محاذير شرعية يجب مراعاتها وتوخيها أثناء أداء فريضة الحج

للعمرة خمسة أعمال وللحج عشرة لا بد من معرفتها –
كتب – سالم الحسيني –
يتأهب حجاج بيت الله الحرام هذه الأيام للتوجه نحو العراص الطاهرة لتأدية فريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، سائلين المولى عز وجل أن يوفقهم لأداء هذه الشعيرة المقدسة على أكمل وجه، ولذلك فإن نفوس أولئك الحجاج تهفو نحو زيارة البيت العتيق، حيث تتنزل الرحمات وتخشع القلوب والنفوس لفاطر الأرض والسموات، متعطشين قبل شد الرحال إلى التزود بزاد الإيمان والتقوى مبتهلين إليه سبحانه أن يلهمهم رشدهم ويوفقهم إلى ذلك ليرجعوا بعدها كيوم ولدتهم أمهاتهم .. وفي هذا الاستطلاع نطرح مع بعض المختصين في العلوم الشرعية بعض القضايا التي تهم الإخوة والأخوات المقبلين على أداء هذه الشعيرة المباركة.

بداية يحدثنا فضيلة الدكتور يوسف بن إبراهيم السرحني عن المحاذير الشرعية التي يجب أن يتوخاها الحاج المقدم على أداء هذا النسك المبارك فيقول: بداية أوصي إخواني ضيوف الرحمن، وحجاج بيت الله الحرام بتقوى الله تعالى والعمل بما فيه رضاه، وعليهم أن يستشعروا حقيقة هذه الشعيرة العظيمة، فالرحلة لأداء الحج إنما هي رحلة في حقيقتها إلى الله ولله. والحج، والعمرة كأي عبادة يجب أن يؤديا بعلم وفقه، ومعرفة ودراية، فالله تعالى يعبد على بصيرة، يقول الله سبحانه وتعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)، ويقول النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «من أراد الله به خيرًا فقهه في الدين» رواه الربيع. فعلى الحجاج أن يتعلموا مناسك الحج والعمرة، فللعمرة خمسة أعمال هي: الإحرام والتلبية والطواف والسعي والتحلل، وللحج عشرة أعمال هي: الإحرام والتلبية والمبيت بمنى ليلة التاسع من ذي الحجة والوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة مع ذكر الله تعالى، ورمي الجمرات والهدي والتحلل وطواف الإفاضة مع السعي، والبقاء أيام التشريق بمنى لرمي الجمرات.
وأضاف: وقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- لنا بالقول والفعل مناسك الحج والعمرة، والأحكام المتعلقة بهما، وذلك في حجة الوداع، فقال – صلى الله عليه وسلم -: «خذوا عني مناسككم» رواه مسلم. وكان الصحابة – رضي الله عنهم – حريصين كل الحرص على مراقبة النبي – صلى الله عليه وسلم – لمتابعته والاقتداء به، ومن ذلك أنه روى الإمام الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد – رحمهم الله تعالى – قال: سُئل أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – كيف كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ، فإذا وجد فرجة نصَّ، والنص فوق العنق، والعنق هو السرعة في السير»، وهنا يتوجب التنبيه على بعض الأخطاء والمخالفات الشرعية التي يقع فيها عدد غير قليل من الحجاج، والمعتمرين؛ بغية تجنبها، ورجاء تفاديها، والعمل بالصحيح المشروع، ومن تلك الأخطاء: الاضطباع من أول الإحرام إلى التحلل منه (الاضطباع معناه كشف كتف اليد اليُمنَّى)، وهذا غير صحيح، فالاضطباع إنما يكون في طواف القدوم فقط، ويكون في الأشواط الثلاثة الأولى، مثله مثل الرمل فعن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبد الله قال: «رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رمل إلى الحجر الأسود حتى انتهى إليه في ثلاثة أطواف» رواه الربيع. والرمل هو المشي بقوة وإسراع وهو من السنن الثابتة، ويكون في الأشواط الثلاثة الأولى في طواف القدوم، وفي جميع أشواط السعي بين العلمين الأخضرين، وقيل الاضطباع في جميع الأشواط السبعة. كذلك ترك رفع الصوت بالتلبية أو تركها مطلقًا بعد الإحرام، وهذا خطأ؛ لأن الحج هو«العج والثج»، ومعنى العج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة دم الهدي لمن كان عليه هدي، فالحاج لا يقطع التلبية إلا عند وصوله جمرة العقبة لرميها بعد طلوع شمس يوم النحر، وأما المعتمر فلا يقطعها إلا عندما يقف بباب المسجد الحرام، وقيل إذا رأى الكعبة، وقيل حتى يستلم الحجر الأسود، ومن الأخطاء التزاحم على تقبيل الحجر الأسود أو استلامه، ولو أدى ذلك إلى إيذاء الغير، والإضرار بالآخرين، أو الالتصاق بالنساء الأجنبيات، فهذا لا يجوز شرعًا، فليحذر الحاج من هذا كله، وليتق الله تعالى، فالعبادة لا تصح بارتكاب محظور، إذ لا تجتمع الطاعة مع المعصية، فعلى الحاج أن يشير بيده إلى الحجر الأسود إذا حاذاه في حالة عدم القدرة على تقبيله أو استلامه. أيضًا الإصرار على الصلاة بعد الطواف خلف مقام سيدنا إبراهيم – عليه السلام – مما يتسبب في زيادة الازدحام، وإعاقة الطائفين، فالصلاة بعد الطواف جائزة في أي موضع من المسجد الحرام، بل على الحاج أن يراعي الآخرين، وأن يوسع لهم، فلا يصح تقديم ما هو مستحب على حساب ما هو واجب، وإن من القواعد الشرعية أنه إذا ضاق المكان اتسع الحكم، وإذا اتسع المكان ضاق الحكم، ومن المخالفات الشرعية الشروع في الإفاضة قبل غروب الشمس من عرفة، وهذا مخالف لهدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذ إنه أفاض بعد غروب الشمس، وأمر المسلمين بذلك، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «خذوا عني مناسككم» رواه مسلم. وقال أيضًا: «هدينا مخالف لهدي أهل الشرك والأوثان» رواه الربيع. فقد كان أهل الشرك والأوثان يفيضون قبل غروب الشمس، وقد قال المحققون من أهل العلم: إن الشروع في الإفاضة إفاضة، لذلك يرى كثير من العلماء فساد حج من شرع في الإفاضة قبل الغروب، ويرى بعض العلماء أن عليه دمًا.

تجسيد روح الإسلام

أما عن ضرورة أن يجسّد الفرد المسلم وخاصة الحاج روح الإسلام في التعامل مع الآخرين، وتقديم الصورة المشرفة لشخصية الفرد المسلم، وكذلك تمثيل البلد أو الوطن الذي ينتمي إليه فيحدثنا إبراهيم بن مبارك الحسيني قائلا: بعد أن ذكر الله تعالى فريضة الحج مبينا أن لها وقتا معلوما أتبع ذلك بتوجيه من نوى وقصد أن يؤدي هذه الفريضة ويتقرب بها إلى الله جل وعلا، وجهه أن يقوم سلوكه ويلزم بآداب معينة تتناسب وهذه الفريضة العظيمة، والمكان الذي تُؤدى فيه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، فجاء التوجيه الرباني ناهيا أولا على ثلاثة أمور ينبغي لمريد الحج أن يجتبها، منها مخصوص اجتنابه بالحاج بينما هو حلال في الأوقات الأخرى، ومنها ما هو محرم أن يأتي بها الحاج أو غيره ولكن جاء التأكيد عليه هنا للحاج لعظم العمل المقدم عليه وجلالة قدر المكان الذي يكون فيه الحاج، ثم حث الله تعالى عباده الحجيج أن يعملوا الصالحات ويجتهدوا في إتيانها ابتغاء وجه الله مستصحبين في رحلتهم كلها التقوى التي هي أساس الخير وطريق الإحسان ومصدر السعادة في الدنيا والآخرة.
وأوضح أن الله عز وجل يريد للمؤمن الذي قصد الحج أن يخرج من حجه وقد روّض نفسه على الخير والسعي للصلاح واجتناب الشر وأسباب الانحراف، ولذلك جاءت هذه النواهي والأوامر للحاج ليُؤطر سلوكه بآداب ربانية ويروض نفسه بالأخلاق الكريمة التي يحث عليها الإسلام في مواضع عديدة في كتاب الله العزيز وفي سنة النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالله تعالى حين يصف نبيه يصفه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فهو -عليه الصلاة والسلام- كان مستمدا لخلقه من القرآن الكريم كما وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها، فكان رفيقا لينا في تعامله رحيما بالعالمين متواضعا ومتعاونا، يعفو عن المسيء ويقيل عثرة المخطئ ويعين المحتاج، يقول الله تعالى عنه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، ويقول سبحانه: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)، ويقول سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وهو – صلى الله عليه وسلم- يحث في كثير مما روي عنه على التمسك بخصال البر الكريمة، فيقول -عليه الصلاة والسلام-: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله)، بل ويبين أن الهدف من البعثة المحمدية إتمام مكارم الأخلاق فيقول: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاَقِ)، ولإن كان المؤمن مطالب بأن يتمسك بالأخلاق في كل أحواله وأن يلتزم التقوى في جميع أوقاته، فإن الحاج أولى بذلك التمسك وأحق أن يبتعد عن كل ما من شأنه أن يخدش قدسية العمل المقدم عليه ويفقده جلالة قدره ويقلل من عظم شأنه، إضافة إلى أن الحاج سفير لبلده ليعرف عنها عند بقية الوفد القادمين من شتى بقاع العالم لحج البيت العتيق، فكان الواجب عليه أن ينقل الصورة الحسنة عن بلده القادم منها؛ حيث إن التعريف الحق يؤخذ بما ينعكس من أخلاقه وحسن تعامله والتزام سلوكه.
وأضاف: وحين نعود للآية الكريمة لنتأمل في النواهي الثلاث التي أمر الله تعالى حجاج بيته الحرام أن يتجنبوها نجد أن أول نهي كان عن الرفث، وهو الجماع وما يرتبط به من مقدمات سواء بالعمل كالتقبيل واللمس وما شابهه أو بالكلام عنه وذكره، كما يطلق أيضا على الكلام البذيء والفحش في القول، فهو نهي عن كل ذلك مع أن منه ما هو مباح لغير الحاج، ولكنه ورد النهي عنه ليخلص توجه المسلم في تلك الأيام لأعمال الحج والتقرب إلى الله تعالى ولترويض النفس وكبح جماح شهواتها فيسلس بعد ذلك قيادها. وأما الفسوق فهو بلا ريب حرام إتيانه للحاج وغيره، ولكن جاء التأكيد عليه لمن عزم على الحج؛ لأن الأصل لمن يقدم على هذه العبادة الجليلة أن يتخلص من كل المعاصي والذنوب ويتوب إلى الله تعالى منها ويعزم على أن يقلع عنها، وهو ما يتنافى مع الفسوق والاستمرار على الخطايا، كما أن ذلك المكان الطاهر له قدسية ولا ينبغي أن تنتهك تلك الحرمة باقتراف الآثام فيه، ولقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الحاج المحسن في حجه تمحى ذنوبه كلها، حيث يقول: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه). وأشار إلى النهي الثالث أو الأمر الذي يستهين به الكثير من الناس وهو الجدال، فالمسلم ينبغي أن يبتعد عن الجدال الذي ربما أدى إلى التشاحن والفرقة، سواء أكان ذلك الجدال في أمر من أمور الدين أم في أمور الدنيا، ولقد أمرنا الله إن دخلنا في نقاش أن نجادل بالحسنى. يقول سبحانه: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول حاثا على ترك الجدال: (أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِراءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً)، وكم يقع الحجاج في الجدال الذي يخلف بعده تباغضا وتنازعا بينهم، وهو أمر يخالف ما أمر به الله عز وجل وحث عليه نبيه من الوحدة والاتفاق والاعتصام جميعا بحبل الله المتين وعدم التفرق، والمطلوب من المسلم أن يتوقف عن الدخول في مثل هذه الجدالات وأن يوطن نفسه على التوقف عنه، وإن استفزه الآخر ليدخل فيها، كما أن عليه أن يوطن نفسه على كظم الغيظ والعفو عمن أساء إليه وأن يلين قلوبهم بالإحسان إليهم: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).
واختتم الحسيني حديثه بالقول: ومما ينبغي التنبيه عليه أن المسافر للحج نتيجة تغير البيئة والنظام الذي كان يعيش فيه إضافة إلى بعده عن وطنه وأهله وخاصة غير المعتاد على السفر، قد يؤدي ذلك إلى تعكر مزاجه وتأثر نفسيته؛ فينعكس ذلك على تعامله مع رفاقه، ومع أن الحاج ينبغي له ضبط نفسه والسعي للتحكم في سلوكه، إلا أنه في المقابل يطلب من رفاقه تحمل خطئه والتجاوز عن انفعالاته والدفع بالتي هي أحسن (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
أما عن أثر العبادة وكيف تظهر في ضوابط المسلم وسلوكياته قبل وأثناء وبعد الحج فيقول د.صالح بن سعيد الحوسني: من المعلوم أن الأخلاق هي أساس قيام الأمم والحضارات، وهي عنوان التقدم والرقي، وبقدر الخلق الحميد تكون منزلة الإنسان يوم القيامة؛ ولذا فإن جانب الأخلاق هي أهم ما ينبغي أن يقع التأكيد عليها في موسم الحج بسبب ظروف المكان والزمان واجتماع تلك الحشود الكبيرة في ذلك المكان الضيق وفي فترة زمنية واحدة قد تخرج الإنسان عن نمطه المعتاد بسبب الظروف والعوامل المحيطة بمناسك الحج، ومن تلك الأخلاق التي ينبغي التأكيد عليها ما يلي: الإخلاص لله تعالى: فالحج هو رحلة لله تعالى يؤدي فيها المسلم جملة من المناسك بمعية الآخرين غالبا من نحو الإحرام والتلبية والطواف والسعي والوقوف بعرفة والرمي والنحر وغيرها، ومع ذلك فلا بد أن تكون مغلفة بسمة الإخلاص المطلق لله تعالى لا تشوبها شائبة رياء أو تصنع أو استدعاء للمدح أو نحو ذلك من حظوظ النفس التي تشوه مكانة هذه العبادة المقدسة. ثم التحلي بالصبر والتجلد أمام المشاق: فالخروج للحج يستدعي صفة الصبر في كل مراحلها بداية من التهيؤ لها برد المظالم والحقوق وإنفاذ النذور وطلب العفو من الآخرين وصلتهم، وتهيئة النفقة المناسبة للأسرة فترة الذهاب للحج، وبعد ذلك فإن الصبر يكون ملازما للحاج فترة تأديته هذه العبادة من تحمل لمصاعب السفر برا كان أو بحرا أو جوا؛ لأن السفر قطعة من العذاب، فيترك الإنسان أهله وبيته وعمله، وقد لا يجد ما يناسبه من الطعام فلا يجد بدا من أخذ ما يتيسر منه، وقد يعاني من شدة الازدحام وامتلاء الطرقات وكثرة الانتظار وصعوبة الانتقال من مكان لآخر، مع ظروف الطقس غير الملائمة، وقد يصطدم بطبائع وتوجهات تختلف عما ألفه في بلده، وقد يتطاول عليه شخص تداعت عليه المتاعب فأخرجته عن طوره؛ لذا فإن الصبر مطية لا تكبو تحمل صاحبها على الاستعلاء على تلك الأحوال والمصاعب والشدائد والمحن، ويستحق صاحبها البشارة بالأجر العظيم: (وبشر الصابرين..).
وأضاف: إن من ضمن تلك الصفات أيضا التعاون مع الآخرين: وهذه صفة مهمة من صفات الحاج لا بد من التحلي بها، وقد قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، وكم للتعاون من ثمرات فبه تُقضى الحوائج وتسهل الأمور ويقع الخير، فمن الأنانية المفرطة أن يجتهد البعض دون الآخر، وأن يترفه الواحد على حساب المجموع، لذا فإن نجاح هذه العبادة إنما يأتي من تعاون الجميع وتكاتفهم خاصة في شركات الحج بقيام كل واحد بما يجب عليه ومشاركته في قضاء حوائج الجماعة؛ حتى يسهل عليهم متابعة أداء العبادة بكل سهولة ويسر.
وأيضا التنظيم والتخطيط والإعداد المسبق: فالحج اجتماع ضخم لحشود كبيرة من شتى بقاع الأرض، وإن لم يكن لذلك من الإعداد والتجهيز والتخطيط المسبق فإن الأمر سيكون بالغ الصعوبة، وهذا الإعداد والتجهيز هو على مستوى الفرد والمجموع، فعلى مستوى الفرد لا بد من الإعداد للرحلة ماديا ومعنويا، والقيام بما يتطلبه الحج من إجراءات متعددة، وتهيئة النفقة وصرف المبالغ التي يحتاج إليها ووضعها في مكان أمين أثناء التنقل في المشاعر والتيقظ من مسألة فقدها، حتى لا يضطر لسؤال غيره، وأيضا لا بد أن يعد عدته وحاجاته وأدواته الشخصية التي يحتاجها حتى لا يتسبب في تأخير نفسه وغيره وتضيق أخلاق الآخرين بسبب ذلك.
ومن ذلك أيضا الاقتصاد والوسطية في الموارد المتاحة: ففي تلك العراص الطاهرة ومع تلك الحشود الكبيرة يقع التزاحم على ما يحتاج إليه الناس من طعام وشراب ونحو ذلك من أمور كثيرة؛ ولذا فإن الإسراف في التعامل مع تلك الموارد المحدودة يوقع في الحرج ويؤدي لحرمان الآخرين منها، وقبل كل ذلك هي إسراف وتبذير ممقوت محرم كما قال تعالى: (ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا)، فالمؤمن من شأنه التوسط وعدم الإسراف.
كذلك الحرص على النظافة الشخصية والعامة: فتجمع تلك الملايين من البشر في بقعة محدودة المساحة يفرز الكثير من المخلفات والنفايات المختلفة التي تكون من مسببات الأمراض المختلفة، ولكن مع اتباع العادات الصحية والحرص على النظافة ووضع المخلفات في أماكنها المخصصة لها يؤدي للحد من الآثار السيئة التي قد تنتج بسبب تكدس المخلفات والأوساخ، وقد قيل بأن درهم وقاية خير من قنطار علاج. ولا ننسى أيضا الحرص على الاستفادة والانتفاع بالوقت: فمن شأن المسلم الحرص على استغلال الوقت في النافع المفيد؛ هذا في الوضع العادي فما بالكم بتلك الأوقات الفاضلة أثناء أداء تلك العبادة عندها تتضاعف المسؤولية بضرورة الحرص على الدقائق قبل الساعات في المسارعة فيها بكل خير من ذكر ودعاء وتسبيح وتهليل ونحو ذلك والتقليل من الوقت الذي يقضى في القيل والقال ونحوها مما يكون مجلبة للإثم والوزر. وبالجملة فإن على الحاج أن يتمثل أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن يستعمل السكينة والوقار منهجا وسلوكا في أداء المناسك مع استشعاره هيبة الزمان والمكان حتى يظفر بخيرات الحج وهباته الواسعة.