بين الأقوال والأفعال

مصباح قطب –

كثير ما يتناول الكتاب والمهتمون ظاهرة وجود مسافة تتسع أو تضيق بين المكتوب /‏‏ المعلن ، والمنفذ ، بين برامج الحكومات وبين ما قامت أو تقوم به بالفعل ، بين ما تم التخطيط للقيام به ، وما تم عمله ميدانيا على أرض الواقع ، وهو شيء يشبه الفارق الذي يرتفع أو يهبط بين الموازنة العامة كخطة مالية، وبين الحساب الختامي كجرد لما تم القيام به ، مع الإشارة إلى أن المفارقات في السياسات العامة أكثر شمولا. ويلحظ المرء بصفة عامة أن التعليقات على هذا الأمر تتجدد دوريا في مواسم بعينها مثل مواسم إعلان برامج الحكومات ، وأحيانا ما تثار بلا سابق إنذار، وعند حدوث أي تحول حاد في أسعار السلع أو الخدمات ، أو ظهور قصور شديد في خدمة من الخدمات العامة كانت الحكومة قد وعدت بتحسينها، أو وقوع مشكلة تهز الرأي العام يقع ضحيتها شخص أو أكثر في ظروف دراماتيكية ( كحادث في السكة الحديد مثلا ) حيث تتعالى الأصوات أين المليارات التي تم إنفاقها أو قيل: إنه سيتم إنفاقها ؟ وأين الوعود إلخ ؟ وهكذا .
الغريب أنه توجد عادة أيضا فجوة كبيرة أو ظاهرة بين  تشخيص الحكومة – أي حكومة – للتحديات الاقتصادية ، في مقدمة برنامجها المعتمد ، وبين وعي جمهور الصفوة – فضلا عن الجمهور العام – بتلك التحديات – ، بل إن هناك  الكثير في مجال العمل العام لا يقرأوا تلك الوثائق/‏‏ البرامج ومقدمتها كالتحديات وغيرها ، وبالتالي فإن الحوار الدائر حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية يكاد يكون حوارا أحاديا يكلم فيه كل طرف نفسه.
وتنطبق نفس الملاحظة على الرؤية  القومية للبلد – أي بلد – والممتدة زمنيا إلى 15 عاما على الأقل في أي حالة (مثل رؤية مصر 2030 ) حيث إن قراء الرؤية والعارفين بها والمعنيين بتطويرها ، ومتابعتها عددهم قليل وأخجل أن أقول إنه نادر وبالتالي حين يتفاجأون بنص مقتطع من الرؤية وفي أي سياق تجد منهم من يهب منتقدا الحكومات لأنها لم تطبق الرؤية (التي لم يقرأها من قبل ناهيك عن أن يتفاعل معها ) وتتحمل الحكومات في تقديري الجانب الأعظم من المسؤولية عن هذا التقصير في إشراك المواطنين في صناعة الرؤية من البداية بشكل حقيقي ، وفي التعريف بها وحشد التأييد لها وإثأره الحماس لتطبيقها .
إن الوثائق التالية من ركائز بناء معرفة المواطن بما يدور اقتصاديا ولذا أشير دائما إلى أهمية بذل الجهود في توصيلها وبأبسط لغة إلى أوسع جمهور ممكن وإدارة حوار دائم حول ما فيها : ما ورد بالدستور أو القانون الأساسي للدولة – خطاب التكليف الرئاسي أو الملكي أو السلطاني أو الأميري للحكومة – بيان الحكومة أمام النواب – الموازنة العامة – الخطة السنوية والخمسية – الحساب الختامي – التقرير السنوي والربع السنوي لوزارة التخطيط والمتابعة عن متابعة الخطة – التقرير الشهري للبنك المركزي وبيان ميزان المدفوعات – التقرير الشهرى لوزارة المالية عن تنفيذ الموازنة – بيانات جهاز الإحصاء القومي المنتظمة وفى مقدمتها بيان التضخم الشهرى فضلا عن بيانات سوق العمل والأجور والبطالة – بيانات صندوق النقد والبنك الدولي عن الاقتصاد العالمي والإقليمي والوطني على موقعيهما وهكذا .
معرفة الناس بالمواثيق قد تكون مزعجة في البداية لأن نغمة نقد الحكومة سترتفع – وسيكون هناك في كل الحالات مهما تطور الأداء – مسافة أو مسافات بين الواقع والمكتوب ،لكن حين ترتقي الثقافة
العامة سيزيد تعرف الجمهور على الصعوبات التي تواجه تنفيذ السياسات ويدرك أهمية أن يكون هناك موارد كافية لتحقيق الأحلام المرغوبة وأنه لا بديل عن ثمن في كل بديل من بدائل السياسات العامة ويتوقف حسن السياسة على تقليل العبء عن الأضعف وزيادته على الأقدر وهكذا ، ويزيد معرفة الحكومة هي الأخرى بالأولويات التي يعنى بها الجمهور وبالمكان الذي يمكن من خلاله تحقيق موارد إضافية أو الزوايا التي يمكن منها تقليل إنفاق أو إعادة توجيهه إلى ما هو أجدى وشيئا فشيئا ستقل المسافات بين الفعلي والنصي وستكون في حدود ما هو مقبول من الرأي العام .
بناء على ما سبق أدعو إلى زيادة الوعي العام بأهمية قراءة الوثائق الرسمية ، أو ذات المرجعية المعروفة ونشرها وتوضحيها والإشارة إليها من المسؤولين في المناسبات المختلفة ، حتى يكون الحكم على السياسات العامة رفضا أو قبولا أو اتفاقا أو اختلافا قائما على أسس سليمة ، ومنتجا لأفكار جدية تدفع العمل الوطني قدما إلى الأمام وتضمن سلامة التنفيذ. وحتى نقطع الطريق على جماعات التيئيس والتخريب والكذب والإشاعات والتي لا تريد خيرا بل ولا تعرف أيضا معنى الوطن أو الوطنية .
ثمة جانب آخر من القضية حيث يكثر في خطاب المسؤولين الحديث عن إشادة المؤسسات الدولية وبيوت الاستثمار العالمية والبنوك الكبرى بالاقتصاد وبالإصلاح الاقتصادي ، وأرى أن تلك اللغة لا تخدم العمل الحكومي من ناحية ، ولا تطمئن المواطن – الذي يعاني بصفة خاصة من ارتفاع الأسعار أو الصعوبات المعيشية – من ناحية أخرى ، كما أن الإشادات تعمق شعور الناس بالفوارق الكبيرة بين ما يقال وما يتم عمله أو يلمسه حقيقة ، ويخلق ذلك الأمر نوعا من الغربة المزدوجة فالمسؤول يرى أن الناس لا تنصفه بينما الجهات الدولية تشيد به ، والناس ترى أن المسؤول غارق في الاهتمام بالإشادات الدولية ولا يشعر بما يشعرون به. وعليه يجب أن يولى المسؤولون الحكوميون عناية أكبر بطريقة حديثهم إلى الرأي العام وعناية أكبر بالسعي إلى الحصول على إشادة المواطن والمستثمر المحلي قبل الخارجي .
يعد تحدي كبح الأسعار وتهدئة التضخم من أهم ما يوجه الحكومة – بل والدولة – في المرحلة الحالية ، وأهم مدخل إلى ذلك هو المعلومات و ميكنة الخدمات العامة ، ولهذا يجب التصدي بكل جرأة لمقاومة الميكنة من أصحاب المصالح ويجب على كل وزير أو مسؤول أن يقدم شهريا تقريرا إلى رئيس الوزراء بمدى التطور في ميكنة الخدمات العامة ومن يعيقون ذلك والتصرف الذي تم حيالهم. إلى ذلك أرى أن تقديم معلومات يومية عن أسعار السلع في الأسواق الدولية ( وزارة الصناعة والتجارة الخارجية ) أو أسعار التكلفة أو هوامش الربح المقبولة ( التجارة والصناعة + التجارة الداخلية  + اتحادي الغرف التجارية والصناعات ) ، وإنشاء أكبر عدد ممكن من مرافق تنظيم أسواق السلع والخدمات على شاكلة المرفق القومى لتنظيم الكهرباء والاتصالات والنقل أوالغاز ، إذ يمكن أن يمتد الأمر إلى مرفق تنظيم الأسمنت أو الحديد أو زيوت الطعام أو الألبان ومنتجاتها وهكذا .  فهذه الصيغة تتيح بشكل مقبول عالميا ومحليا تحديد الأسعار وأيضا معرفة التكلفة الحقيقية وهوامش الربح .وبطبيعة الحال فإن زيادة العرض بزيادة الإنتاج هو أهم عنصر لضبط الأسواق كما أن التدخل القوى الحكومي لزيادة منافذ العرض وتوسيع قنوات استيراد السلع الأساسية سيظل مطلوبا إلى فترة طويلة رغم تحرير الأسواق وتزايد الاعتماد على القطاع الخاص. أن تخفيف الأعباء المباشرة والسيطرة على تفلتات الأسعار هو من أهم ما يجعل المواطن يشعر بجهود الحكومة – أي حكومة – ومهما قلت للناس إن البنك المركزي يستهدف التضخم وأنه نجح في هدفه وأن كل العالم يشيد به بينما الجمهور يعانى من الارتفاعات غير المنطقية للأسعار (حيث لدى الجمهور أيضا حسه بالتكلفة والعائد المقبول وغير المقبول أو المبرر) فلا فائدة ، وسيظل الرأي العام يصرخ من اتساع المسافة بين القول والفعل . ثمة مثل عامي مصري يقول : “ اسمع كلامك أصدقك وأرى أمورك أتعجب” . فهل آن لنا أن ننهي مثل هذا النوع من التعجب ؟

mesbahkotb@gmail.com