نوافذ : هل ننظر إلى أنفسنا؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
يمثل اهتمامنا بأنفسنا أولوية أولى لكل اهتماماتنا بما في هذه الحياة، ويغالط نفسه من يقول بغير ذلك؛ فحب النفس فطرة؛ وليست مسألة ميكانيكية نوظفها وفق ما نريد، ومن فرط هذا الحب، قد نوردها موارد الهلاك، ومع ذلك نستمر إمعانا منا في أن ما نمارسه الصواب بعينه؛ وإن نظر إليه الآخر على أنه خطأ، ربما لا تكون هذه الصورة واضحة تماما؛ وفق هذه الرؤية؛ ولمن يريد أن يستوضح أكثر، فعليه ملاحظة سلوك الطفل، وهو يقاتل على ألعابه، أو أي شيء يجزم أنه له، وأحيانا يتجرأ ويأخذ ألعاب الأطفال الآخرين وحاجياتهم عنوة، ومتى استطاع ذلك، فليس هناك من قوة إقناعية تستطيع أن تأخذ منه ما تملكه في تلك اللحظة، إلا باستخدام العنف المؤذي.

تأتي هذه الصورة المصغرة؛ للمثل؛ للاستدلال على أن الإنسان في كبره، هو ذاته في ذلك العمر الصغير، من حيث النزعة الإنسانية نحو تفضيلها على أي شيء، وعلى أي أحد كان من كان، ولن يتنازل الإنسان عن ما يملكه إلا إذا كان في المقابل منفعة أكبر تعوض له ما سوف يتنازل عنه «هذه فطرة».
والنظرة إلى النفس؛ وفق العنوان؛ هو سبر أعماقها البعيدة، ومعرفة مجموعة مخزوناتها من القيم، والقناعات، والمواقف، والمعتقدات، لأنه بدون هذه النظرة أو «المراجعة» سمها ما شئت، فإن للنفس قدرة على ممارسة الغواية، وقدرة على الاستغفال، وقدرة على المناورة، وقدرة على الانزواء.
تأتي النظرة هنا للحوار، للمراجعة،  لتغيير الأدوات التي نستخدمها في التعامل مع الآخرين من حولنا، لأن ضرورات ذلك كله يفرضها عليك الآخرون، انعكاسا لما هم عليه، فهؤلاء الآخرون هم يعيشون نفس حالتك، ويتجاوزونك سريعا، إذا لم تتلبسك الهمة مثلهم، ولن ينتظروك، لأن مصالحهم أولى منك؛ حتى ولو أشعروك بأن لك أهمية ما بينهم في لحظة ما، فذلك الشعور الذي تلمسه، لا يلبث أن يتلاشى مع أول خطوة تبعدهم عنك، أو تبعدك عنهم، فأنت في النهاية مجرد (رقم) قابل للربح في ظرف ما، وقابل للخسارة في ظرف آخر، لأنه مهما بلغت تضحيتك للآخر ستظل وفق رقم الربح فقط، ومتى انخفض سقف هذا الربح فلن تعود ذا قيمة عنده، بينما مع نفسك أنت رابح دائما، إلا إن تنازلت عن النظر إلى نفسك، ولا أتصور عاقلا – كامل الأهلية – لا ينتبه إلى ذلك.
أن تنظر إلى نفسك، معناه أن تكسبها الكثير من الثقة، أن تعلي شأنها، تخصص لها مساحة أكبر للحركة والنمو، أن تعقد معها صفقة مستمرة من التكامل، أن تبقيها على فطرتها، فإذا تنازعتما، فستذهب ريحكما، ولا يستبعد أن تكون من يمثل نفسك، أضحوكة بين من حولك.
عندما تنظر إلى نفسك؛ كما قلت ستفتح معها بابا للحوار، وهذا الحوار مهم، ستكتشف من خلاله محطات الربح والخسارة، فتنمي الأول، وتقلل من تأثير الثاني، حتى تستطيع أن تبقى، ولا تعانق الانزواء من وقت مبكر، فأنت واحد ممن أوكلت إليهم إعمار الأرض وحمل الأمانة.
لا يكاد يوم يمر علينا دون أن نمر على المرآة، نحسن من خلالها منظرنا الخارجي: حلاقة شعرنا، جمال ملابسنا، نضارة وجهنا، شكل ولون عدساتنا، رمزيتنا الاجتماعية، وقد نختار مرآة طولية ترسم شخصيتنا الظاهرية كاملة، ولا يستبعد أن نستعين؛ في تلك اللحظة، ولو كان طفلا صغيرا؛ ونسقط عليه السؤال: ما رأيك؟ كيف «تشوف»؟ وبعدها ننطلق بقناعة مجموعة التجمل الذي وضعناه؛ ظاهريا؛ على أنفسنا، هذه الممارسة مهمة، وإن انتقدها البعض، ولكن ما نحتاجه أيضا أن نسبر غور مفاصل أنفسنا من الداخل، ونرمم من خلال ذلك ما تشظى بفعل أحداث الحياة.