احتمالات مفتوحة .. ومخاوف مشروعة!!

د. عبد الحميد الموافي –
قمة هلسنكي تكتسب أهميتها أيضا من مجمل التطورات الإقليمية والدولية التي سبقتها، من اجتماعات سنغافورة بين ترامب وكيم جونج اون زعيم كوريا الشمالية في 12 يونيو الماضي، وحتى اختراق مقاتلات روسية لأجواء كوريا الجنوبية قبيل قمة هلسنكي واحتجاج سول على ذلك، ومرورا بقمة الناتو، والرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، وما قام به في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل.

تتخذ الاتصالات بين الدول أشكالا ووسائل متعددة، مباشرة وغير مباشرة، فضلا عن أنها تتم في العادة على مستويات مختلفة، دبلوماسية وغير دبلوماسية (تجارية وثقافية ورياضية وإعلامية وعلمية أحيانا و..غيرها) وعادة ما تختار الدول، أو بالأخرى تتوافق، على اختيار سبل ووسائل وأشكال الاتصالات فيما بينها، متأثرة بعوامل واعتبارات عديدة منها طبيعة العلاقات فيما بينها، وما إذا كانت قائمة، أو تريدان إقامتها، وما إذا كانت علاقات تحالف، أو صداقة، أوعلاقات مشوبة بالتنمر والعداء، والتوجس من جانب أحد الطرفين أو بشكل متبادل، وما إذا كانت مشحونة بالشك وعدم الثقة، أو ذات رصيد يتسم بالتقلب وعدم اليقين أوعدم الالتزام بالاتفاقات والمواثيق، أو بالرغبة في فتح صفحة جديدة أفضل بين الجانبين، استجابة لمصالح متبادلة، أو أملا في الدفع بالعلاقات بين الجانبين في مسار جديد، يتم فيه إرساء العلاقات على أسس مختلفة، وبالطبع متفق عليها، لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة. وفي الوقت الذي يخضع فيه ذلك كله لعمليات تقييم ودراسة، من جانب دبلوماسيين وخبراء ومتخصصين، في إدارات الخارجية ومراكز الأبحاث والدراسات السياسية المتخصصة، في حالة وجودها، ومن جانب خبراء ذوي ثقل، ومسؤولين ذوي خبرة سابقة، فإن الأمر يظل مرهونا، في النهاية وعلى كلا الجانبين، بحسابات المصالح المنظورة وغير المنظورة، وما يريد أو يتطلع كل من الجانبين إلى تحقيقه، أو يتوقع الوصول إليه، من وراء القيام بهذه الاتصالات في وقت وظروف محددة، لا يمكن بالطبع فصلها عن مجمل ما يحيط بهذه العلاقات ومساراتها في المجالات وعلى الأصعدة المختلفة.
وبينما تمارس الدول اتصالاتها، وتقوم بإجراء ذلك على مستويات عديدة، فإن دبلوماسية القمة تظل في الواقع، أعلى مستويات، أو مراتب العمل الدبلوماسي، والسياسي كذلك، لأنها تتم على أرفع المستويات السياسية ممثلة في رأس الدولة، أو ممثلها الأعلى، وفقا للقانون، إذ أن رأس الدولة يكون في بعض الحالات – ووفقا لقانون الدولة – ليس صاحب السلطة الأعلى، وذلك عندما يكون منصب الرئيس شرفيا، أو أقرب لذلك، كما هو معروف في النظم البرلمانية بوجه عام، حيث تكون السلطة الأقوى في يد رئيس الوزراء، وفقا لتوزيع السلطة والاختصاصات حسب مقتضيات الدستور أو القواعد السياسية الحاكمة، و بحكم تمتعه بالأغلبية، أو بثقة البرلمان في بلاده كرئيس للوزراء. وفي حالتي روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية، فإنه بحكم أنظمتهما الرئاسية، فإن السلطة الأعلى في كل منهما في يد رئيس الدولة، وهما هنا فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، على التوالي واللذان التقيا أمس الاثنين في هلسنكي، في قمة تابعها العالم كله تقريبا، بحكم أهميتها،النابعة ليس فقط من أهمية وثقل طرفيها، ولكن أيضا من أهمية وتأثير القضايا المطروحة، وما يمكن أن يترتب على ما يتم التوصل إليه، وحتى الفشل في التوصل إليه، من نتائج بالنسبة لقضايا عديدة، سواء تم التعرض لها في القمة بشكل مباشر، أو تم الإشارة إليها، أو حتى تجاهلها من جانب بوتين وترامب . ففي مثل هذه الاجتماعات واللقاءات، لا شيء يتم أو يترك للصدفة بالطبع. وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد، إلى عدد من الجوانب بالنسبة لقمة هلسنكي بين بوتين وترامب أمس، ولعل من أهمها ما يلي:
*أولا : لعله من المهم والضروري المسارعة إلى التحفظ بالنسبة لتحليل، أو تناول مخرجات قمة هلسنكي بين الرئيسين الأمريكي والروسي، وذلك بحكم أنها انتهت قبل ساعات، وعادة تحتاج مثل هذه الاجتماعات واللقاءات المهمة إلى بعض الوقت للتعامل الآمن معها، ولكن يخفف من ذلك، أنه في عالم اليوم، وفي ظل النقل الحي أو اللحظي للأحداث، فإن ما لا يريد الجانبان الإفصاح عنه، لن يتم الإفصاح عنه في النهاية، ولكن من حسن الحظ أن الكثير هو ما يتم إعلانه أو الإفصاح عنه، خاصة في حالة الاجتماع بين بوتين وترامب. ولكن التخوف الذي ظهر بشكل واضح وملموس، خاصة على الجانب الأمريكي، وهو ما عكسته الميديا الأمريكية في الأيام الأخيرة، يرتبط بنقطة محددة، وهى الخبرة السياسية لكل من بوتين وترامب من جانب، وطبيعة الشخصية وأسلوب التعامل من جانب كلتا الشخصيتين من جانب آخر. ويرتبط ذلك من وجهة نظر الكثيرين بحقيقة سياسية معروفة، وهى أنه بقدر أهمية وقدرة لقاءات القمة بين الدول، في حسم القضايا، والتوصل إلى توافقات ونقاط التقاء، أو حسم قضايا محددة أحيانا، ووضع النقاط على الحروف بالنسبة للبعض الآخر، حسب أهمية كل منها لهذا الجانب أو ذاك، وهو ما يجعل من دبلوماسية القمة أكثر أشكال الدبلوماسية فعالية وتأثيرا، لأنها تجمع بين الإرادة السياسية والقدرة على التنفيذ الذي يتوفر لرأس الدولة، إلا أن الجانب الآخر للصورة، يتمثل في أنها أيضا – دبلوماسية القمة – أكثر مستويات الدبلوماسية حساسية وتأثيرا بالسلب على العلاقات بين الدول، في حالة الاختلافات الحادة، أو عدم القدرة على التعامل الإيجابي بين الجانبين، أو الأثر السلبي للكيميا الشخصية بينهما أحيانا، وذلك لأن الخلافات على مستوى القمة يصعب التغلب عليها، أو تجاوزها، إلا من خلال المستوى ذاته، وذلك بخلاف أي مستوى دبلوماسي آخر. وعلى سبيل المثال إذا حدث خلاف ما بين دولتين على مستوى دبلوماسي أقل، حتى مستوى رئيس الوزراء مثلا، فإنه يظل ممكنا العمل على تجاوزه من جانب الرئيس، إذا اقتضت مصلحة الدولة ذلك، أما إذا حدث الخلاف على مستوى القيادة، فإن المشكلة تكون أكبر وتظل لفترة غير قليلة، لأن الحلول ستظل مرهونة بقرارات على مستوى القمة . وإلى جانب هذا البعد المؤثر، فإن المخاوف حيال اجتماعات القمة تدور أيضا حول ما يمكن أن تؤول إليه اللقاءات المنفردة بين الرئيسين من اتفاقات، أو إيماءات، أو إشارات لا مكان التنازل أو المساومة، أو حتى الاتفاق بشأن موضوعات لا يرغب هذا الطرف، أو ذاك في إعلانها للرأي العام، خوفا أو تحسبا لرد فعل ما، أو انتظارا لوقت مناسب للإعلان عنها . ويزداد الأمر سوءا عندما تكون هناك قناعات، أو حتى تصورات سائدة بشأن تفاوت قدرات الطرفين على المساومة للخروج بأفضل النتائج الممكنة .
وليس من المبالغة في شيء القول بأن قمة هلسنكي بين بوتين وترامب، قد سبقها عملية تسويق واسعة النطاق لصورة متباينة لشخصيتي بوتين وترامب، حيث ركزت العديد من وسائل الإعلام على قدرات بوتين وحنكته ووضوح أهدافه من جانب، وعلى عفوية ترامب، وخبرته السياسية غير الكبيرة بعد، وميله إلى أسلوب الصفقات، دون الالتفات إلى تفاصيل مهمة أحيانا، فضلا عن نزوعه إلى إعلان مواقف أو آراء، ثم التراجع عنها بعد ذلك لاعتبارات مختلفة، وما حدث خلال قمة الناتو في بروكسل في 12 يوليو الجاري، بينه وبين المستشارة الألمانية ميركل وقادة أوروبيين آخرين، وكذلك ما حدث خلال زيارته لبريطانيا، واعتذاره أو تصحيحه على الأقل لبعض تصريحاته، تظل واضحة الدلالة . ولذا ظهرت مخاوف عديدة من جانب مسؤولين أمريكيين، حول ما يمكن أن يقوله أو يتعهد به ترامب لبوتين خلال اجتماعهما منفردين في هلسنكي لبعض الوقت.
غير أن ما يقلل من تلك المخاوف أن ترامب في النهاية هو الرئيس الأمريكي الذي لم يتردد في الإساءة إلى حلفاء أمريكا لتحقيق ما يراه مصلحة بلاده ، بغض النظر عن تقييم ذلك من جانب آخرين !! داخل أو خارج أمريكا . يضاف إلى ذلك أن يد الرئاسة الأمريكية ليست مطلقة تماما، بحكم توزيع السلطات والاختصاصات، وأن هناك مؤسسات أمريكية تعمل من أجل المصالح الأمريكية أيضا، وأن كان يظل القلق مرتبطا بما لا يتم الإفصاح عنه ، حول ما يتم في الاجتماعات المنفردة على مستوى القمة.
*ثانيا: إن أهمية قمة هلسنكي بين بوتين و ترامب، تنبع في جانب منها على الأقل، من أن كلا منهما يتطلع إلى عالم مختلف، أو على الأقل يريد إحداث قدر من التغيير في البيئة الدولية الراهنة، بشكل أو بآخر، فالرئيس الروسي يريد وضع روسيا الاتحادية كقوة دولية عظمى، واستعادة نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق، واثبات أن موسكو تعافت من آثار تفكك الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991، وما ترتب عليه من نتائج، منها أن حلف شمال الأطلنطي بات يقف على أعتابها بشكل حقيقي وليس مجازي، وأنه – أي بوتين – يريد إقناع الجميع وخاصة واشنطن بقدرته على ذلك، حتى ولو اقتضى الأمر التحرش بجورجيا وأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم واستخدام القوة العسكرية على نحو غير مسبوق في سوريا، وإعادة تنشيط دوريات المقاتلات الاستراتيجية الروسية حول العال، والكشف عن أسلحة شديدة التطور، وإعادة بناء وتحديث القدرات النووية الروسية . وهى جميعها وسائل لاستعادة النفوذ. أما الرئيس الأمريكي فإنه مهموم بالحصول على أكبر قدر ممكن من مليارات الدولارات لحساب الخزينة الأمريكية من ناحية، وإلغاء أية سياسات اتخذها سلفه أوباما، ومن منطلق شخصي أكثر منه موضوعي من ناحية ثانية، بغض النظر عن التقييم الذي يتم تسويقه علنا حول هذه القضية أو تلك، من قضية المناخ إلى النووي الإيراني إلى أوباما كير إلى تمويل عمليات حلف الأطلنطي إلى أسلوب التعامل مع الحلفاء . ومن ثم أصبح من المألوف الحديث والجدل حول ما يريده الرئيس ترامب لبلاده ؟ وللعالم أيضا ؟ ولم يكن انسحاب أمريكا من عدد من الاتفاقات والمنظمات الدولية سوى مظهر لذلك، ولما يفكر فيه، أو يتم دفعه إليه بشكل ما . ولكن في النهاية هناك على مائدة الاجتماعات في هلسنكي رؤيتين مختلفتين للعالم والبيئة الدولية، ولدور كل من روسيا والولايات المتحدة فيها في الفترة القادمة . ومع احترام خيارات ورؤية كل من بوتين و ترامب باعتبارها معبرة عن رؤية كل منهما لمصالح بلاده، إلا أن دور ومسؤولية أمريكا وروسيا في عالم اليوم لا تجعل من ذلك مسألة تخص أمريكا وروسيا فقط، لأن العالم ببساطة يتأثر تماما بما يقولانه ويتفقان عليه . يضاف إلى ذلك أن اختلاف الرؤيتين يزيد من مخاطر أسلوب الصفقات الذي يفضله ترامب، وقد يسمح لبوتين بتحقيق ما يريد عبر صفقات جذابه إعلاميا وخاوية سياسيا إذا جاز التعبير . ولذا يتخوف كثيرون، خاصة في أمريكا والاتحاد الأوروبي، حول ما يمكن أن تتمخض عنه اجتماعات هلسنكي.
* ثالثا: إن قمة هلسنكي تكتسب أهميتها أيضا من مجمل التطورات الإقليمية والدولية التي سبقتها، من اجتماعات سنغافورة بين ترامب وكيم جونج اون زعيم كوريا الشمالية في 12 يونيو الماضي، وحتى اختراق مقاتلات روسية لأجواء كوريا الجنوبية قبيل قمة هلسنكي واحتجاج سول على ذلك، ومرورا بقمة الناتو، والرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، وما قام به في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، وما سبق القمة من زيارات لنتانياهو ومحمود عباس وعلى أكبر ولايتي مستشار علي خامنئي والرئيس الفرنسي ماكرون لموسكو، وما حدث على الأرض في جنوب سوريا في الأيام الأخيرة، وما تسرب حول ما يسمي «صفقة القرن»، والضغوط الأمريكية المتزايدة على إيران، هذه التطورات وغيرها، تجعل قمة هلسنكي من القمم المفتوحة على احتمالات كثيرة، ليس فقط بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط ومستقيل التسوية السلمية للقضية الفلسطينية والسلام في المنطقة، وحل قضايا سوريا واليمن وليبيا وغيرها سلميا، ولكن أيضا بالنسبة للعديد من القضايا الإقليمية والدولية، وذلك لسبب بسيط هو أنه، بغض النظر عن القبول أو الرفض أو الاحتجاج، فإن مفتاح حل قضايا المنطقة يظل مفتاحا أمريكيا روسيا في المقام الأول، ومن خلاله تنتقل الحلول أو التصورات الممكنة، إلى المستويات الإقليمية وحتى المحلية أحيانا، للتمهيد لتنفيذ تلك التصورات أو معظمها في إطار مصالح القوتين الأكبر، أما مصالح دول المنطقة والأطراف ألأضعف منها، فإنها تتحقق بقدر الأوزان النسبية لها، وهذه هي قسوة السياسة ووقاحتها أحيانا، بغض النظر عن أية صيغ تجميلية يتم بها تسويق أو تمرير مرارات الواقع أحيانا كثيرة . وبغض النظر حول ما راج حول مبادلة سوريا بأوكرانيا بين بوتين و ترامب، إلا أن الأمر بالنسبة لأوكرانيا وضم روسيا للقرم من ناحية، وبالنسبة لسوريا والوجود الإيراني بها من ناحية أخرى أعقد بكثير من التفكير فيه والتعامل معه بمنطق صفقات التبادل التجاري، لأن قضايا الأمن الوطني والإقليمي أكثر تعقيدا بكثير .
ومع ذلك لننتظر قليلا لتتضح كل الخفايا، ولنعرف ما حدث لليتامى على مائدة هلسنكي !!.