الاقتصاد العالمي أقوى بدون ترامب

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
‏haiderdawood@hotmail.com –

هل الاقتصاد الأمريكي والاسواق المالية في العالم سوف تنهار في حالة عزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويصبح الأمريكيون فقراء جدا كما يدعي ترامب؟ وهل بعض التطورات الاقتصادية الايجابية التي تحققت في عهده خلال الفترة الماضية وتوفير فرص العمل للأمريكيين كان هو السبب في ذلك؟؟ أم أن النمو الاقصتادي بدأ في الأشهر الأخيرة من رئاسة أوباما؟ وهي ستتغير الصورة الاقتصادية العالمية في حالة عزل هذا الشخص الذي استطاع خلال وجوده في البيت الأبيض من أن يلغي اتفاقيات دولية ويخلق صعوبات اقتصادية ومالية لعدد من دول العالم من ضمنها الاتحاد الاوروبي وكندا والمكسيك بجانب روسيا والصين وإيران وغيرها من الدول الأخرى، ويعود بالدول إلى ممارسة الحروب التجارية والانظمة الحمائية تجاه السلع والمنتجات العالمية؟؟
كما هو معلوم فإن الرئيس أوباما ورث تركة ثقيلة من جورج بوش الابن، تتمثل في أزمة اقتصادية هي الأكبر منذ الثلاثينات، وحروب استنفدت المليارات من الدولارات، الأمر الذي دفع إدارته بالتركيز على سياسات الإصلاح الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وخفض نسب البطالة، وبسط الرعاية الصحية. كما عمل على تحسين التعليم، وتطوير مجالات الطاقة، والبيئة وقضية الاحتباس الحراري، إلا أن معظم هذه السياسات لاقت اعتراضا من قبل الرئيس ترامب. والانصاف يقتضي الاعتراف بأن الوضع الاقتصادي للأمريكيين في عهد اوباما كان يتحسن كثيرا. وعند تسلم ترامب الحكم، بدأت محاولاته وخصومه بتصوير هذه الإصلاحات عكس ذلك، وأن تجربة أوباما وقبله كلينتون ارتكزت على انتشال الاقتصاد الأمريكي من كبوته بما لحق به من آثار سلبية في عهد جورج بوش الأب، وتم على أثره تحقيق أعلى معدلات النمو للاقتصاد الأمريكي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. فعند تسلَّم الرئيس أوباما الاقتصاد الأمريكي في وقتٍ، كان فيه معدل النمو الاقتصادي سلبيًا بنسبة 2.8%، وقد وصل النمو في الاقتصاد الأمريكي حتى الربع الأول من عام 2016 إلى 15% أكبر من حجم الاقتصاد الأمريكي في 2008، بمعنى أن معدل النمو الاقتصادي ارتفع بنسبة 4.9% في سنوات أوباما بمتوسط نمو 2% سنويًا وفقًا لتقرير “سي إن إن” الذي يعاديه ترامب”. كما أن عدد الوظائف التي خُلِقت في فترة أوباما وصلت لما يقرب من 14.4 مليون وظيفة، مقابل 1.7 مليون فقط في رئاسة جورج بوش الابن، ولكنها أقل مما حصل في عهد بيل كلينتون، والتي وصلت إلى 23 مليون فرصة عمل. كما أن سياسة أوباما في التأمين الصحي كانت هي الأشهر عالميًا، بعدما التصقت باسمه وأصبحت تعرف باسم “أوباما كير” فيما يعتبر النمو في مجال الصناعة الأمريكية إحدى النقاط الساطعة في سجل أوباما الاقتصادي.وهذه الحقائق سوف يتم إعادة تسليط الضوء عليها في حالة فشل ترامب بالدفاع عن نفسه وإدارته تجاه القضايا الماثلة أمام الكونجرس والمحاكم الامريكية.
التوقعات الأخيرة تشير إلى أن وجود ترامب على سدة الحكم باتت أيامه معدودة بعد اعتراف محاميه السابق كوهين أمام قاض فيدرالي بأنه قام بمساهمات مالية غير قانونية لحملته الانتخابية بناء على طلب ترامب في عام 2016، وكذلك لدى إدانة رئيس حملته السابق بول مانافورت بالاحتيال الضريبي والمصرفي. فمحاميه يؤكد اليوم تورط ترامب في دفع مبالغ بواقع 130 و150 ألف دولار من مبالغ الحملة لامرأتين تقولان إنهما أقامتا علاقة مع الرئيس لقاء التزامهما الصمت، حيث جاءت هذه الدفوعات بناء على طلب ترامب بهدف إسكاتهما في نشر معلومات اضافية عن هذه العلاقة الجنسية.
الامريكيون يتوقعون أن هناك عواقب قانونية تجاه ترامب وحملته الانتخابية، وان الأيام القادمة سوف تشهد مناقشة الشكاوى أمام لجنة الانتخابات الفيدرالية تتعلق بارتكاب انتهاكات لقوانين تمويل الحملات الانتخابية، خاصة وأن محكمتين أمريكيتن في نيويورك وفيرجينا شهدتا هذه القضية يوم الأربعاء الماضي، فيما من المتوقع أن تظهر آثارها في الانتخابات النصفية المقررة بعد نحو شهرين، حيث يتوقع أن يفقد الجمهوريون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ. من جانبه أقر بول مانافورت، ببعض التهم وبقيت تهم أخرى للحديث عنها تنصب على التهرب الضريبي وعدم الكشف عن حسابات مالية في بنوك أجنبية والاحتيال على البنوك، حيث يواجه هذا الشخص دعاوى أخرى ضده في العاصمة واشنطن خلال الشهر المقبل تشمل تهم غسيل الأموال، والإدلاء بتصريحات كاذبة والتلاعب بالشهود، فيما يتوقع الخبراء بأن يبدي مانافورت لينه بالتعاون في تحقيقات المستشار موللر لاحقا حول تلك القضايا لنيل حكم مخفف في خطوة مماثلة قام بها المحامي كوهين. وهذه المحاكمات بلا شك والادانات والاقرارات بالذنب من قبل بعض مسؤولي ترامب تثمل عوامل فعالة بيد الديمقراطيين إذا أحسنوا استخدامها في الانتخابات النصفية للكونجرس والتي سوف تجري في شهر نوفمبر المقبل.
وإذا كان ذلك يحصل على الصعيد الشخصي لقضايا ترامب مع ممثلي حملته الانتخابية، فإن تقارير
17 أغسطس، 2018Ali Al Balushiنهجه في السياسة الخارجية والتجارة سجل هو الآخر جدلا يمكن أن يسبب عزلا لأمريكا على الصعيد الدولي انطلاقا من الشعار الذي حمله ترامب أثناء حملته الانتخابية “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، حيث يرى الخبراء أن ما قام به من الخطوات خلال الفترة الماضية سوف تؤدي إلى إبعاد بلاده بصورة كبيرة عن النظام العالمي في أعقاب الحرب الباردة. فهناك اليوم حملة عالمية وانتقادات لاذعة من الرأي العام العالمي ضد ترامب الذي يؤكد للعالم بأنه شخص لا يعترف بالمؤسسات والاتفاقات الدولية، عقب إخراج بلاده من اتفاقيات دولية تحمل توقيع الولايات المتحدة، كاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، واتفاق باريس للمناخ، واتفاقية الشراكة في التجارة والاستثمار عبر المحيط الأطلسي (تي تي آي بي)، وأخيراً من الاتفاق النووي الإيراني منذ قدومه إلى البيت الأبيض، حيث لا يؤمن بأن يعمل جنبا إلى جنب مع حلفاء أمريكا الذين لهم رؤية مخالفة تجاه قرارته بشأن القدس وإيران على سبيل المثال. فقد توحّد العالم ضد قرار ترامب عندما أعلن القدس عاصمة مزعومة لإسرائيل، ضاربا عرض الحائط بعملية السلام في الشرق الأوسط وجميع المفاوضات، ومتجاهلا الجانب الفلسطيني، ونفس الأمر اتبع في حالة خروجه من الاتفاق النووي مع إيران بالرغم من المناشدات التي حصل عليها من الدول الأوروبية وبريطانيا وروسيا والصين تجاه ذلك. يرإيران فالرئيس الامريكي يرى القوة الاقتصادية الأمريكية – وفق تحليلات صحفية – كسلاح يمكن استخدامه حتى ضد الدول الحليفة أيضا، وموقفه معروف من حلف شمال الأطلسي (ناتو)،عندما أنزل من شأن الناتو إلى مرتبة شركة تجارية، حيث يعتقد البعض بأن هذا الشخص يعاني من أزمة في اللياقة الدبلوماسية، وله لغة جسدية مسيئة للآخرين، الأمر الذي يؤدي إلى تقلص مصداقية الولايات المتحدة في أرجاء العالم.
لقد أدخل ترامب العالم اليوم في الحروب التجارية ليس مع الصين فحسب، بل وضعت دولا صناعية ومصدرة أخرى في هذا المجال في خانة الخصوم نفسها، مثل جارتيها كندا والمكسيك، ودول الاتحاد الأوروبي، فضلا عن تركيا حليفتها في الناتو، الأمر الذي يؤدي إلى تضرر المنتجين الأمريكيين المستوردين لبعض السلع الهامة كالفولاذ والألمنيوم الخام على سبيل المثال، وأدى ذلك إلى رفع القضايا بمنظمة التجارة العالمية، نتيجة للتصرف الأحادي من جانب واحد والإضرار بالأعراف الدولية. فمثل هذه الحروب هي حروب حمقاء كما يصفها المحللون، فهي غير متوازية، وأن الضربة التي ستلحق أمريكا من جراء ذلك وسوف لا تقل عما يواجهه اليوم في قضايا الانتهاكات لحملاته الانتخابية وعلاقاته الجنسية. وهناك اليوم تفاعل كبير من القوى المتوسطة والكبرى يتم وتوجيهها ضد أمريكا كاستخدام العملات الوطنية في التجارة الدولية. ومثل هذه الخطوات تقلل من ثقة الدول في العمل مع أمريكا مستقبلا،وتؤدي بها والقوى الرئيسية في أوروبا بالوقوف ضد إدارة ترامب وسياساته التجارية مع العالم أيضا. فهذا الرئيس أصبح اليوم من أكثر الرؤساء الأمريكيين إثارة للجدل، نتيجة لسياساته وقراراته التي تؤدي إلى نفور الدول منه ومن أمريكا، الأمر الذي يدفع أمريكا من جانبها للعزلة أكثر من غيرها. ومن هنا نستطيع القول بأن الاسواق المالية حتى في حالة تراجعها سوف تعود للعمل بقوة مرة أخرى في حالة اختفاء هذا الشخص وغيابه عن المسرح العالمي .