عندما تتحول السياسة العالمية إلى حلبة ملاكمة!

د. عبد العاطي محمد –

تأمل العالم خيرا من انتهاء الحرب الباردة، ولكن ما لم يكن متوقعا هو أن يعيش العالم اليوم أجواء هذه الحرب مجددا وإن كانت بصورة مختلفة. والشواهد على هذه الأجواء عديدة للمتابع البسيط قبل المتخصص. فلا أحد ينكر أن السياسة العالمية المعاصرة تشهد الآن أشكالا من الصراعات والتوترات غير المسبوقة، يبدو فيهما السلام والأمن الدوليان بعيدين عن التحقق إلى حد كبير، تماما مثلما كان الحال طوال سنوات الحرب الباردة.
ولكن الجديد هو أن صراع الماضي كان أيديولوجيا بالأساس ومنضبطا أي محسوب المقدمات والنتائج، وتجري ممارسته عن بعد بين الخصوم. بينما الصراع في النسخة المجددة (الحالية) ليس على الأيديولوجيا وإنما على المصالح الوطنية المتضاربة أمنية كانت أم اقتصادية أم قومية وليس منضبطا بل مفتوحا على كل الاحتمالات، أي لا سقف له وتجري ممارسته عن قرب.
ولا نبتعد عن الحقيقة إذا ما شبهنا ما جرى وما يجري الآن بأنه حلبة ملاكمة، يتبارى فيها الخصوم للفوز إما بالضربة القاضية أو بالنقاط ولكن في الماضي كان الخصوم محددين بدقة ويتواجهون على فترات متباعدة وهناك استراتيجية واضحة للجميع يتبعها كل منهم وأما الآن فالمشاركون في الصراعات ليسوا بالضرورة ممن يصنفون بالخصوم بل يشملون أيضا فريقا آخر يصنف بالمتنافسين وغالبا ما يختلط الاثنان فلا يعرف أحد الفارق بين الخصم والمنافس ولا تشهد الجولات رغبة من الفرقاء في إنهاء الجولة بالضربة القاضية وإنما بالنقاط فقط.
ما كان أحد حتى من الطرفين الأساسيين في الحرب الباردة القديمة يود ذلك بل يأمل في بدء صفحة جديدة لهما وللعالم لا تعرف سوى التعاون والعمل الجماعي للنهضة البشرية وأمنها واستقرار أنظمتها السياسية ولا كان يأمل في تفجير ما يعرف بثورة القوميات التي بمقتضاها ظهرت دول جديدة وانتقلت العدوى إلى داخل عديد من الدول الأخرى التي توصف بأنها مجتمعات مركبة أي متنوعة عرقيا ولغويا ومذهبيا.
ولكن ما جرى هو العكس حيث الفرقة والخصام والتهديدات الأمنية المتبادلة وإعلان الحروب أو تفعيل التدخلات العسكرية في شؤون الآخرين. ولم يعد ذلك قاصرا على أطراف بينها عداوات قديمة أيا كانت أسبابها وإنما امتد إلى معسكرات الأصدقاء والحلفاء ذاتهم! ولم يعد من السهل التنبؤ بحدود الصراع وزمانه بين طرف وآخر، ولا بمساره فما يحدث اليوم يمكن أن يتغير غدا لأبسط الأسباب!
ولا شك أن هناك أسبابا موضوعية أو حقائق مادية تفسر هذا التحول إلى شكل جديد من الحرب الباردة لم يكتمل بعد ولكن شواهده قائمة يفوق في خسائره المادية والإنسانية ما سببته الحرب الباردة القديمة. وقديما قال المفكر الإيطالي جرامشى: «عندما ينهار القديم وإلى أن يأتي الجديد يحدث الكثير من الفوضى». والعبارة لا تبتعد كثيرا عن تجسيدها للوضع العالمي الراهن فما يجري هو الكثير من الفوضى حقا.
كانت السياسة الأمريكية أولا سببا فيما جرى كما قال الزعيم السوفيتي جورباتشوف الذي يشار إليه دائما بأنه مهندس تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، وعلى إثره انتهت الحرب الباردة فهو من قال إن الولايات المتحدة فهمت خطأ هذا الأمر عندما قررت أن تقصي روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي من السياسة العالمية واعتبرت انتهاء هذه الحرب معناه التفرد المطلق بالسياسة العالمية. ومن المنطقي أن يكون لروسيا رد فعلها المضاد وهو ما حدث ويحدث منذ نحو عشرين عاما.
وكان صراع الحضارات سببا ثانيا والذي تزامن مع انتهاء الحرب الباردة حيث فجر نزعة الانتصار للهوية إلى حد التعصب، ونثر بذور الشك في العلاقات بين الشعوب ذلك الشك الذي وصل إلى حد الصراعات الدموية. ومعلوم أن دعوة كهذه كانت من الأسباب التي خلقت عداء غير مبرر بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي. ومع أن المجتمع الدولي انتفض ضد هذه الدعوة وسعى إلى إجهاضها إلا أنه كان لها فعل السحر في إحياء التيارات المتطرفة على الجانبين.
وكانت العولمة سببا ثالثا فيما جرى من فرقة على عكس ما تصور من دعوا إليها ليس فقط لأنها هددت الهويات الوطنية مما دفع إلى الفعل المضاد أي إحياء النزعات الانفصالية بدعوى الحفاظ على الهوية وإنما لأنها فتحت أبواب الاقتصاد على مصراعيها أمام الجميع فاختل التوازن العالمي وظهرت قوى اقتصادية جديدة تتصدر المشهد بينما توارت قوى أخرى خصوصا في جانب الدول الضعيفة اقتصاديا.
وكان العالم الرقمي سببا رابعا لأنه أتاح إمكانيات واسعة لانكشاف الجميع أمام الجميع فسقطت الأسرار واندلعت الحروب الكلامية وكذلك ما يعرف بحروب الجيل الرابع أي مباشرة الحرب ضد الخصم من داخله ودون اللجوء إلى خيار الحرب العسكرية وبفعل ذلك حلت الضربات من الخفاء محل المواجهة المباشرة وتعالت الاتهامات المتبادلة وانهارت الثقة ولم تعد قواعد العمل الجماعي الواردة في كل الأعراف والقوانين الدولية معمولا بها وبمعنى أكثر وضوحا لم يعد هناك احترام للشؤون الداخلية للدول.
يجني عالم اليوم التداعيات السلبية لكل ما سبق. فمن كان يتوقع أن تتعرض العلاقات الأوروبية الأمريكية للخلافات الحادة إلى حد استخدام الحروب الكلامية بين الجانبين. صحيح أن هناك تباينات على مدى الزمن في الرؤى والمواقف بين الطرفين سواء فيما يتعلق ببناء التعاون المشترك في كل المجالات بما فيها التعاون العسكري ولكنها لم تصل أبدا إلى أن يذهب كل في طريق بالنسبة لقضايا ثنائية مهمة ولا أن يتبادل قادتهم وعلنا أمام الكاميرات ألفاظ اللوم وأحيانا التهكم والسخرية. لقد حدث ذلك في قمة الناتو الأخيرة في بروكسل عندما قال الرئيس الأمريكي ترامب: إن أوروبا أسيرة لروسيا ورد المسؤولون الأوربيون بأن عليه أن يقدر حلفاءه مذكرينه بما قدمته أوروبا من تضحيات بشرية من أجل أمن الولايات المتحدة. وحدث ذلك أيضا في علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي عندما قرر الشعب البريطاني الخروج من الاتحاد وبدأت رئيسة وزراء بريطانيا خطتها للخروج الآمن منه.
من كان يتوقع أن تدخل الولايات المتحدة حربا تجارية مع حلفائها الأوروبيين أو مع الصين الشريك التجاري الأكبر لها عالميا. في الحالتين كان الاقتصاد العولمي هو السبب الذي هز أركان العلاقات هنا وهناك. الولايات المتحدة ترى اليوم أن هذا الاقتصاد أضرها وهكذا ترى بريطانيا أيضا في علاقاتها مع بقية الاتحاد الأوروبي وعلى الجانب الآخر فإن الصين وأوروبا تريان أن لجوء الإدارة الأمريكية للسياسات الحمائية مخالف لمبادئ التجارة الحرة ويعصف بما قدمته العولمة من إيجابيات.
وفي الحصاد المر لهذه الأسباب التي قادت إلى أن تصبح السياسة العالمية ساحة للملاكمة بين مشاركين كثر لا تحكمها قواعد ولا ضوابط هناك الملف السوري الذي أصبح مصيره بيد كل من روسيا والولايات المتحدة وخاضعا لأسلوب الصفقات وكأن مصير الشعوب مشروع تجاري ضخم يخضع للمساومة أو مقايضة أشياء بأشياء. روسيا تدخلت عسكريا في درعا بالجنوب لتضع نهاية لسيطرة الجماعات المعارضة المسلحة ولصالح الحكم في دمشق. حدث ذلك برضا وأمام أعين الولايات المتحدة، وعلى عكس ما تضمنته اتفاقات مناطق خفض التوتر وذلك على أمل أن تضغط روسيا على إيران لإبعاد قواتها من المنطقة هناك (القريبة من إسرائيل) وذلك بانسحاب القوات لأبعد من 80 كيلو مترا في بعض التقارير أو 40 كيلو مترا في تقارير أخرى. كما تردد أن واشنطن تريد انسحابا كاملا للقوات الإيرانية من الأراضي السورية مقابل انسحاب القوات الأمريكية من شرق الفرات، مع ضرورة تعاون النظام مع قوات سوريا الديمقراطية مع ما يعنيه ذلك أيضا من موافقة الولايات المتحدة على بقاء الأسد. إسرائيل تستريح لتصرف كهذا أو لما يسمى بصفقة القرن في سوريا (خروج إيران وبقاء الأسد) وروسيا تفضله بكل تأكيد طالما يعني بقاء الأسد ولكنها لا تستطيع أن تغضب إيران التي لها مصالح اقتصادية معها وتقدر دورها المهم في العمل على إنهاء «داعش» سواء في سوريا أو العراق والمتعاطفة معها في مسألة المواجهة مع واشنطن بخصوص الاتفاق النووي ومن الصعب الجزم بأنها قادرة على أن تضغط على طهران للقبول بالانسحاب بعد أن استثمرت الكثير من التضحيات والتكاليف لإثبات وجودها في سوريا. وبما أن مطالب كل طرف تبدو متباعدة عن بعضها البعض وإمكانية الوفاء بها صعبة فإن المساومات تتركز في الممكن وليس في المأمول لدى كل طرف بمعنى تحقيق قدر من الحلحلة لخفض التوتر عموما مما يفتح الطريق لتسوية سلمية وليس لتقديم حلول نهائية. ولذلك يظل التغيير محدودا وتبقى المصالح والمواقف والمكاسب الأساسية كما هي بالنسبة لكل طرف من الأطراف الثلاثة «أمريكا وروسيا وإيران». وأما الرابح فهو النظام السوري والخاسر هو المعارضة سلمية كانت أم مسلحة!
نحن إذن لسنا أمام سياسة عالمية بلا إرادة جماعية لتحقيق السلم والأمن الدوليين وإنما أمام سياسة تخضع لإرادات مختلفة لكل منها أهداف ومصالح مختلفة، إن لم يكن متناقضة مع بعضها البعض. وأمام صراعات مفتوحة الأجندات. وما يزيد الأوضاع تعقيدا أنها صراعات تنخرط فيها الشعوب وتصبح بدورها قوة ضاغطة على صانع القرار.