سراج الأمة

ميمونة بنت حميد الجامعية –

العملية التربوية التعليمية عملية مشتركة تجمع المعلم والبيت والمدرسة ولكل دوره حتى يتحقق الهدف من هذه المنظومة كلها، ولأن الحديث عن أهم أعمدة البيئة التعليمية وهو المعلم الذي يتحمل العبء الأكبر في توجيه الطالب بصورة مباشرة داخل الحرم المدرسي عامة وبيئة الصف خاصة، وهو مطالب بأن يرتقي بالطالب إلى أقصى درجات الرقي الفكري، مع ما يحرص عليه من اتباع أفضل الطرق وأنجعها لتحقيق الهدف الذي رسمه لطلابه، في هذا الإطار كله، علينا أن ننظر أيضا إلى الذي يقف خلف المعلم حتى يحقق رسالته على الوجه الأكمل وهو ما سيسلط عليه المقال الضوء مع التركيز على بعض الجوانب التي قد تكون من العوامل المساعدة في دفع المعلم لأن يكون أكثر فاعلية في نقل ما يوفر له من قبل بيئة المدرسة إلى الموقف الصفي وقد يكون المجتمعي ككل.
إن مما يعتمد عليه في نجاح مهمة الهيئة التدريسية هو تنمية روح الفريق الواحد الذي يعمل في مناخ تربوي تدريبي تعليمي مُعين على تحمل الرسالة المناط بها، وتأتي أهمية فريق العمل من حيث إنها خليط من التغذية العكسية، ومدخل الاستشارات الإجرائية الذي يهدف إلى تحسن فاعلية عمل الجماعة الإنتاجي والسلوكي من خلال التركيز على أساليب وإجراءات العمل والعلاقات الشخصية، وعرف على أنه «سلسلة من النشاطات المصممة بهدف تحسين أداء الأفراد»، وينظر إلى أنشطة بناء فريق العمل على أنها طريقة للتأثير الإيجابي في العلاقات بين الأفراد بهدف رفع أدائهم نحو الأفضل، وتوحيد جهودهم نحو المهام الموكلة إليهم للوصول إلى أهداف المؤسسة بأفضل الطرق وأيسر السبل الممكنة.
وبما أن فريق العمل هو وسيلة لتمكين الأفراد من العمل الجماعي المنسجم كوحدة متجانسة، وأن العمل الجماعي أمر يحث عليه الإسلام، لما فيه من البركة والتوفيق والفاعلية؛ يتطلب العمل تحت مظلته عددا من قواعد السلوك، منها ما هو خاص بمهارات التعامل مع الآخرين، ومنها ما يُعنى بمهارة القدرة على حل المشكلات، وفهم المشاعر النفسية، والاحترام المتبادل، لذا من الأهمية:
-إيجاد أرضية مشتركة لإنجاز العمل المطلوب التخطيط والتنفيذ له.
-زيادة القدرة على الإدارة الذاتية عند فريق العمل.
-وجود نظام مكتوب وإرشادات واضحة للرجوع إليها مما يضمن استمرار العمل وعدم توقفه، مع اعتبار أن الأهداف الشخصية وأهداف الفريق على الدرجة نفسها من الأهمية، ويراعى عدم تداخل الأهداف الشخصية مع أهداف الفريق.
-العمل في جو نفسي مريح، وإشعار الجميع أن التعاون وتبادل وجهات النظر من أسس نجاح العمل.
-إحلال الثقة محل الخوف والتعبير عن المشاعر دون حرج، مما يوجد الأريحية والطمـأنينة بين أفراد الفريق.
-اعتبار الاختلاف في الرأي من العلامات الصحية بهدف الوصول لأفكار جديدة والبحث الدائم عن أرضية مشتركة.
-تحسين الأداء باستمرار ومراجعة النتائج والميل للتجريب المثمر.
-اتخاذ القرارات بالأغلبية والتأييد من الجميع، مما يدفع إلى إنجاز العمل برغبة وحب كبيرين.
-سيادة الاحترام والتعاون، والبناء على أفكار الآخرين، والتوصل إلى حلول يستفيد بها الجميع، وإن مما يعين على تعزيز روح الفريق: التدريب على احترام وجهات النظر، والتركيز على أهمية النقد البناء، وحين تتوفر القدوة الفاعلة تسير الأمور بصورة سلسة كتعامل الإدارة مع وجهات النظر المختلفة والمتباينة التي قد لا تتفق مع آرائها بشكل هادئ ودون انفعال ومعالجتها منطقيا، وعدم التسرع في إبداء الرأي الخاص بل الانتظار حتى يتفق الأغلب على رأي ما حول المسألة المطروحة، وتوجيه الأطراف المعنية للوصول إلى قرارات منطقية من خلال طرح أسئلة حول الحلول غير المنطقية، حتى يصل الأطراف المعنية بأنفسهم لقناعة بعدم جدوى مثل هذه الحلول واللجوء عندئذ إلى الحلول الأكثر منطقية، هذه وغيرها من طرق التعامل تختصر الكثير من المسافات كما تدفع بالهيئة التدريسية إلى نقل تلك الخبرات إلى طلابها وكأن المدرسة بيئة تكاملية يخدم أفرادها بعضهم البعض.
إن الروح العالية التي تجمع أعضاء الفريق تبين أن خلفها فكر يحرص على توفير أرضية خصبة ينمو فيها الإبداع بين الهيئة الإدارية والتدريسية وبالتالي بين المعلمين وطلابهم.
هذا القائد المفكر حين يكون نموذجا لممارسة العملية الإبداعية ومهاراتها، إذ لا يمكنه بث القوة في الآخرين وتحفيزهم لممارستها دون أن يكون هو محفزا في المقام الأول، فيحاول إحداث تغييرات ذات قيمة، -وإن فشل ثم استطاع أن يجمع شتات أمره ليعيد المحاولة مرة أخرى- فإن أفراد فريق العمل معه بلا شك يصبحون أكثر رغبة في الإقدام على المحاولة بأنفسهم، وهنا الاهتمام بهذه المحاولات الناشئة من الفريق مما يستحق الاهتمام والمساندة لمن سلك طريق المبادرة والمغامرة في آن واحد.
أما المجال الثاني الذي ينبغي حث الأفراد القائمين على التعليم عليه، فهو: امتلاك مهارات التفكير المختلفة، حيث يلعب التفكير الحاذق دورا حيويا في نجاح الأفراد وتقدمهم داخل المؤسسة التعليمية وخارجها؛ لأن أداءهم في المهمات الأكاديمية والمواقف الحياتية عموما أثناء الدراسة وبعد انتهائها هي نتاج تفكيرهم، وبموجبها يتحدد مدى نجاحهم أو إخفاقهم، فالتعليم الواضح المباشر لعمليات ومهارات التفكير المتنوعة يساعد على رفع مستوى الكفاءة في القدرات العقيلة للتفكير المثمر للأفراد «إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» يشير الله – عز وجل- في الآية إلى صفات أولي الألباب أي العقلاء الذين يجمعون بين صفتي ذكر الله في جميع الأحوال والتفكر في خلق الله، وفي هذا دعوة لذوي العقول والنهى إلى التفكير في آيات الله، وإن القرآن الكريم يزخر بنداءات ودعوات كثيرة للتفكر إلا أنه – جل وعلا – يربط بين مفهوم التفكر والذكر على أنهما جناحا ذوي العقول، إذ بهما يعمل الإنسان فكره وهو ذاكر لنعم ربه، مقر بعبوديته، وعندئذ فقط يستوي تفكيره، فيعمل فكره وقلبه متصل بربه، فينسج عقله أفكارا بناءة، أفكار تجلب النفع للعباد والبلاد. بهذا التلاحم الرائع بين العقل والقلب يصيغ الإسلام والمسلم التوازن الذي يشيد حضارة عادلة، متزنة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، بالتفكر في خلق الله يعيش أفراد محور العملية التعليمية في حضور دائم لقدرة الله تعالى وسيطرته على هذا الكون مما يوجد اتزانا في الأفعال والأقوال، ويسهم في حل الكثير من القضايا التربوية لينتقل الأمر من التنظير إلى الفعل، وهو مما قد يسد الفجوة الواقعة بين القول والفعل الأمر الذي يعين الفرد على امتلاك قوة المشاركة في صنع قرار ما أو تحديد أهداف، أو إبداء رأي برؤية بعيدة وبصيرة ثاقبة لا تكون إلا في المؤمن الحق، وقد أمرنا القرآن بالجد والحزم فيما نقرر عمله ليكون القدوة أيا كان مسماها وموقعها قوة فاعلة ومؤثرة فيمن حولها: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ» وحثنا على الإقدام متوكلين عليه «فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ».
أما المجال الثالث والذي ينبغي تعزيزه في بيئة التعليم هو: الشورى، والشورى هي عملية التشاور بين ذوي العلم والخبرة بالقضايا المطروحة، وأفضل الطرق إلى تحقيقها هو النقاش المثمر، وهي من أهم مبادئ الإسلام الإدارية التنظيمية والدستورية «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»، كما تزخر السنة النبوية بأمثلة التشاور بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، فكان عليه السلام أحرص الناس على التشاور مع صحابته، وكان دوما يسعى للحصول على رأي الجماعة لتقرير الأمور الدنيوية ولم يتجاوز الشورى إلا في حال نزول الوحي، ومن تلك الأمثلة تشاوره حول معاملة أسرى بدر فاستمع إلى رأي أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- وأعطى لكل رأي حقه من النقاش، قبل أن يقرر قبول الفدية لإطلاق سراح الأسرى.
إن ممارسة الشورى هو إبراز الآراء المطروحة المختلفة ليظهر أصوبها، ولكي تؤتي الشورى فائدتها، فإن على القائد الناجح في أي مؤسسة تنظيم عملية طرح الآراء بما يحقق الفوائد التالية:
– حماية صاحب القرار من الانسياق وراء الرأي الغالب بدون تمحيص ودراسة.
– توفير البدائل وإتاحة الفرصة للاختيار عند اتخاذ القرار.
– إدارة الاختلاف لما له من دور في تنشيط الأذهان والتشجيع على التفكير الموضوعي، إذ أن النقاش الموثق يوقظ العقول ويبعث فيه الحيوية، ويجب عند ممارسة الشورى مناقشة الآراء بموضوعية وشفافية على أوسع نطاق لتكوين إدراك كامل وواع للحقائق والآراء والبدائل، ثم ينشأ القرار السليم من تمحيص تلك الآراء مع التسديد والتقارب فيما بينها للخروج برأي شامل يخدم الرؤية المقدمة.
وإن كنت قد صدرت المقال بالحديث عن البيئة التي يعيشها المعلم لما في ذلك من أهمية في رفع المعنويات التي تنعكس تلقائيا إلى بيئة التعلم مع الطلاب، فإني أختم المقال بما ينتظر من المعلم إذا ما توافرت له البيئة المناسبة والمشجعة حتى يشارك في صناعة جيل واع يمكنه من مسايرة التغييرات ويجعله قادرا على تقبلها والاستفادة منها، ولعل الترغيب في طلب العلم هو من الأهمية بمكان لاعتبار التعليم هو الوسيلة الأساسية التي تستخدمها الأمم في رقي فكر أبنائها في مختلف المجالات، فيتوقع من المعلم أن يكون مستوعبا لمضمون الرسالة التي يريد إيصالها لطلابه على نحو يمكنه من الارتقاء بهم، ودفعهم إلى الأمام حتى يصبح لكل منهم هدف ورؤية ورسالة، هذا الحديث يجعلنا نستحضر أن كلّ قدوة في موقعه هو مصلح لمن يقتدى به، والمعلم في المجال التربوي التعليمي هو مصلح لطلابه وهذا يعطينا مؤشرا أن المعلم قد حقق الصلاح في نفسه، وامتلك الخبرة والمقصد الحسن ما يجعله متمكنا من إشاعة الخير والاستقامة في المجتمع الطلابي، فتكسو علاقته الرضا مع خالقه أولا، ثم مع الناس ثانيا، فحق له الثناء عندئذ:
قم للمعلم ووفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
إن تدع داعية المروءة تلقه
ذا جانب وافى المروءة وافر
ولعل أهم ما يشغل المجتمع وأبناؤه يقضون جل وقتهم في البيئة المدرسية، هو المعلم القدوة، فإن كان هذا المعلم ممن يتأسى بنبيه – صلى الله عليه وسلم – فهو ممن عناه الشيخ أبي سرور – رحمه الله -:
أين المعلم كي أقبل راحة
منه تخط محامدا وجنودا
وأن عدم توافر البيئة المحفزة لأداء الرسالة المنوط بها المعلم على أكمل وجه لا يعفيه من أن يكون القدوة في أقواله وأفعاله.
فإن كنت أيها المعلم سراج هذه الأمة فسر لا كبا بك الفرس والجميع معك قلبا وقالبا.