احتمالات بعيدة ولكن!

مصباح قطب –

يبدو أن الاقتصاديين يحتاجون اليوم إلى بناء السيناريوهات الافتراضية ربما أكثر من الساسة أنفسهم، في مدارس العلوم السياسية وفي المعاهد الاستراتيجية يشيع اللجوء إلى المباريات التمثيلية التي يتبارى فيها فريق يمثل وجهة نظر افتراضية نابعة من: (ماذا لو كذا؟) وفريق آخر بوجهة نظر أخرى، كوسيلة للتعرف على مختلف الأوجه والاحتمالات والحجج للموضوع المطروح، ثم مساعدة صاحب القرار على أن يتخذ أفضل القرارات أو يختار أحسن البدائل عند مواجهة واقع طارئ، كان في الأصل افتراضا نظريا إلى أبعد حد.
لكن ما دام الافتراض نظريا فلماذا نشغل أنفسنا به؟ أليس الأولى بناء سيناريوهات لما هو واقعي أو محتمل الحدوث إلى حد بعيد؟ الحقيقة أن ما نسميه افتراضيا هنا ليس نظريا تماما أبدا إنما هو يمثل تحديا ضخما محتملا أو فرصة محتملة كبيرة  وإن كانت احتمالية تحققهما ضعيفة أو حتى شاحبة جدا، ولكنها أيضا مما يصعب أو لا يجب استبعاده تماما أو كليا.

غير أن اللعبة ليست بالسهولة التي نتصورها وأعنى تحديدا ما هو افتراض نظري، ولكن يجب أن نعنى به، وما هو افتراض مطلق أو شبه مطلق ومن العبث أن نتوقف عنده أو نطيل الوقوف، ويتوقف مدى تعقيد لعبة اختيار الافتراضات وبناء السيناريوهات بعد التيقن من أهمية التعامل معها أو مقدار صعوبتها، على السيناريو الافتراضي المطروح، وهل له سوابق يقاس عليها؟ أم أنه مستجد تماما ولا خلفيات له أو عنه. إن ما أود أن أتطرق إليه اليوم هو واحد من هذه الفرضيات الجديدة تماما وأيضا شديدة التعقيد.
لقد ذكر أكثر من معلق مؤخرا أن التودد الزائد من ترامب حيال بوتين الذي ظهر جليا ليس في هلسنكي فحسب بل وكذلك فيما تلا من إعلان ترامب ترحيبه باستقبال بوتين في واشنطن بل وبعدها إعلان استعداده للذهاب إلى موسكو، هذا الحرص الشديد والمفاجئ على التقارب ليس مجرد نزوة ترامبية أو شطحة من الشطحات السياسية أو التويترية التي لا هدف لها ولا معنى.
يقول المعلقون الذين أشرت اليهم إن هدف ترامب البعيد هو في الواقع تطبيق خطة اقترحها الثعلب السياسي المخضرم هنرى كيسنجر فحواها بذل كل جهد ممكن لتحقيق تقارب بين موسكو وواشنطن، وذلك من أجل أن يتحد الاثنان- وهما في النهاية ينتميان إلى الثقافة الغربية لا الشرقية – في مواجهة الصين، أو على الأقل فك الروابط القوية بين روسيا والصين، أو حتى إرباك خططهما معا ضد أمريكا، وهي التي منها إيجاد نظام نقدي عالمي جديد محل النظام الذي يهيمن فيه الدولار على عمليات التبادل والتسوية عالميا.
يرى المعلقون أن التودد غير المسبوق تجاه موسكو ليس مجرد إعلان عن اهتمام مواز لاستعادة روسيا بوتين دورها في المنطقة و العالم، وليس هدفه – كما قيل – مجرد الحصول على موافقة موسكو على الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة في مواجهة إيران أخذا في الاعتبار الصداقة القائمة بين روسيا وإيران والمصالح المشتركة بينهما أو قدرتهما على التأثير في الملف السوري.
فالموضوع أبعد من ذلك وحيث الصين هي الهم الأول للولايات المتحدة، وهي التهديد الحقيقي للعالم الأحادي القطبية – نسبيا – الذي استقر منذ ١٩٩٠ أي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. تفترض الخطة الكيسنجرية أن الحوافز التي يمكن أن تقدمها أمريكا لروسيا أقوى مما يمكن أن تجنيه روسيا من التعاون الوثيق مع الصين – كما هو الحال الآن – وهي تقوم على مقومات منها أولا: افتراض أن المطلوب هو قطع كامل بين روسيا والصين لقاء الحصول على تلك الحوافز أو ثانيا: وفي الحد الأدنى تحييد الدور الروسي، أو خليط مناسب عموما حيث إن فصل روسيا عن الصين تماما هو ما لا يمكن أن يحدث أو يستقيم مع المنطق وطبيعة الوقائع على الأرض.
السؤال هنا ماذا لو انحازت روسيا إلى الولايات المتحدة في مواجهة الصين وتطلعاتها ومصالحها؟ بأي قدر ستفعل ذلك؟ وعلى أي نحو ستدير علاقتها مع الصين وبالتبعية مع تجمع “بريكس” بشكل عام؟ وهل ستقف الهند – ولديها ما لديها من تخوفات من السياسة الصينية عموما – مع الولايات المتحدة كما تقول خطة كيسنجر ومع روسيا التي يريد لها ترامب أن تقف معه؟ ما أثر كل ذلك من النواحي الاقتصادية على العالم العربي؟ ذلك نوع مباغت حقا من الأسئلة ومن المهم أن نتدرب على طرحه وفحصه والتفكير فيه ومن ثم على الإجابة عليه أو الإجابات، حتى لو لم يكتمل هذا السيناريو، ففي كل الحالات أصبح من المؤكد أن الولايات المتحدة ستستخدم كل الأوراق من أجل إدامة هيمنتها على النظام الدولي وعلى الاقتصاد العالمي في مواجهة الصين وغير الصين، ولو أدى ذلك إلى صدم الأوروبيين بين وقت وآخر، أو حتى صدم أقرب الحلفاء ككندا وبريطانيا، أو صدم روسيا نفسها إذا فشلت خطة الحوافز.
هناك كما نعرف منتدى عربي صيني، وعربي هندي، وإفريقي صيني، وإفريقي هندي، وما يشبه العربي الروسي، ولكن لا يوجد منتدى عربي لمناقشة إدارة العلاقات مع تلك الدول في المستقبل، وفى ضوء الاحتمالات المختلفة ومنها ما عرضته بعاليه.
وقد يكون مفيدا أن أشير إلى المفارقة المذهلة في لقاء هلسنكي، حيث قال ترامب إنه يثق في بوتين ربما أكثر من ثقته في بعض أجهزة الأمن الأمريكية وإن بوتين /‏‏ روسيا لم يتدخل في الانتخابات الأمريكية. إذ قال بوتين كلاما مغايرا إذ ألمح إلى أن روسيا أثرت في الساحة السياسية الأمريكية لكنها لم تقصد دعم مرشح بعينه.
ظني أن بوتين بهذا الحديث الغريب كان يريد أن يقول لترامب: إن التودد الزائد إليه وإلى روسيا له هدف أبعد بكل تأكيد، وإن هذا “الحنان” الأمريكي المباغت تجاه الدولة التي لطالما اعتبرتها الدوائر المحافظة في أمريكا بمثابة “امبراطورية الشر”  ليس مجانيا أو ليس بريئا. في كل الحالات الموقف يدعو إلى التأمل والتعمق ويستدعى أهمية اجراء عشرات السيناريوهات الافتراضية لمعرفة تأثير كل سيناريو على
التبادل التجاري بين كل بلد عربي على حدة وبين الصين. بين المنطقة العربية والصين، وروسيا، وأمريكا، وإلى أين يذهب مشروع طريق الحرير؟ والمشاركات التي تمت فيه والبنية التحتية التي أقيمت من أجله أو تم تمويلها من بنك البنية التحتية الآسيوي الذي أسسته الصين والحال كذلك؟ هل يتصرف كل بلد عربي على حدة أم تتعاون أكثر من دولة في التعامل مع هذا الأمر العجيب؟ هل سيفيد في شيء أن تتدخل الجامعة العربية أو المنظمات الإقليمية والدولية أم أن أركان اللعبة الدولية القديمة ستتبدل كلها وتختلف وسينكمش القديم أو يتهاوى أو يضمحل؟ هل ستقل الاستثمارات الصينية الخارجية – بما فيها الواردة إلى المنطقة – بحكم هذا المستجد؟ وكيف سيتم تعويض ذلك؟ كما ترون فالأسئلة لا نهاية لها والاحتمالات منها القريب ومنها البعيد ومنها شبه المستحيل أو حتى المستحيل والمطلوب ليس انتظار ما تجود به المقادير أو المبالغة في التشاؤم. السيناريوهات الافتراضية المعمقة هي الحل في المرحلة الراهنة حتى نعرف رأسنا من أقدامنا على الأقل.

mesbahkotb@gmail.com