أزمة هوية….!!

سالم بن سيف العبدلي/ كاتب ومحلل اقتصادي –

لكل دولة من دول العالم هوية وسمات محددة وخاصة تميزها عن غيرها وتعرف بها وتظل وسما ثابتا لا يمكن أن يمسحه غبار الزمن وتستمد الدول هويتها وسماتها من حضارتها وتاريخها وأصلها وقديما قيل “إنه من ليس له ماض ليس له حاضر” ونحن في السلطنة نفتخر بتاريخنا القديم وحضارتنا العريقة الموغلة في القدم والتي منها نستمد هويتنا الوطنية وتسعى الدول إلى الكشف عن مكنونات تاريخها وحضارتها وتتباها بها بين الأمم من خلال المعارض والفعاليات والمتاحف المتنقلة والثابتة.
هناك دول حديثة تعترف بأنه ليس لها تاريخ مستقل فهي قامت منذ عشرات السنين فقط وخير مثال على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والتي بدأ تاريخها منذ عام 1783 بعد حرب الاستقلال ففي كل مناسبة ومحفل تؤكد هذه الدولة على أنها لا تملك تاريخا وليس لديها مكنونات حضارية إلا أنها عوضت ذلك بقيام نهضة جبارة وبرزت كقوة اقتصادية وسياسية استطاعت أن تسيطر على العالم وتفرض نفسها وتبنت دستورا ونظاما ديمقراطيا يعتبر من انجح الأنظمة على مستوى العالم في المقابل هناك دولة كالمملكة المتحدة تمتلك حضارة عريقة وتاريخا قديما وكانت يوما من الأيام يطلق عليها البلد التي لا تغيب عنها الشمس لكثرة مستعمراتها في مختلف قارات العالم هذه الدولة تفتخر وتتباهى بتلك الحضارة العريقة وتحاول أن تبرزها بشتى الطرق وهكذا الحال بالنسبة لدول القارة العجوز.
في بعض الأحيان يكون هناك تاريخ مشترك بين دولتين بسبب كونهما كانا كيانا واحدا أو بسبب عوامل ديموغرافية مشتركة وهذا وارد كثيرا إلا أنه في هذه الحالة ينبغي العودة إلى الأصل ولا يمكن تجاهل ذلك أما إذا نسب أحد الكيانين والذي هو الفرع إلى نفسه أو أنه ادعى امتلاكه ذلك التاريخ المادي أو المعنوي فمعنى ذلك أن هناك مشكلة وأزمة هوية وشعورا بالنقص من هنا فإن دولا كثيرة سارعت في تسجيل تراثها لدى المنظمات الدولية المتخصصة كمنظمة اليونسكو.
عندما تقوم دولة بمحاولة تسجيل أو إبراز فن من الفنون القديمة ونسبته إلى نفسها دون الإشارة إلى موطنها الأصلي معنى ذلك أن هناك أزمة هوية لدى تلك الدولة وشعورا بالنقص تحاول أن تعوضه من خلال نسب كل شيء إليها دون الإشارة إلى مصدره أو أصله وبالتالي يؤدي ذلك إلى إيجاد مشاكل وحساسيات لدى الدولة الأخرى الأصل.
أحيانا داخل نفس الدولة تتعدد الفنون التقليدية وتتوزع جغرافيا على مناطق مختلفة وعلى سبيل المثال بالنسبة للسلطنة فإن لكل محافظة وولاية خصوصية معينة حتى في شكل الملابس التقليدية وتتميز كل محافظة بفن أو أكثر من الفنون لا تجدها في غيرها فعلى سبيل المثال فنون مثل البرعة والهبوت نجدها في محافظة ظفار ولا توجد في محافظات أخرى أما فن العازي والرزحة فهي توجد في محافظة الداخلية ومعظم المحافظات في الشمال.
فنون البحر الحماسية والشلة تتواجد في محافظتي الباطنة وجنوب الشرقية كما أن محافظة مسندم تشتهر بفن الندبة والدان وغيرها من الفنون التقليدية المتوارثة وإذا قام أبناء محافظة الداخلية مثلا بغناء فن الهبوت أو البرعة في المناسبات فإن بذلك يكون مدعاة للاستغراب هذا على مستوى داخل البلد فما بالك إذا كانت دولة أخرى تتعدى على فنون ومكنونات دولة أخرى وتنسبها إلى نفسها من هنا لا بد من وضع النقاط على الحروف لكي لا تحصل ردات فعل وحساسيات .
خلال الفترة القادمة لا بد من إظهار التاريخ العماني بشكل أكثر وإبرازه للأجيال المستقبلية وللعالم وتدريسه للطلبة من خلال تخصيص مناهج تركز على هذا التراث، كما ينبغي تسجيل جميع الفنون المادية والمعنوية في المنظمات العالمية المتخصصة ولا بد من تكثيف البرامج الثقافية والتراثية ونشر الكتب التي تتحدث عن تاريخ عمان العريق وإعادة طباعة المخطوطات العمانية واستغلال القلاع والحصون في إقامة فعاليات ثقافية وتاريخية بشكل مستمر.