الفلسطينيون وصفقة القرن ..دولة أم دولتان ؟

إميل أمين/كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة والسبعين، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولأول مرة عن تأييده لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني على أساس حل الدولتين، وأشار إلى انه واثق من أن الفلسطينيين سوف يعودون إلى طاولة المفاوضات، معبرا عن أمله وحلمه في أن ينهي هذا النزاع الذي طال سلميا، بعد أن فشل في ذلك العديد من الرؤساء الذين سبقوه .
والشاهد أننا أمام عدة مشاهد في هذا الحديث، وهي تبدأ من عند الوعود التي قطعها ترامب على نفسه إبان ترشحه للانتخابات الأمريكية، وفيها أبدى التزاما واضحا بحل الإشكالية التي طالت لأكثر من سبعة عقود.
ما الذي يعنيه بداية تعبير حل الدولتين ؟
باختصار، انه يشير إلى قيام دولتين إسرائيلية وفلسطينية تتعايشان في سلام جنبا إلى جنب، وعلى حدود الرابع من يونيو 1967، أي قبل أن تحتل إسرائيل القدس الشرقية والضفة الغربية في حرب مع جيرانها العرب.
المقترح المتقدم يكاد يتفق مع خطة الأمم المتحدة للتقسيم عام 1947 حين اقترحت الهيئة الأممية وقتها دولتين، واحدة عربية وأخرى يهودية، مع وضع القدس تحت إشراف دولي منفصل.
استمر الاحتلال الإسرائيلي جاثما على صدر الفلسطينيين إلى أن كانت اتفاقية أوسلو لعام 1993، وعندها ارتفعت الآمال من جديد في أن يتم قيام الدولة الفلسطينية، لكن ما جرى من بعدها كان غير مبشر بالمرة، وتكاد أوسلو نفسها أن تتبخر وينهار طرح السلام بالمرة.
تبدأ الأسئلة من عند الرئيس ترامب وهل تصريحاته الأخيرة تتسق مع سياساته وقراراته السابقة وفي المقدمة منها الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل من جهة، ونقل السفارة الأمريكية إليها من جهة ثانية ؟
الجواب هو أن ترامب وجه طعنة قاسية وقاصمة لعملية السلام، ذلك أن القدس هي جوهر الحديث كله، ودولة فلسطينية مستقلة لا تكون القدس عاصمتها المستقلة، هي كيان هش لا معنى له ولا طائل من ورائه، كما انه من المستحيل أن يجد ترامب طرفا فلسطينيا يتعاون معه، والجميع يعلم أن الأمر يدور حول بعض القرى على أطراف القدس لتكون هي عاصمة الدولة الفلسطينية، وعليه فإن ترامب قد فقد المصداقية والموثوقية لدى الفلسطينيين قيادة وشعبا.
لم يتوقف ترامب عند القدس بل لاحقا قام بقطع المساعدات المقدمة للأونروا تلك المؤسسة الدولية التي تعمل منذ نكبة عالم 1948 على إغاثة اللاجئين وتشغيلهم من باب إنساني، ولاحقا اقدم على إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن – سفارة فلسطين .
في هذا السياق هل يمكن أن يقوم ترامب بدور من اجل الوصول إلى حل عادل وشامل ؟
في الفترة ما بين الخامس والثامن من سبتمبر المنصرم، أجرى المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية استطلاع رأي شمل 1270 فلسطينيا في 127 موقعا تم اختيارهم عشوائيا، وفيه أبدى خمسون بالمائة الرأي التالي :” إذا قدمت الولايات المتحدة خطة سلام لحل النزاع مع إسرائيل، يجب على القيادة الفلسطينية أن ترفضه بشكل مباشر لأنه “ سيكون سيئا للفلسطينيين”، وقال واحد وثلاثون بالمائة انهم يفضلون مراجعة جوهر الخطة الأمريكية قبل رفضها أو قبولها، وقال أربعة عشر بالمائة من الفلسطينيين انه إذا كانت الولايات المتحدة ستطرح خطة فان قيادتهم يجب أن تقبل ذلك “ لأنها ستكون بالتأكيد “ افضل من الوضع الراهن “.
في السياق نفسه ما هو موقف أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية؟
خلال الخطاب الذي ألقاه من على منصة الأمم المتحدة عينها هاجم أبو مازن الرئيس ترامب بسبب سياساته تجاه الفلسطينيين، واصفا إياها بأنها “ اعتداء على القانون الدولي “ رافضا واشنطن كوسيط في محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية .
يرى عباس أن الولايات المتحدة “ منحازة “ لإسرائيل بشكل لا يسمح لها بلعب دور وسيط وحيد وعادل، وان أشار إلى انه على استعداد لتدخل آخرين في لعب دور الوسيط، ويضيف :” لقد عملنا مع إدارة الرئيس ترامب منذ وصوله إلى سدة الحكم بذات الإيجابية، ورحبنا بوعده بإطلاق مبادرة لتحقيق السلام، والتقيت معه عدة مرات على مستوى القمة، لكن إدارة ترامب قامت بعد ذلك بإصدار قرار يقضي بإغلاق مكتب منظمة التحرير في العاصمة الأمريكية، وقام هو بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إليها، واصبح يتفاخر بانه أزاح قضية القدس واللاجئين والمستوطنات والأمن من على طاولة المفاوضات “.
هنا لا يمكن لأي محلل محقق ومدقق أن يجد في المواقف الفلسطينية شعبية كانت أو حكومية أي حياد عن الحق، والحقوق الفلسطينية ثابتة منذ العدوان والاحتلال الإسرائيلي على الأراضي العربية والفلسطينية، ولعل القدس بنوع خاص تعكس مدى عدم صحة الإجراء الأمريكي المخالف للقانون الدولي، فمدينة القدس على سبيل المثال هي أراض واقعة تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وعليه فانه لا يمكن لأحد ما تغيير هويتها الديموغرافية أو الجغرافية، ما يعني أن تصرفات ترامب بشأنها غير معتد بها.
يبقى هناك من التساؤلات الكثير، ومنها ما هو موقف نتانياهو من حديث ترامب هذا والذي وقع عليه ولاشك كوقع الصدمة ؟
المؤكد أن نتانياهو هو هو لم ولن يتغير، ذلك انه في أعقاب تصريحات ترامب عن حل الدولتين صرح بالقول انه لم يتفاجأ من تصريحات ترامب بشأن حل الدولتين ويتعهد بالحفاظ على السيطرة الأمنية بالضفة الغربية ؟
هنا يبقى من المقطوع به أن ترامب لم يكن ليطلق تصريحاته الأخيرة، حال لم يكن هناك تنسيق مسبق مع الجانب الإسرائيلي ومع نتانياهو نفسه، ومرد ذلك إلى سببين رئيسيين :
أولا : أن الكتلة التصويتية الحرجة التي جاءت بترامب إلى البيت الأبيض هي كتلة اليمين الأمريكي سواء كان أقصى اليمين أو يمين الوسط، وهؤلاء هم الذين غازلهم ترامب خلال حملته الانتخابية بعزمه نقل السفارة والاعتراف بالقدس، وقد اثبت ترامب انه رئيس يفعل ما يقوله أو يعد به، وعلى هذا المنوال فهو صديق صدوق لا يتعدل ولا يتبدل، ولا يمكن أن يغير موقفه ما بين ليلة وضحاها تجاه إسرائيل .
ثانيا : حتى وان كان ترامب رقيق الحال من جهة الفكر السياسي والتخطيط الاستراتيجي الطويل والبعيد المدى، إلا أن هناك من حوله من سيعيد تذكيره بأن فكرة الانقلاب على حلفائه من اليمين في الداخل وإسرائيل فيما وراء البحار، كفيلة بان تكلفه منصبه، سيما وان هناك رئيسا أمريكيا آخر حاول الاقتراب من تلك المنطقة المشتعلة عارية الأسلاك الكهربائية، في أواخر تسعينات القرن الماضي، إلا أن نتانياهو كان واقفا له بالمرصاد.
حدث ذلك خلال مفاوضات كامب ديفيد الثانية، وحين حاول كلينتون الضغط على نتانياهو لصالح ابو عمار، صرخ نتانياهو في وجه بالقول :” سأشعل لك واشنطن، وقد اشعلها له بالفعل من خلال فضيحة مونيكا لوينسكي “، والتي أحكمت الرباطات حول يدي كلينتون .
ولعله من مصادفات القدر الموضوعية أن يكون هناك سيف مسلط على رقبة الرئيس ترامب، ذاك المتمثل في قضية روسيا – جيت، والتي يمكن أن تكلف الرئيس ترامب منصبه حال ظهرت أدلة أو قرائن جديدة، تبين علاقته بالروس خلال الحملة الانتخابية الرئاسية التي فاز فيها، وخسرت هيلاري كلينتون .
يقول نتانياهو “ نحن نجري محادثات، وأنا مستعد لان تكون للفلسطينيين صلاحيات لحماية انفسهم دون أي صلاحيات تهددنا، باستثناء غزة، السيطرة الأمنية من غرب الأردن إلى البحر المتوسط ستبقى تحت أيدينا . ذلك لن يكون مادة للنقاش طالما أنا رئيس للوزراء، وأنا واثق بأن أي خطة أمريكية للسلام ستؤكد هذه المبادئ”.
والآن ما هو البديل الآخر حال رفض الفلسطينيين عرض ترامب ؟
يبقى هناك سيناريو الدولة الواحدة والتي ستؤدي إلى ضم إسرائيل رسميا الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وربما قطاع غزة .
هذا الاقتراح تزخمه أصوات اليمين الإسرائيلي في الداخل الذي يطالب بضم الكثير من مناطق الضفة الغربية، مدعيا وجود ارتباط تاريخي وديني بالأراضي، غير أن السؤال الذي يقف في طريقهم من دون جواب هو ذاك الذي يتعلق بالحقوق التي سينالها الفلسطينيون الذين يعيشون هناك، وإذا ضمت الضفة الغربية وغزة، فان هذه الدولة ستجمع نحو سبعة ملايين يهودي مع عدد مماثل تقريبا من العرب.
هذا الخيار يؤدي إلى مخاوف جمة وسط الإسرائيليين انفسهم إذ يعرب المعارضون عن خشيتهم لأن مثل هذا الكيان لن يشكل دولة يهودية إلا إذا تخلت عن الديمقراطية، وقررت الحد من الحقوق السياسية للعرب، وهو ما يصفه الفلسطينيون وسواهم بأنه نوع من أنواع الفصل العنصري.
هناك مقترحات أخرى من نوعية كونفيدرالية إسرائيلية فلسطينية تحدث عنها من قبل الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، غير أن القيادة الفلسطينية في واقع الحال لم تعد تثق في حكومات إسرائيل التي تنكص عادة على وعودها، وان الأمر لا يرقى بالمطلق إلى حلم الدولة الفلسطينية المستقلة.
خيار آخر تكلم عنه البعض سريعا لكنه لم يلبث أن اختفى وهو الكونفيدرالية الفلسطينية الأردنية الأمر الذي سعى إلى الترويج إليه غلاة التيار الإسرائيلي اليميني المتطرف، والذين يحثون السعي جهة قيام اتحاد بين دولة فلسطينية والمملكة الأردنية، الأمر الذي يبعد إسرائيل عن المسؤولية في هذه القضية، لكن الأردن لا يبدو له أن راغب في هذا المقترح .
هل ستبقى الأوضاع على حالها إذن ؟
يقول العالمون ببواطن الأمور إن هناك ترتيبات تجري على قدم وساق في الداخل الأمريكي لإعلان صفقة القرن رسميا من خلال مؤتمر تدعي إليه كافة الأطراف في الولايات المتحدة الأمريكية، غير أن معالم ملامح تلك الصفقة ومحتواها لا يزال بعيدا عن القطع بحقيقته إذ يقول الرئيس ترامب “ إذا أراد الفلسطينيون والإسرائيليون دولة واحدة أنا موافق، وإذا أرادوا دولتين، أنا موافق “.
إلى أين سوف تمضي تلك الصفقة الغامضة ؟
الأيام كفيلة بان تجيب عن هذا السؤال وإن غدا لناظره قريب.