريرها، طالبا بموجب الاتفاقية إقامة قوة عسكرية في مسقط لأجل حماية وكالتهم التجارية في مسقط المزمع إقامتها، على غرار الوكالات التي أنشئت في بلاد الهند وبلاد فارس، لكن الإمام سلطان بن سيف بن مالك رفض الطلب وذلك لأسباب كثيرة منها الوجود العسكري في مسقط وأثره في المستقبل».
ومن بين الأوراق الأولى التي قدمت في الندوة ورقة حملت عنوان «المعاهدات العُمانية البريطانية صداقة أم تبعية؟ قراءة في نصوص معاهدات النصف الأول من القرن التاسع عشر» للدكتور عبدالحليم شلبي. وتمحورت ورقة شلبي حول الإجابة على سؤال مفاده: هل كانت العلاقة بين بريطانيا وعُمان تبعية أم صداقة؟ وبعد استعراض للمشهد العام في العالم في المراحل التي سبقت توقيع الاتفاقيات بين عُمان وبريطانيا قال الباحث «اقتضت الظروف الدولية والإقليمية وجود التقارب العُماني البريطاني خلال القرن التاسع عشر وما تلاه، وما إن اتضح للطرفين أهمية التعاون فيما بينهما سعى كل طرف إلى توطيد علاقته بالطرف الآخر، وإن كانت بريطانيا هي من سعت إلى ذلك في البداية انطلاقًا من حرصها على تأمين طرق مواصلاتها إلى مستعمراتها في الهند، ولإيقاف أي تعاون فرنسي عُماني قد يهدد مصالحها».
وتحدث الباحث عن معاهدة عام 1798 التي اعتبرها باكورة المعاهدات السياسية بين البلدين، والتي هدفت بريطانيا من ورائها إلى تحييد عُمان في الصراع الدائر بينها وبين فرنسا. ثم تحدث عن معاهدة عام 1800 وبعد تفسير بنودها قال الباحث إن المعاهدة لم تتضمن بنودها أي انتقاص من السيادة العُمانية، بل أكدت في مادتها الثانية بشكل صريح على أن تبقى الصداقة بين الدولتين، وكان من نتيجتها تعيين مقيم بريطاني في مسقط هو د.بوجل Bogle الذي أصبح طبيبًا خاصًا للسيد سلطان. ثم تحدث عن اتفاقية عام 1839 والتي تعد حجر الزاوية في العلاقات البريطانية العُمانية التي امتدت حتى منتصف القرن العشرين كما يرى الباحث. وأضاف أن المعاهدة تجارية بامتياز، تم التأكيد فيها على العلاقات الطيبة والصداقة التي تربط البلدين، وأن لرعايا كل طرف الحق في الدخول والإقامة والمتاجرة في أراضي الطرف الآخر بجميع المزايا التي تُمنح لرعايا الأمم الأكثر تفضيلاً. وفي نهاية بحثه وصل الباحث عبر استقراء الوثائق البريطانية أن عُمان لم تدخل ضمن نطاق الحماية البريطانية أو التعهدات المانعة خلال فترة الدراسة، ولم تشر معاهدة 1839م إلى ذلك ضمنًا أو تصريحًا.
وأن عُمان مارست سيادتها على أراضيها وممتلكاتها في آسيا وإفريقيا دون تدخل من أي قوة أخرى.
من جانبه استعرض الباحث إبراهيم عبدالمجيد محمد «الموقف البريطاني من النشاط الفرنسي في عُمان»، وحظي الموقف البريطاني من العلاقات العمانية الفرنسية بأكثر من ورقة عمل حيث قدم الدكتور سعيدي مزيان ورقة بعنوان «علاقة الإمبراطورية العمانية بالقوى الاستعمارية الكبرى «إنجلترا وفرنسا» في عهد السيد سعيد بن سلطان.
كما قدمت في اليوم الأول أوراق عمل عديدة تناولت عناوين مثل «الموقف الإيطالي من معاهدة 1891 بين عمان وبريطانيا للدكتورة ناهد عبدالكريم، والعلاقات العمانية البريطانية من خلال اتفاقيتي 1798 و1800م للدكتور صالح الخروصي و«المصالح البريطانية في عمان خلال القرن التاسع عشر: قراءة من خلال التنافس الدولي والتنافس الأمريكي البريطاني» للدكتور إبراهيم البيضاني، و«علاقات عمان مع بريطانيا في عهد السيد سلطان بن أحمد البوسعيدي مرحلة التوازن والتنافس» للدكتور جمعة البوسعيدي، و«تنامي قوة عمان البحرية ودورها في دفع البريطانيين لإقامة تحالف سياسي وتجاري مع حكام اليعاربة الأوائل» للباحث خليل بن عبدالله العجمي، و«الاهتمامات البريطانية برأس مسندم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر» للدكتور صالح محروس محمد.
وتتواصل اليوم فعاليات المؤتمر باستكمال المحور التاريخي والسياسي بتقديم 20 ورقة عمل في عناوين مختلفة.