قيادة حكيمة .. وشعب وفي

د. عبد الحميد الموافي –
ليس من المبالغة في شيء القول بأن يوم الثالث والعشرين من يوليو 1970، يوم انطلاق مسيرة النهضة المباركة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- سيظل يوما فارقا في حياة الوطن والمواطن العماني، بل وفي التاريخ العماني أيضا.

ففي مثل هذا اليوم قبل ثمانية وأربعين عاما، استيقظت عمان، الوطن والشعب والمواطن على نداء الصحوة والأمل، نداء النهضة والمواطنة والعمل، لبناء حاضر جديد وغد أفضل لكل أبناء الشعب العماني، وبأيديهم وسواعدهم وعقولهم. وبنظرة سريعة إلى مجمل الظروف والأوضاع، محليا وإقليميا ودوليا في ذلك الوقت، يتضح مدى الصعوبات والتحديات التي انبثقت منها مسيرة النهضة المباركة، من أجل أن تضع نهاية لها، ومن أجل أن تصنع واقعا جديدا، طالما تطلع إليه أبناء الشعب العماني. وهنا تحديدا جاء صوت جلالة السلطان قابوس ليبشر بعهد جديد، وليأخذ بيد الوطن والمواطن العماني، إلى حيث تطلع وتمنى. وبرغم صعوبة وقسوة الظروف، إلا أن جلالة القائد امتلك الإرادة الصلبة، والإيمان العميق والثقة الكبيرة في القدرة على تحقيق الحلم الوطني، ليس بفعل التمني أو الرغبة المجردة، ولكن بفعل الإدراك الحقيقي لعناصر القوة الكامنة في المواطن والشعب العماني، وفي الرصيد الحضاري وخبرة التاريخ العماني على امتداد الزمن، وبفعل الإحاطة العميقة بطبيعة الواقع العماني من جانب، وبمتطلبات النهوض والبناء وتحقيق الحلم الوطني من جانب آخر. وهنا تكفلت سمات القيادة وقدراتها بدور بالغ الأهمية ليس فقط على مستوى العمل الميداني والتكتيكي، ولكن أيضا على مستوى العلاقة مع جموع الشعب العماني، وعلى صعيد صياغة الخيارات الاستراتيجية لمسيرة النهضة المباركة في مختلف المجالات، بما في ذلك علاقات السلطنة مع محيطها الإقليمي والدولي، وتحديد ملامح الدور الذي تريد القيام والاضطلاع به، من أجل تحقيق استقرار وأمن وازدهار كل دول وشعوب المنطقة كلما كان ذلك ممكنا.
وفي هذا الإطار فإن مما له دلالة عميقة أن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -أعزه الله- لم يقدم وعدا بفتح خزائن الخير وأبواب الازدهار، بإدارة مفتاح أو بإصدار أمر ما، لأن ذلك لم يكن موجودا، ولا ممكنا بحكم الظروف في ذلك الوقت، ولكن جلالته وعد بالعمل من أجل أن يجعل أبناء الشعب العماني سعداء، وطلب بشكل واضح، حازم وصريح، ومنذ اليوم الأول بمشاركة الجميع في هذا العمل والجهد الوطني، وبأن تكون الحكومة والشعب كالجسد الواحد ومن ثم وضع جلالته القاعدة أو المبدأ الأساسي، الذي ترتكز عليه مسيرة النهضة المباركة، وهو مبدأ المشاركة بين القيادة والشعب في العمل على تحقيق الأهداف الوطنية وصولا إلى إسعاد المواطن وتحقيق حياة أفضل له. وبمعنى آخر فإن النهوض والازدهار والسعادة ، هي في الواقع نتيجة ومحصلة للجهد المبذول من الجميع، ولنجاح هذا الجهد في تحقيق الأولويات والأهداف المحددة في كل مرحلة من مراحل التنمية الوطنية. ومن المؤكد أن النجاح، خاصة على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي مثل الظروف التي انطلقت فيها مسيرة النهضة العمانية الحديثة، يتطلب توفر العديد من المقومات الضرورية والممارسات الصحيحة والقدرة الكبيرة على استجماع وحشد الطاقات الوطنية المتاحة وتوجيهها في الاتجاه الصحيح لتحقيق الأهداف المرجوة، وهو ما حدث، ولا يزال يحدث بالفعل على امتداد الأعوام الثمانية والأربعين الماضية. ولعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: أنه بحكم ما تحقق على الأرض، بالنسبة لعمان وطنا ودولة، مجتمعا ومواطنا، وبحكم النقلة النوعية الشاملة في كل مجالات الحياة، فإن جلالة السلطان قابوس قيادة تاريخية ذات مكانة رفيعة عمانيا وخليجيا وعربيا أيضا، ليس فقط لأنه باني نهضة عمان الحديثة، ولكن أيضا لأن جلالته -أبقاه الله- أسهم، ولا يزال يسهم بدور وجهد ملموس في العمل من أجل أمن واستقرار هذه المنطقة الحيوية، وحل المشكلات القائمة فيها بالحوار والطرق السلمية، ومن أجل تحقيق مصالح دولها وشعوبها في الحاضر والمستقبل.
ومما لا شك فيه أنه لا يمكن الإحاطة، في هذا المقام، بمختلف جوانب ومقومات القيادة التاريخية لجلالة السلطان قابوس، والنجاح في تشييد أسس وركائز الدولة العصرية، القائمة على المواطنة وحكم القانون، ولكن يمكن الإشارة إلى بعض جوانب حكمة القيادة التي جسدها جلالته على نحو واضح وشديد التأثير على مدى السنوات الماضية ومن أبرزها على سبيل المثال لا الحصر:
أدرك جلالة السلطان المعظم، وبحكم خبرته العسكرية والاستراتيجية، أهمية وضرورة تحقيق الأمن والاستقرار كركيزة لا غنى عنها لتحقيق التنمية والازدهار على الصعيد الوطني. ولذا فإنه ليس مصادفة أن يسعى، وبجهد كبير ومتواصل، من أجل تحقيق وترسيخ الوحدة الوطنية، وحشد كل طاقات المجتمع العماني على صعيد واحد، وفي إطار الرؤية السامية لبناء الدولة العمانية الحديثة، وبكل المقومات الضرورية والكافية لأن تجعل منها دولة حديثة وقادرة على استعادة الإسهام الحضاري لعمان على امتداد التاريخ. وفي هذا الإطار تجلت حكمة القيادة، ليس فقط في القدرة على توحيد طاقات المجتمع العماني، وتحقيق تجانس وترابط قوي، في إطار المواطنة والمساواة وحكم القانون، ولكن أيضا في القدرة على التسامي والصفح واحترام كل صاحب مكانة وإنزاله مكانته التي يستحق، وبما يحافظ على التقاليد والعادات العمانية الأصيلة، وعلى النسيج الاجتماعي للمجتمع.
– إنه في ظل الحاجة للقيام بكل شيء تقريبا، بدءا من البنية الأساسية، وحتى وضع هياكل الإدارة والحكم، مرورا بإنشاء مختلف المرافق التعليمية والصحية والخدمية، من طرق وكهرباء ومياه واتصالات وغيرها، وعلى امتداد رقعة عمان الجغرافية الواسعة، وبحكم تواضع الإمكانات المادية، بالنظر إلى محدودية حجم إنتاج عمان من النفط، كان ضروريا اتباع التدرج والعمل خطوة خطوة في كل المجالات، بما في ذلك العناية بإعداد الكوادر العمانية الشابة والمؤهلة للقيام بدورها وتولي مسؤولياتها، في مختلف المواقع وعلى كل المستويات أيضا، وبالتزامن مع ذلك تم السير على طريق إرساء وتطوير تجربة عمان في مجال العمل الديموقراطي، وهو ما توج بإصدار النظام الأساسي للدولة في السادس من نوفمبر 1996 وتعديلاته، وإنشاء مجلس عمان، ليضم مجلس الدولة الذي يعين جلالة السلطان أعضاءه، ومجلس الشورى الذي ينتخب المواطنون ممثلي الولايات فيه، ويتمتع مجلس عمان بالصلاحيات التشريعية والرقابية التي تجعل منه شريكا فعّالا في عملية صنع القرار في مختلف المجالات. وبذلك تم وضع المواطن، وبشكل عملي، في موضع الشريك في صياغة وتوجيه التنمية الوطنية، وجاءت المجالس المحلية المنتخبة في المحافظات لتتيح مجالا أوسع للمواطنين في العمل على مستوى المحليات والنهوض بالمجتمع المحلي.
– تجلت حكمة القيادة أيضا في ما تمتع به جلالة السلطان المعظم من قدرة على تقييم مختلف التطورات الإقليمية والدولية، ومن بعد نظر في التعامل معها، والحرص على الحد من الآثار السلبية لها -بقدر الإمكان- على السلطنة ، وفي هذا الإطار أسهمت المبادئ التي وضعها جلالته للسياسة العمانية، ولعلاقة السلطنة مع الدول الشقيقة والصديقة، وما اتسمت به من وضوح وصراحة وشجاعة، دورا حيويا في بناء علاقات طيبة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة، وإغلاق سبل إثارة المشكلات، وتحويل السياسة والعلاقات الخارجية للسلطنة إلى رافد آخر لتعزيز التنمية الوطنية من ناحية، وإتاحة الفرصة لعمان للإسهام بجهد إيجابي ومساع حميدة لتحقيق الأمن والاستقرار وحل المشكلات التي تواجهها المنطقة بالحوار والطرق السلمية من ناحية ثانية، والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تحصى.
*ثانيا: إنه من المعروف على نطاق واسع أن من أهم ما يميز مسيرة النهضة العمانية الحديثة، هو أنها ثمرة لتفاعل وتعاون وترابط القيادة والشعب العماني الوفي، فمنذ اللحظة الأولى لانطلاق المسيرة أعربت جموع الشعب العماني عن تأييدها ووقوفها تحت راية جلالته، وتفانيها من أجل العمل لتحقيق أهداف التنمية الوطنية، في كل المجالات، وفي كل محافظات السلطنة أيضا. وعلى امتداد الأعوام الثمانية والأربعين الماضية، استعاد المواطن العماني ثقته واعتزازه بنفسه، ووطنه، بل أنه بات يفخر بمنجزاته، وبتراثه الحضاري وبإسهامه الممتد عبر التاريخ وعلى امتداد سنوات مسيرة النهضة العمانية الحديثة، فإن العلاقة الخاصة والعميقة بين جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- عبرت وتعبر عن نفسها بوسائل عديدة، عفوية وتلقائية، في العديد من المناسبات، خاصة وأن جلالته -أعزه الله- حرص دوما على تقدير المواطن العماني واحترام كل صاحب مكانة اجتماعية، وبما يتفق مع التقاليد العمانية الأصيلة ويحافظ عليها، في إطار المجتمع العماني القوي والمترابط. ولعل ذلك هو ما يفسر قدرة المجتمع العماني على التطور والنهوض في مختلف المجالات، وفي الوقت ذاته النجاح في استيعاب كل أبنائه في أطره الاجتماعية والثقافية، وبما يحافظ على القدرة على التفاعل مع مختلف التطورات من حوله، دون اهتزاز. وفي هذا الإطار، فإنه ليس مصادفة أبدا أن ينجح المجتمع العماني في التفاعل الإيجابي مع التحديات التي صاحبت انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، منذ منتصف عام 2014، والتي لم تتحسن سوى في الأشهر الأخيرة، وكان الترابط بين القيادة والمواطنين شديد الوضوح في الكثير من البرامج والخطوات التي أكدت باستمرار أن القيادة الحكيمة تضع على رأس أولوياتها رعاية المواطن العماني، والعمل بكل السبل الممكنة، وفي إطار الإمكانات المتاحة، من أجل تحقيق حياة أفضل له ولأبنائه في الحاضر والمستقبل.
ثالثا: أنه كما قال جلالة السلطان المعظم، فإن منجزات مسيرة النهضة المباركة واضحة وظاهرة للعيان، ولا ينكرها إلا جاحد، ولأنها لم تحدث بسهولة، ولكنها احتاجت إلى الكثير من العمل والجهد على مدى سنوات طويلة، فإن الحفاظ عليها، والعمل من أجل تحقيق المزيد والإضافة إليها، ليست مسؤولية الحكومة فقط، ولكنها في الواقع مسؤولية مجتمعية مشتركة، للمواطن العماني دور كبير ومباشر ومستمر في تحقيقها والحفاظ عليها، باعتباره صاحب المصلحة المباشرة في ذلك. وإذا كانت المنجزات التي تحققت، وتتحقق يوما بعد آخر، قد ارتبطت بالعلاقة الخاصة والعميقة بين جلالة القائد المفدى والمواطن العماني، والشراكة القوية، الفعالة والمستمرة، في عملية صنع القرار، فإن هذه العلاقة الراسخة والمتميزة، هي الطريق أيضا لمواصلة المنجزات في كل المجالات، ولذا فإنه ليس مصادفة أبدا أن يتمتع جلالة السلطان بكل مشاعر الحب والولاء والعرفان من كل أبناء الوطن، دوما وتحت كل الظروف، وهو ما أثمر ما يعيشه المجتمع العماني من أمن وأمان واستقرار وتماسك بين أبنائه يحسده عليه كثيرون.