فـــتاوى: لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة – اخــتلاف الأهلة باختلاف المطالع أمر يثبته النظر والأثر

■ ما هي الشروط الواجب توافرها في الشخص الذي يرى هلال رمضان ؟

لا بد من أن يكون عاقلاً بالغا رجلاً عدلاً في دينه، وأن تكون شهادته لا يكذبها الواقع. والله أعلم.

■ فيمن رأى الهلال بمفرده وردت شهادته، هل يصوم برؤيته ويفطر برؤيته؟

الصيام منوط بثبوت رؤية الهلال، إما بالمشاهدة أو بشهادة عدلين أو بالشهرة، واختلف في العدل الواحد، وعليه فإن رؤية الإنسان بنفسه حجة عليه فهو متعبد بما رآه، ولا يجوز له أن يكذب نفسه، فيلزمه الصوم والإفطار، وإنما يفطر مختفيا حتى لا يساء به الظن، وله أن يجهر بصومه ويمسك عن سائر المفطرات، هذا هو القول الراجح الذي عليه أصحابنا وأكثر علماء الأمة. وذهب الحنابلة إلى أنه عليه أن يتبع الناس في صيامهم وإفطارهم، فإن ردت شهادته فليصم وليفطر مع الناس، وحجة هؤلاء حديث: (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والحج يوم تحجون)، ولكن الغاية من هذا الحديث أن الناس يتعبدون بما بلغهم من العلم، فإن اختفت رؤية الهلال عليهم بغيم أو غيره فأخروا الصـيام بناءً على أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- بأن يكملوا العدة، فإن الصيام المعتبر هو ذلك الصيام الذي صاموه، فصومهم وفطرهم إنما هو بحسب ما ثبت عندهم.
وليس المراد بالحديث أن يمتنع الإنسان عما هو متعبد به في خاصة نفسه، وأي حجة أثبت وأقوى وأبلغ من أن يرى الإنسان ما نيط به فرض الصوم أو حكم الإفطار- وهو الهلال- بأم عينيه، فالله تعالى يقول: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشّــَهْرَ فَلْيَصُمْهُ) والرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهـــــــذا قد صـــدق عليه أنه قد رأى الهلال، فهو متعبد بما رآه، والله أعلم.
■ ما قولكم- سماحة الشيخ- فيمن يقول: إن اختلاف الأهلة باختلاف المطالع؟

اختلاف الأهلة باختلاف المطالع أمر يثبته النظر والأثر، أما النظر: فهو أن الأحكام الشرعية المعلقة على الأحكام الحسية الطبيعية كالطلوع والغروب وظهور الأهلة والزوال ونحوها إنما تقترن بما علقت عليه، ولا يصح أن يفرق بين شيء وآخر من هذه الأمور، فزوال الشمس في بلد ما لا يقتضي حضور وقت الظهر في كل بلد، وإنما يقتضي حضوره في ذلك البلد بعينه أو ما كان متفقا معه في الوقت، وكذلك طلوع الفجر في بلد ما لا يعني وجوب الإمساك على جميع أهل الأرض، ومثل ذلك غروب الشمس في بقعة من الدنيا لا يقتضي جواز الأكل للصائم في كل مكان، ولا وجوب صلاة المغرب على جميع أهل الأرض، وذلك أن كل عبادة من هذه العبادات إنما ترتبط بحالة من هذه الحالات الطبيعية، ولا تجزي تلك الحالة في أي بقعة، وإنما تختلف العبادات وجوبا وارتفاعا باختلاف هذه الحالات، ورؤية الهلال من ضمن هذه الحالات الطبيعية. وأما الأثر: فالحديث الذي رواه مسلم وجماعة عن كريب مولى ابن عباس -رضي الله عنه- قال: (أرسلتني أم الفضل بنت الحارث والدة عبد الله بن عباس إلى معاوية بالشام، فاستهل عليّ هلال رمضان وأنا بالشام، فلما قضيت حاجتها ورجعت سألني ابن عباس فقال: (متى رأيتم الهلال؟) فقلت: (رأيناه ليلة الجمعة)، فقال: (أنت رأيته؟) فقلت: (نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية)، فقال: (ولكننا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين يوما أو نرى الهلال)، فقلت: (أو ما تكتفي برؤية معاوية وصيامه).. فقال: (لا، هكذا أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم)، لا يقال إن هذا مجرد اجتهاد من ابن عباس، لأن قوله (هكذا أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم) صريح في رفع الحديث، كيف وقول الصحابي: (أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا) أو (كنا نعمل كذا) يضفي على روايته حكم الرفع عند علماء مصطلح الحديث. والله أعلم.