ذات: نسختك الحقيقية

لما مصطفى دعدوش –

سيتبادر إلى ذهنك الكثير من الأفكار عندما تقرأ هذا العنوان وستضع بعض الأحكام الأولية التي لا بد منها، حيث إنها تخطر إلى بال القارئ فجأة وعنوة ودون سابق بيان.
نسختك الحقيقية هي ليست ذاك الماضي القريب البعيد، الذي قد تكون ممن يحاولون تجاهله ونسيانه أو ممن يبتهجون لذكراه وأحداثه، هي ليست اسمك ولا هويتك ولا مواقفك ولا أحزانك، بل ولا أفراحك، هي ليست كل الأحلام الجميلة التي تحلم بتحقيقها، ولا تلك التي سبقك الزمن ولم تستطع إدراكها، وليست تلك الشهادات العلمية التي قد تملأ حائطك وتزينه بأبهى الكلمات والعبارات المحببة، وليست تلك الكلمات التي قد تسمعها من صديق أو حبيب أو زوجة أو مدير، ليست عبارات التقدير ولا نظرات التهميش ولا صوت الأحلام ولا رائحة الندم ولا نظرة البؤس ولا بهجة الفرح.
نسختك أيها الصديق، هي ذات الصوت البعيد الذي يهتف بداخلك ويناديك كل يوم، تسمعه وتعرفه، إنه صوت قريب إليك بعيد عنك، لماذا هذا القرب والبعد والجهل؟ هل لكِ بقليل من الإيضاح! نعم سأوضح لك وسندخل سوياً إلى ذاك العالم، إنه عالمك، الصوت في داخلك، يناديك أنت، ويرجوك أن تسمعه وتكون معه جاداً دون استخفاف ولا استهزاء، لأنه جاد جداً، يناديك من الأعماق باسمك الذي من داخلك ويرجوك أن تسمعه.
إنه تلك النسخة الحقيقية منك، التي تحوي صفاءك، فطرتك، قلبك، نقاءك، عطاءك، حبك، صدقك، نورك. نسخة فيها من الروح التي وهبك الله إياها يوماً وبدأ بها سجل حياتك هنا على الأرض، نسخة فيها من النور الذي فيك (قبل أن تطفئه وتظلمه)، نسخة فيها من الحب الذي ورد إليك وسكن بك إلى أن أصبحت شاباً، نسخة فيها من القوة التي أعطيتها وسكنتك أعواماً طويلة دون إدراك منك للونها، حجمها، صوتها، ولا حتى لوجودها.
نسخة النية النقية للخير والبذل والعطاء، نسخة طامحة قوية كبيرة مذهلة رائعة، تحتاج منك فقط أن تدركها وتسمعها وتعترف بها. تلك النسخة قد صنعت العظماء من قبلك، وستصنع العظماء من بعدك، وستتعدّاك مؤكدا إن لم تستفق وتبصرها جيداً. نسخة مقدّسة عظيمة حباك الله إياها في مولدك، وأمرك أن تتعهّدها وتبقى على فطرتك التي فطرك عليها، ففيها ترياق هذه النسخة. نسخة إكسيرك المميز الذي لم ولن يكون لأحد غيرك، فهي سمتك وصفتك ومخصوصة لك، كما في بصمة عينيك وبصمة إبهامك، هي كذلك في داخل نفسك. نسخة شفافة غير مرئية يستطيع أهل الإبصار- لا البصر- رؤيتها وإدراكها وتفعيلها.
عندما تفتح على نفسك أبواب المعرفة الداخلية، فتوجه بوصلتك في الوجهة الصحيحة، ستجد أنك قادر وبوضوح على رؤية هذه النسخة، بل والشعور بها أيضاً، لا بل والتواصل معها بسلاسة وتناغم، السر هنا في تلك البوصلة. أي بوصلة تقصدين؟ أقصد بوصلة العقل والقلب يا أخي. توجه قليلاً إلى داخلك واحكم بوصلتك بدقة على ما في داخلك، وارهف سمعك وبصرك وحواسك ما عرفت وما لم تعرف. ستجد بصيص النور يكبر في داخلك، وتدرك أبعاداً وملامح لشخصية قريبة منك، كانت بعيدة، لكنها الآن تقترب وتقترب، وتصبح الملامح أوضح وأكثر وضوحاً.
نعم.. إنه أنت، أنت في نسختك الحقيقية الصافية النقية، أنت بقوتك وصفائك ونقائك وخيرك وطموحك وعزمك. بلا حزن.. بلا ضعف.. بلا كسل. أنت بأهدافك وطموحاتك، أنت بإيمانك الصادق بالله.. بربك، أنت بعقلك المتّقد، أنت بقلبك المحبّ، أنت بروح قوية تسعى للنور والعلم والعطاء والبذل.
مبارك لك الآن تعارفك مع تلك النسخة الحقيقية التي هي (أنت)