لماذا تكسب الصيــن الحـرب التجاريـــة؟

جـــــون كاســـــيدي – نيويوركر –
ترجمة قاسم مكي –
أحد معارفي وهو اقتصادي يملك خبرة تمتد لعقود في واشنطن و(وول ستريت) زار بيجينج مؤخرا والتقى بأحد كبار المسؤولين الصينيين. وبالنظر إلى الكيفية التي تقدمت بها المحادثات التجارية بين إدارة ترامب والمفاوضين الصينيين في الأسابيع القليلة الماضية فقد اتضح له أن ذلك اللقاء كان كاشفا. قال له المسؤول الصيني إنه ينظر إلى رئاسة ترامب ليس كانحراف عن الوضع العادي ولكن كثمرة لنظام سياسي معطوب. هذا القول ينسجم مع روايات أخرى. فالقيادة الصينية تعتقد أن الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية عموما لم تَرقَ إلى مستوى تحدي الاقتصاد المعولم والذي يستلزم تحولات كبيرة في أنماط الإنتاج وأيضا إجراء تحسينات كبرى في التعليم والبنيات الأساسية العامة. ويرى الصينيون في ترامب والترامبية رد فعل معادٍ وحتمي على هذا العطب. كما تنبأ المسؤول الصيني أيضا بأن حكومته سَتُبدِي بعضَ المرونة في المحادثات التجارية. فبعد أن راقب الصينيون عن كثب صعود ترامب، توقعوا تماما حدوث مواجهة معه بعد انتخابه وكانوا على استعداد لتقديم بعض التنازلات استجابةً للمخاوف حول العجز التجاري الأمريكي الضخم مع الصين. وفي الواقع لقد اتفقوا مع المحللين الأمريكيين بأن الاقتصاد الصيني بعد أن خاض تجربة ثلاثة عقود من التصنيع السريع والاستثمارات الرأسمالية الضخمة بحاجة إلى الاتجاه نحو الاستهلاك المحلي. لكن المسؤول أكَّد أن الحكومة الصينية غير مستعدة للمخاطرة باستراتيجيتها الاقتصادية الأساسية الأخرى والتي تتعلق بترقية قطاعها الاقتصادي الكبير والانتقال إلى أعلى سلسلة القيمة الاقتصادية وتأسيس حضور صيني في البلدان الأجنبية وفي صناعات المستقبل مثل الروبوتات والتقنية البيولوجية واستخدام الطاقة النظيفة في النقل. لقد تم التعبير عن هذه السياسة في وثيقة استراتيجية «صنع في الصين- 2025»التي أطلقها مجلس الدولة الصيني في عام 2015. وبالنسبة للعديدين من أعضاء إدارة ترامب خصوصا روبرت لايتهايزر، الممثل التجاري للولايات المتحدة وبيتر نافارو، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، تقدم هذه الوثيقة غطاء رسميا للتمييز في المعاملة ضد الشركات الأمريكية في السوق الصينية والسطو على حقوق الملكية الفكرية الأمريكية وسوء استخدام سياسات منع الاحتكار لمصلحة الشركات الصينية. وأخيرا، عبر المسؤول الصيني عن إحباطه من عدم تخصيص واضعي السياسات الأمريكية وقتا لدراسة الصين وتاريخها يماثل الوقت الذي ينفقه الصينيون في دراسة الولايات المتحدة. فالعديد من كبار المسؤولين الصينيين خصوصا الشبان منهم يتحدثون اللغة الإنجليزية وقضوا فترة دراسية في الغرب. وتساءل المسؤول الصيني في رفق : كم هو عدد الأمريكيين الذين يتحدثون المندرين؟ (اللغة الصينية الفصحى الأدبية والرسمية ويتحدث بها، حسب قاموس أكسفورد، 730 مليون نسمة- المترجم.) كما تساءل : كم منهم يستطيع الحديث عن الأدب أو السينما في الصين؟ حقا يوجد عدد كبير من خبراء شؤون الصين في وزارة الخارجية والجهات الأمريكية الأخرى. لكن هؤلاء الناس ليسوا هم من يقودون السياسة التجارية للولايات المتحدة. النقطة التي أثارها المسؤول الصيني صحيحة. ففي تعاملها مع الولايات المتحدة، تعرف الصين ما الذي تريده. لقد رسمت خطوطها الحمراء الخاصة بها ودرست خصمها عن كثب. أما إدارة ترامب فمرتبكة بشأن أهدافها النهائية وتتغير خطوطها الحمراء باستمرار. ويبدو أن كبير مفاوضيها وزير الخزانة ستيفن منوشين لا يملك المعرفة والخبرة والمهارة المطلوبة. وفوق كل هذا فإن المفاوضين الأمريكيين عرضة لنزوات قائد لا يستقرعلى حال. والنتيجة هي الإخفاق التام. من المؤكد أن لدى لايتهايزر ونافارو معرفة جيدة بالميركنتالية الصينية وآراء متينة بشأن مواجهتها. (بحسب ويكيبيديا، تهدف السياسة الاقتصادية التي تعرف بالميركانتيلية الجديدة إلى زيادة الاحتياطيات من العملات الأجنبية بتشجيع الصادرات والتقليل من الواردات ووضع ضوابط على حركة رأس المال وجعل القرارات المتعلقة بالعملة في يد الحكومة المركزية – المترجم.) وفي مارس أصدر مكتب لايتهايزر تقريرا مطولا يفصِّل الممارسات التجارية الصينية المشكوك في سلامتها وفي ذات الوقت أعلن ترامب أنه في حال لم تغير الصين من تصرفاتها ستفرض إدارته رسوما جمركية بقيمة 60 بليون دولار على الواردات الصينية. ولاحقا زاد ذلك الرقم إلى 150 بليون دولار. لكن عقب المحادثات في كل من بيجينج وواشنطن أعلن مونشين عن تجميد الرسوم قائلا « نحن نعلق الحربَ التجارية.» لقد جاء ذلك عقب تدخل لافت من ترامب أمر فيه فجأة وزارة التجارة بالعدول عن قرارها بمنع شركة اتصالات صينية كبيرة هي ( زد تي إي) من شراء مكونات تقنية أمريكية. (أقرت هذه الشركة بانتهاكها العقوبات الأمريكية ضد إيران وكوريا الشمالية.) ومن جانبها أعلنت الصين تعليق رسومها الجمركية التي قررتها ردا على الرسوم الأمريكية واستهدفت بذكاء منتجات الولايات الزراعية الجمهورية. لكنها حتى الآن لم تعلن عن أية تنازلات أخرى. وأشار ترامب على تويتر إلى أن الصينيين «وافقوا على شراء كميات إضافية ضخمة من المنتجات الزراعية.» وحتى الآن، على الأقل، يبدو أنه تخلى عن (أو خفَّفَ) مطالبه بإجراء تغييرات كبيرة وهيكلية في الطريقة التي تعامل بها الصين الشركات المحلية والأجنبية. ومع سيادة الارتباك، بدأ تبادل الاتهامات. فالشجار يشتد بين المجموعات المتنافسة في فريق ترامب التجاري. وفي مبنى الكونجرس انضم عدد من الجمهوريين يقودهم جون كورنَين من ولاية تكساس إلى الديموقراطيين في التوقيع على خطاب ينتقد سعي ترامب للتخفيف من القيود المفروضة على شركة زد تي إي. يعكس هذا الخطاب الذي جمع بين أعضاء من الحزبين المخاوفَ من أن الإدارة الأمريكية ربما توشك على تقديم المزيد من التنازلات حول مبيعات تقنيات حساسة للصـــينيين وأيضا يحذر من أن أية خطوة من هذا القبيل ستعزز التحديث العسكري النشط للصين وتقوض بشدة المصالحَ الوطنية الأمريكية في الأجل الطويل.» وفي مكان ما في بيجينج من المحتمل أن مسؤولا صينيا كبيرا يبتسم الآن.