التكنولوجيا تطور معرفي وتغير سلوكي

د. سيف بن سليمان المعني –

ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات التي تعيش على هذا الكوكب هو سرعة تطوره ونمو معارفه عبر التاريخ، حتى وصل إلى هذه المرحلة التي نعيشها اليوم، من تطور، وتقدم، خاصة فيما يتعلق بنظم الحواسب الآلية، ووسائل الاتصالات، فبتطور الإنسان تطورت معه عبر الزمن الوسائل التي تساعده في حياته اليومية، ونظم الحاسب الآلي ليست استثناء بل أخذت الريادية فيما ابتكره وطوره الإنسان عبر العقود الماضية في إطار ثورة إلكترونية كبيرة شهدها العالم يصعب مواكبته، فبعد أن كانت هذه الأجهزة ضخمة في حجمها ومعقدة في أدائها واستخداماتها، أصبحت اليوم متناهية في الصغر ولا زالت تواصل صغرها وفي نفس الوقت بسطت طريقة استخدامها ودقتها في معالجة العمليات الخوارزمية المعقدة وبسرعة هائلة، مما جعلها متاحة للاستخدام على كافة المستويات والقدرات.
يُعتبر الحاسوب من أهم وأعظم ما اخترعه الإنسان في القرن العشرين على وجه الأرض، وظل على الدوام في تطور مستمر حتى أصبحت هذه التقنية تدخل في العديد من المعدات وتستخدم في كل شيء لتسهيل عمل الإنسان ودقة إنجازه، وقد دفع هذا التطور الكبير، والسريع للحاسوب إلى إدخاله في النظام التعليمي بشكل أساسي، فأصبح النظام التعليمي مُتطورا يُواكب الحداثة والنمو العلمي على مختلف المستويات، فهو يُعد عصب العملية العلمية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتنموية، وتم توظيف الحاسوب في كافة نواحي العمل، والتخصصات، وقد أصبح رفيقنا في كل مكان وأينما ذهبنا من خلال الأجهزة الخلوية ووسائل الاتصالات التي نقتنيها، وأصبحنا نعتمد عليها أكثر من أي وقت مضى، لذا وجود الحواسب الآلية في حياتنا اليومية ليس رفاهية كما يعتقد البعض، بل ضرورة من ضروريات القرن الواحد والعشرين، يصعب العمل بدونها سواء كان على مستوى الأفراد أم على مستوى المؤسسات الناجحة.
ورغم أن قدرات الحواسب الآلية في تطور مستمر، فإن أسعارها إما بقيت ثابتة أو انها في تراجع مستمر، والسبب في ذلك يعود إلى رخص المعالجات، والمنافسة بين الشركات المصنعة، والموزعة، حيث ستصل قيمة شرائح الكمبيوتر التي تدخل في أغلب الآلات، والأجهزة الحديثة التي تستخدم في المنزل، وفي المصانع، وفي المستشفيات، والسيارات، والأدوات المنزلية، والهواتف الخلوية .. الخ زهيدة الكلفة، لا تتعدى قيمتها خانة العشرات من البيسة. خلال العقود الثلاثة الماضية تعاظم استخدام تكنولوجيا نظم المعلومات بين البشر، البعض منا لا يستغني عنها إطلاقا، بعضها أخذت تدير أنشطة الحياة اليومية نيابة عنا… توقف عن القراءة قليلا، وأنظر من حولك، ماذا ستشاهد، سترى الكثير من الأدوات إلكترونية (Gadgets) منها الكمبيوتر، جهاز عرض الفيديو، الهواتف الخلوية، شبكات الهواتف الخلوية Wi-Fi))، التكييف، ألعاب الأطفال، شاشات التحكم في السيارات التي أصبحت كقمرة الطائرة، بكثرة أجهزة العرض، والتحكم بها، بالتأكيد بعض هذه التقنية مفيدة للإنسان وتساعده في أعماله اليومية، وآخرون يروا أن البعض منها مضر.
منذ حوالي عقد من الزمن، كان الهاتف الخلوي يستخدم فقط للاتصال الصوتي، ثم تطور إلى إرسال بعض الرسائل النصية، ولكن الهاتف الخلوي في زمننا يقوم بأكثر من ذلك، منها على سبيل المثال، التقاط صور الفيديو، أو الصور العادية عالية الجودة، مشاهدة الأفلام والقنوات الفضائية، الدخول في شبكات التواصل الاجتماعي، واستخدام البريد الإلكتروني، تحديد المواقع وإرسالها للأصدقاء، لقد غير الهاتف الخلوي أسلوب حياتنا، وسهل علينا الكثير من وسائل التواصل فيما بيننا، وأصبح من السهل الآن التواصل مع الأهل والأصدقاء حول العالم وبأسعار زهيدة، سواء كان بالصوت، أو بالصوت والصورة معا، رغم كل هذه التسهيلات التي قدمها ويقدمها الهاتف الخلوي، لكنه حول حياتنا وطريقة عملنا بشكل مختلف تماما، فقد أصبح العالم كله بين أناملنا، مما نتج عن ذلك نمو الكسل، وعدم الحركة، قلة التواصل الاجتماعي وجها لوجه، فهل يعقل أن يكون طرفي الاتصال في مكان واحد، ووجها لوجه، لكن الحوار يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ لقد أصبح الخمول، والحركة، مرتبطين بوجود الهواتف الخلوية، والبعض منا أدمن عليها، حيث بالكاد يفارقه ليلا ونهارا وفي كل مكان، مما نتج عن ذلك تراجع النشاط المعهود، ومواصلة تطوير الأداء والتعلم، خاصة جيل الشباب الذي أصبح ملتصقا بهاتفه الخلوي، لا شك أننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في سلوكياتنا واستخدام هذه التكنولوجيا لما من شأنها مساعدتنا على أداء وتقدم أعمالنا، لا إشغال أنفسنا بالكثير من التفاهات التي تبث عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتشغلنا عن أداء أعمال أكثر أهمية وضرورة.
من جانب آخر فان دخول الروبوت في معترك الحياة اليومية يحاكي البشر في كل تصرفاتهم، وقدراتهم، بل وفي كثير منها أفضل من الإنسان ذاته، يرى مراقبون بأن دخول الكمبيوتر في الكثير من الأنشطة التي عادة يقوم بها الإنسان سينتج عنها الكثير من البطالة حول العالم، حيث ان الكثير من المصانع الآن خاصة صناعة السيارات العملاقة مثل شركة مرسيدس وبي أم دبليو… الخ أصبحت تدار بواسطة الروبوت بشكل شبه كامل، هنالك الكثير من العمالة مرشحة بأن يستولي عليها الروبوت في المستقبل القريب، خاصة في الجوانب الصناعية الخطرة، بعض السيارات الآن شبه آلية وما هي إلا سنوات قليلة وسوف نشتري السيارة التي تقود نفسها بنفسها.
التقدم البشري لا يمكن أن يتوقف مهما كانت السلبيات خاصة وإن كانت الإيجابيات أكثر، فلا بد للحياة أن تمضي، ولا بد أن نتعايش مع نمو أعداد البشر، واستهلاكه للموارد خاصة الوقود الإحفوري والمياه … الخ، وفي هذا الإطار تتدخل التكنولوجيا الحديثة لتأتي ببعض الحلول، خاصة في مجالات توفير الطاقة النظيفة من خلال طاقة الرياح، والطاقة الشمسية وطاقة حركة المد والجزر التي توفر حلولا لما يعانيه البشر الآن من مشكلات الطاقة ولربما تصبح منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى مصدر الطاقة للعالم نظرا لسطوع الشمس بها قرابة 14 ساعة في اليوم، لكن هذه المرة عبر كابلات عملاقة بدلا من تصدير الوقود الإحفوري، فإنتاج الطاقة الشمسية أصبحت منخفض التكاليف باستمرار مما يبشر بنموها والاستثمار في وسائل إنتاجها. العالم يتطور وينمو بسرعة فائقة، لا ينتظر المتخاذلون، وللأسف كان دورنا ولا زال (أي العرب) مستهلكين غير بارعين لما ينتجه العالم من حولنا، لا مجال للعيش برخاء في عالم اليوم، إلا للدول التي تولي البحوث العلمية، والتقدم العلمي والاختراعات أهمية قصوى، وينفق عليها بسخاء، فالوقود الإحفوري الذي كان ينعش منطقتنا العربية منذ عقود وحقيقة لم تسخر عائداته للاستثمار لفترة ما بعد النفط كما فعلت العديد من الدول، كالنرويج مثلا، لقد أصبح القلق يراود الجميع لما يمكن أن يحدث مستقبلا في وقت تتراجع فيه أسعار وحجم إنتاج النفط حتى وإن بدت لنا أنها تتعافى. من جانب آخر فها هي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحركة الموج وكذلك الوقود الصخري، يتم استثمارها بقوة وتثبت قدرتها وجدواها ومنافستها يوما بعد يوم للوقود الإحفوري، وكنتيجة لذلك، فقد بدأت الدول التي عرفت بالوفرة النفطية تطبق أنواع مختلفة من الضرائب ورسوم الخدمات وكذلك رفع الدعم بشكل تدريجي، وهذا وضع جديد غير مألوف لدى الخليجيين على وجه التحديد، فقد علمتنا وفرة الذهب الأسود سابقا ألوانا من البذخ والإسراف في الإنفاق، والكل يتساءل ما الذي يتوجب فعله لتفادي تأثير تراجع العائدات النفطية في المستقبل القريب للتعايش مع الوضع بأقل الخسائر، دول عديدة لا تملك مواد خام أو نفط مثل اليابان، سنغافورة، نيوزيلندا، كوريا الجنوبية، لقد كان موردها عقول البشر وليس النفط، لذلك لا بد من إعادة هندسة التعليم، والبحوث العلمية، والنهوض بالتدريب المهني، وتنمية الصناعات المحلية التي تولد فرص العمل، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ومكافحة البيروقراطية والفساد حتى يمكن التعامل مع تحديات المستقبل بإمكانيات وقدرات عالية.