اتفاق إدلب.. يمهد لإنهاء الحرب!

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –

الحرب السورية التي اندلعت عام 2011 سببت كوارث كبيرة على الشعب السوري وتداخلت فيها قوى إقليمية ودولية وأصبحت القضية السورية من القضايا المعقدة من خلال ذلك التداخل العسكري ومن هنا فإن المؤشرات الأخيرة حول الاتفاق الروسي-التركي حول إدلب يعطي بعض التفاؤل حول حتمية إنهاء الحرب علي اعتبار ان هذه المحافظة السورية هي آخر معقل للمعارضة العسكرية السورية في إطار تلك الحرب القاسية.
ولا شك أن التوتر ساد العالم خشية تفجر الوضع في إدلب وحصول مأساة إنسانية بين المدنيين الذين يصل عددهم إلى 4 ملايين نسمة وفي ظل الاتفاق الروسي-التركي خلال قمة الرئيس الروسي بوتين والرئيس التركي اردوغان في مدينة سوتشي الروسية، فان ثمة تحولا إيجابيا للوضع في إدلب يتم البناء عليه لإنهاء الصراع المسلح في سوريا وتنفيذ مقررات جنيف والأستانا الخاصة بالتسوية السياسية في سوريا.

هل يحدث التوافق؟
الوضع السوري منذ 7 سنوات ينذر بمخاطر التقسيم في ظل تواجد عدد من القوى الإقليمية في سوريا فهناك القوات الإيرانية وقوات حزب الله، وهناك القوات التركية علاوة على التواجد الدولي الواسع النطاق للقوات الروسية والتي غيرت معادلة الحرب في سوريا كما ان هناك القوات الأمريكية ولو كانت بأعداد رمزية ومن هنا يأتي تعقد الوضع في سوريا ودخول سوريا حرب قاسية راح ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا السوريين علاوة على كارثة اللاجئين التي تعد واحدة من اكبر المآسي التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
وكان هناك يقين بأن نهاية الحرب لن تحدث إلا من خلال توافق تلك القوى في سوريا، ورغم جهود مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة دي مستورا وجولات جنيف والاستانا بين الفرقاء في سوريا إلا أن الصراع المسلح كان يطغى على كل الجهود السياسية مما أعطى إشارات بإن الوضع في إدلب قد يسبب كارثة إنسانية في حال تم استخدام الخيار المسلح.
ان التوافق الروسي- التركي كان حاسما حتى لو كان ذلك بشكل مؤقت من خلال إقناع المسلحين بالانسحاب من إدلب وإيحاد صيغة توافقية من خلال إيجاد منطقة آمنة وهذا أمر إيجابي حيث إن الخيار المسلح سوف يشكل مأساة إنسانية كبيرة مما جعل الأمم المتحدة والقوى الدولية تحذر من خطورة الهجوم العسكري علي إدلب حيث ان نتائجه سوف تكون كارثية على المدنيين في إدلب.
ان التوافق الروسي-التركي ينبغي البناء عليه من خلال الخطوة التالية، وهي إيجاد تسوية سياسية تنهي الحرب وإعادة الإعمار، وتستعيد سوريا دورها الطبيعي على المستوى العربي والدولي وأن تكون هناك قناعات للقوى المتصارعة في سوريا بأن الحل السياسي هو الخيار الأمثل وان الحسم العسكري لن يؤدي الى نتيجة موضوعية للصراع.

التسوية السياسية
الصراع المسلح في سوريا كما هو الحال في اليمن وليبيا لا يمكن حسمه عسكريا لأسباب موضوعية فيما يخص الوضع في سوريا فان الأطراف الدولية، خاصة روسيا والولايات المتحدة، لها مصالح استراتيجية علاوة على الأطراف الإقليمية، ومن هنا فإن الحسم العسكري لصالح احد الأطراف سوف يراه الطرف الآخر خسارة لمصالحه، وهذا هو للأسف المنطق الميكافيللي الذي من خلاله تدفع الشعوب الثمن الأكبر كما في حالة الشعب السوري.
وبعد كل تلك السنوات من الصراع والحرب المدمرة في سوريا فإن المنطق يفرض على كل القوى في سوريا ان تؤمن بالحل السياسي كمخرج وحيد للأزمة السورية.
ولعل التوافق الروسي- التركي حول إدلب يكون مقدمة لإنهاء الحرب في سوريا من خلال تواصل جهود المبعوث الأممي دي مستورا وأن تكون هناك تنازلات متبادلة لصالح السلام والاستقرار في سوريا.
فهناك مسألة الدستور السوري ومسألة الانتخابات الرئاسية والتشريعية وهي قضايا أساسية لإرساء دعائم الوحدة الوطنية في سوريا وإيجاد منظومة وطنية يتحقق من خلالها للشعب السوري الأمن والاستقرار واستغلال الموارد الطبيعية لبناء سوريا الجديدة من خلال دستور عادل ينظم الحياة السياسية في سوريا، وهذا التوافق بين الفرقاء في سوريا هو عامل مهم لإنهاء الصراع المسلح والذي من خلاله خسرت سوريا الكثير.
جولات جنيف ينبغي ان تتواصل ومن خلال التوافق الروسي- التركي فإن تواصل الجهود السياسية يعد أمرا مهما لاستمرار الحركة الديبلوماسية حتي من خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وتكثيف المشاورات بين موسكو وواشنطن لإنهاء الحرب في سوريا وهو أمر بات ملحا من خلال إنهاء التعقيد العسكري وسقوط الطائرات والفوضى التي تعم قواعد الاشتباك من خلال وجود قوات من دول اقليمية وقوى دولية جعلت المسرح في سوريا في غاية الصعوبة والتعقيد مما يحتم المضي قدما في الإجراءات التي تمهد لإنهاء هذا الصراع الدامي في سوريا وفتح صفحة جديدة لمستقبل سوريا وشعبها الذي عانى الأمرين من خلال تواصل ذالك الصراع لعدة سنوات.

الدور الروسي
منذ التدخل الروسي العسكري في سوريا بدأت ملامح التوازن العسكري بين القوات الحكومية وقوات المعارضة تتغير وهذا شيء طبيعي نظرا للقوة الروسية الكبيرة التي تم إرسالها لسوريا، ومن هنا أصبح لموسكو الدور الأكبر في الصراع في سوريا وهو الأمر الذي أزعج الولايات المتحدة والدول الغربية.
ومع وجود الغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة ضد عدد من الأهداف الحكومية السورية والإيرانية في سوريا، بل والتسبب في إسقاط الطائرة العسكرية الروسية قبل أيام، تعقد الوضع في سوريا، خاصة مع اتساع التواجد التركي والصراع مع الأكراد، مما شكل ذلك المشهد مناخا خصبا لصراع القوى المتعددة في سوريا.
ان موسكو أصبحت هي اللاعب الأساسي في الصراع في سوريا ومن هنا جاء التوافق مع تركيا حول مسالة المناطق الآمنة في إدلب، كما ان القوى الإقليمية الأخرى من مصلحتها إنهاء الصراع المسلح في سوريا وهو ما أشارت إليه القمة الثلاثية في طهران مؤخرا بين رؤساء إيران وروسيا وتركيا.
الدور الروسي مع بقية الأدوار الأخرى خاصة واشنطن وتركيا يعد مهما من خلال دعم جهود مبعوث الأمم المتحدة دي مستورا للتوصل إلى توافق سياسي قبل نهاية هذا العام لإنهاء الحرب وإيجاد معالجة موضوعية للوضع في إدلب تتجاوز ذلك التوافق المؤقت لان الوضع في إدلب لا يزال خطيرا من خلال وجود القوى المسلحة في مناطق التماس القريبة من إدلب وأي خروقات تحدث سوف تقود إلى اندلاع المعارك وتحدث الكارثة للمدنيين.

مستقبل سوريا
إن سوريا تحتاج إلى السلام والاستقرار وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية وقناعات وطنية من جانب كل الفرقاء السوريين، أي الحكومة السورية والمعارضة من خلال تسوية سياسية شاملة يكون الدستور السوري الجديد هو الذي يرسم مستقبل سوريا ما بعد الحرب، حيث إن هذا البلد العربي الشقيق يحتاج إلى السلام وإلى إعادة الإعمار وعودة المهجرين إلى ديارهم إذ إن الصراعات والحروب مهما كانت تداعياتها تؤدي إلى الخراب والدمار كما حدث في سوريا.
ومن هنا فإن الحكمة تقتضي البناء على ما حدث من توافق حول إدلب للانطلاق من خلاله إلى التوافق على التسوية الشاملة في سوريا وإنهاء الصراع وإيجاد مناخ ملائم لحياة سياسية تقوم على المواطنة من خلال دستور يتم التوافق عليه من الجميع.
وبدون ذلك التوافق السياسي والتسوية السياسية فإن سوريا قد تتمزق وتقسم وهذا أمر لا يقبله السوريون، مما يحتم الوصول إلى ذلك التوافق من أجل مستقبل سوريا وشعبها وأجيالها الجديدة.