جرس إنذار آخر لأوروبا .. ولكن !!

د. عبدالحميد الموافي –

ليس من المبالغة في شيء القول بأنه بالرغم من أن مستقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منصبه ، وما إذا كان سيحظى بفترة رئاسة ثانية في البيت الأبيض ، يظل مرهونا بإرادة الناخبين الأمريكيين بشكل أساسي ، ومدى قدرة اليمين الأمريكي على تأمين قدر من التأييد لاستمراره ، وهو ما ستكون انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر القادم مؤشرا قويا عليه ، إلا انه من المؤكد أن ترامب ترك ، وسيترك ، أثرا غير قليل قبل مغادرته للبيت الأبيض ، بغض النظر عن مدى الاتفاق ، أو الخلاف مع قراراته ، خاصة فيما يتصل بعلاقة الولايات المتحدة مع حلفائها في أوروبا بوجه خاص ، وفي آسيا وعلى امتداد العالم أيضا بوجه عام . فقد أظهرت الفترة الأخيرة ، وما يمكن بتسميته ، بلغة المال ، الإيرادات والنفقات ، أو المكاسب والخسائر بالمعيار المالي ، التي ترتكز عليها سياسة أمريكا أولا التي يتبعها ترامب في علاقة الولايات المتحدة مع الأطراف الأخرى ، حليفة وغير حليفة ، أنها سياسة تثير من المشكلات ما يفوق كثيرا ما يمكن حسابه من مكاسب للدولة الأعظم في عالم اليوم ، هذا فضلا عن الخسائر الأخرى غير المنظورة ، سواء في علاقة الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها ، أو فيما يتصل بالصورة القومية للولايات المتحدة على المستوى الدولي ، وهي جوانب مهمة بالتأكيد فيما يتصل بعلاقات أمريكا الخارجية ، وقدرتها على تحقيق مصالحها على الصعيد الدولي خلال الفترة القادمة . ومع ذلك فإن كل الأطراف ذات العلاقة مع الولايات المتحدة ، لا تملك إلا التعامل مع تلك السياسات ، التي يقررها الرئيس الأمريكي ، والتي يملك القدرة على فرضها ، بحكم سلطاته القانونية والسياسية ، وبحكم قوة وتـأثير الولايات المتحدة في عالم اليوم ، بغض النظر عن موقف أو قبول وعدم قبول الآخرين بها . وفي هذا الإطار فإن الخلافات التجارية الأمريكية ، والمتصلة بقرار ترامب فرض رسوم جمركية على الواردات الأمريكية من الصلب والألمنيوم من الاتحاد الأوروبي وكندا، وقيام الاتحاد الأوروبي باتخاذ قرارات ، دخلت بالفعل حيز التنفيذ ،في الأيام الأخيرة ، بفرض رسوم على بعض واردات الاتحاد الأوروبي من الولايات المتحدة ، عملا بمبدأ المعاملة بالمثل ، وتهديد الرئيس الأمريكي بفرض رسوم على واردات بلاده من السيارات الأوروبية ، من شأنها أن تدخل الجانبين الأمريكي والأوروبي في دائرة من القرارات والقرارات المضادة ، أو بمعنى آخر في حرب تجارية بين أكبر حليفين في العالم ، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج تجارية واقتصادية وسياسية كذلك ، وما حدث في قمة الدول السبع الصناعية الكبرى في كندا هذا الشهر يظل نموذجا للمدى الذي يمكن أن تتخذه العلاقات بين ضفتي الأطلنطي ، وهو ما لا ترغب فيه أوروبا بالتأكيد ، لاعتبارات كثيرة ، اقتصادية وتجارية وسياسية أيضا . ولعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب ، لعل من أهمها ما يلي :
*أولا : إن العلاقات الأمريكية الأوروبية ، أو العلاقات بين ضفتي الأطلنطي ، ليست مجرد علاقات تجارية ، أو اقتصادية ، تحكمها المصالح المالية أو التجارية المباشرة ، أو حساب النفقات والإيرادات من هذا الجانب ، أو ذاك ، ولكنها في الواقع علاقة تحالف استراتيجي ، بين أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية ، وعلاقة شراكة في القيم والمبادئ السياسية التي تحكم نظرة وسلوك كلا الجانبين ، في خطوطها العامة على الأقل ، ثم فإنها علاقات ترابط ومصالح متعددة الجوانب والمستويات بين القوة الأولى في عالم اليوم ، وبين ظهيرها السياسي القوي والنشط ، والمتمثل في أوروبا الغربية ، التي اتسعت لتشكل الاتحاد الأوروبي . وليس مصادفة أبدا أن حلف شمال الأطلنطي ، الذي نشأ عام 1949 ، ويضم الآن 28 دولة ، هي 26 دولة أوروبية إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ، هو تحالف عسكري يقوم على مبدأ الضمان الجماعي ، المتمثل في أن الاعتداء على أي عضو من أعضاء الحلف هو عدوان على الدول الأخرى فيه ، وفقا للمادة الخامسة من ميثاق الحلف . ومع أن الحلف نشأ في ظل أجواء الحرب الباردة ، بعد الحرب العالمية الثانية ، ولمواجهة الاتحاد السوفيتي السابق ، إلا أن الحلف ما يزال قائما ، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق وحل حلف وارسو ، عام 1990 ، بل أن كثيرا من أعضاء حلف وارسو دخلوا إلى عضوية حلف الأطلنطي ، ليتخذوا منه مظلة للحماية ضد روسيا الاتحادية ، التي ورثت الاتحاد السوفيتي السابق ، وتحاول استعادة نفوذها الدولي في ظل قيادة بوتين . ومعنى هذا أن العلاقات الأوروبية الأمريكية هي علاقات أقوى وأعمق من أن تتفكك ، أو تتمزق بسبب الخلافات التجارية ، لأن مبدأ البحث عن الأمن المتبادل والشعور به بالفعل في إطار التحالف بين ضفتي الأطلنطي ، هو أمز له أهميته الكبيرة على كلا الجانبين الأمريكي والأوروبي . ولعل ذلك هو ما جعل واشنطن تتحمل النصيب الأكبر ، بحكم إمكاناتها وريادتها ، من نفقات حلف الأطلنطي على مدى السنوات السبعين الماضية تقريبا ، وعن طيب خاطر، لإدراكها أن ذلك يحقق مصالحها . بل إن مشروع مارشال الذي تم من خلاله إعادة بناء أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية ، هو مشروع أمريكي ، انطلق من استيعاب واشنطن لأهمية وضرورة استيعاب أوروبا الغربية في إطار التحالف بين ضفتي الأطلنطي ، لمواجهة موسكو ، بغض النظر عن التكلفة المادية لذلك .
صحيح أن واشنطن دعت حلفاءها في حلف الأطلنطي ، قبل عدة سنوات ، وأكثر من مرة ، لأن يتحملوا جزءا اكبر من النفقات الدفاعية للحلف ، وهو ما استجابت له دول أوروبا الغربية ، وفي مقدمتها ألمانيا ، التي تتحمل النصيب الأكبر -بعد أمريكا- من نفقات الحلف ، ولكن الصحيح والمهم أيضا أن الدعوة الأمريكية قبل ترامب ، كانت دعوة بين أصدقاء يدرك كل منهم أهمية الآخر، ولكن الصحيح أيضا أن دعوة ترامب ارتكزت وتنطلق من حساب الربح والخسارة ، ومن منطلق الإيرادات والنفقات ، ومن النظرة القائمة على الدفع مقابل الأمن ، وهي نظرة تختزل العلاقة الأمريكية مع حلفائها إلى درجة متدنية ، تدرك الكثير من الدوائر الأمريكية أنها لا تتفق مع ، ولا تخدم المصالح المشتركة بين ضفتي الأطلنطي ، خاصة وأن هناك تفاوتا كبيرا في الإمكانات بين أوروبا والولايات المتحدة ، ومن هنا ينظر الكثيرون إلى مواقف الرئيس الأمريكي وقراراته على أنها قرارات رئيس ، لن يستمر في موقعه اكثر من ثماني سنوات هي فترتا الرئاسة إذا تم إعادة انتخابه لفترة رئاسة ثانية ، اكثر منها قرارات للدولة الأمريكية ، ولعل هذا الإدراك الأوروبي هو ما يمنح أوروبا القدرة على الصبر، أو الاحتمال ، خاصة ، وان أوروبا اكثر قدرة على استيعاب المتغيرات والتفاعلات الدولية بشكل يفوق القدرة الأمريكية ، وذلك بحكم التاريخ الأوروبي ، الأكثر عمقا بكثير من التاريخ الأمريكي الذي يظل حديثا إلى حد كبير .
*ثانيا : إن العلاقات الاستراتيجية والعميقة بين أوروبا والولايات المتحدة ، لا تعني أنه لم يحدث ، أو لن يحدث ، خلافات بين الجانبين . فالخلافات حدثت وتحدث بين الجانبين ، وفي قضايا عديدة تجارية واقتصادية وسياسية أيضا ، ولكنها ظلت ، وستظل على الأرجح ، خلافات بين أصدقاء تربطهم علاقات استراتيجية ومصالح أمنية عميقة ، وأنه يجب التغلب على تلك الخلافات في إطار هذه المصالح ، وبما يخدم المصالح المشتركة والمتبادلة للطرفين ، وعبر المفاوضات بينهما ، ولكن المشكلة الآن أن النهج الذي اتخذه الرئيس ترامب يميل بشكل واضح إلى تجاهل ، أو على الأقل التقليل من أهمية تلك المصالح المشتركة والعميقة ، والميل إلى قياس كل شيء بمنطق الصفقة والربح والخسارة المالية ، دون اعتبار لمصالح كثيرة لا تقاس بالمال وحده . ومع الاستيعاب الأوروبي لهذا البعد ، فإنه يمكن القول إن ميل أوروبا لمعاملة الإدارة الأمريكية بمبدأ المعاملة بالمثل ، هو محاولة من جانب الاتحاد الأوروبي ليس فقط لتأكيد قدرته على الرد على القرارات الأمريكية ، ولكن أيضا لحمل واشنطن على إدراك ان هذا الأسلوب لا يخدم المصالح بين الحلفاء . وهذا ما يفسر التأكيد الأوروبي المستمر على الأمل في تراجع الإدارة الأمريكية عن قراراتها ، والتعامل بمنطق الحليف ، وتجنب الانجرار إلى حرب تجارية بأي شكل من الإشكال .
*ثالثا : إنه بالرغم من اعتماد الاتحاد الأوروبي على المظلة النووية الأمريكية ، وعلى الدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا ، إلا أن الدعوة لبناء القوة الأوروبية المشتركة ، السياسية والاقتصادية والتجارية ، والدفاعية أيضا ، هي دعوة موجودة ومستمرة بدرجات مختلفة منذ أواخر الأربعينيات من القرن الماضي ، وان الاتحاد الأوروبي ذاته هو أهم ثمراتها .
كما أن الفيلق العسكري الفرنسي الألماني ، يظل ذو بعد رمزي إلى حد كبير ، خاصة وأن الدول الأوروبية تظل عملاقا اقتصاديا ، وقزما سياسيا إلى حد كبير . ولم يكن مصادفة أبدا أن إطفاء حريق البلقان في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، تم بفضل التدخل الأمريكي في البوسنة ، كما أن حل المشكلة الأوكرانية لن يتم إلا بتدخل واشنطن أيضا . وإذا كانت أوروبا تشعر بالاطمئنان في إطار التحالف الاستراتيجي مع واشنطن ، فإن دعوة ترامب شديدة الوضوح للحلفاء للدفع مقابل الحماية الأمريكية ، وتهديده السافر بفرض مزيد من الجمارك على السيارات الأوروبية ، اذا ردت أوروبا على قراراته بشأن الصلب والألمنيوم ، هو في الواقع بمثابة جرس إنذار أمريكي آخر للأوروبيين للعمل من اجل مزيد من التقارب فيما بينهم ، والسعي إلى استكشاف سبل حماية المصالح الأوروبية بشكل اكثر فعالية ، إذا استمرت سياسات ترامب . ومع الوضع في الاعتبار أن الاتحاد الأوروبي يواجه مشكلات وخلافات على اكثر من مستوى بين أعضائه ، إلا أن ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تظل قادرة على بلورة سياسات تخدم المصالح الأوروبية من ناحية ، وتحافظ على استمرارية التحالف بين ضفتي الأطلنطي من ناحية أخرى ، وإذا نجحت الدول الأوروبية وروسيا في الحفاظ على بقاء الاتفاق النووي مع إيران ، وحماية مصالحها التجارية في مواجهة قرارات ترامب ، فإنها ستخرج أكثر قوة وتماسكا ، وهو ما قد يحمل الإدارة الأمريكية على مراجعة مواقفها الاقتصادية والتجارية والسياسية ، وبما يحافظ على مصالحها المشتركة مع أوروبا والعالم ، والعودة عن السير نحو انعزال وانسحاب أمريكي ، لن يخدم المصالح الأمريكية بالتأكيد ، لا بمنطق الصفقات ، ولا بمنطق المصالح الاستراتيجية ، ولا بمنطق الحفاظ على النظام الدولي الراهن الذي يشهد ارتباكا كبيرا بسبب النزعة الترامبية الجامحة والمثيرة للقلق ، ليس فقط للأوروبيين ، ولكن لمختلف القوى في العالم وللشرق الأوسط بالتأكيد كذلك .