إعلان أكرا وميثاق الشرف الإعلامي

أ.د. حسني نصر –

في أولى فعالياتها الجماهيرية بعد انتخاب مجلس الإدارة الجديد، أحسنت جمعية الصحفيين العمانية صنعا عندما مزجت بين الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، وبين تقديم ومتابعة منجزها التاريخي الكبير المتمثل في ميثاق الشرف الإعلامي الذي صدر في نهاية أكتوبر من العام الماضي، ليكمل منظومة العمل الصحفي والإعلامي في السلطنة، التي انطلقت في مطلع سبعينيات القرن الماضي مع بزوغ فجر النهضة العمانية الحديثة.
ورغم أن الربط في الندوة التي نظمتها الجمعية مساء الأربعاء الماضي في النادي الثقافي بالتعاون مع قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس، بين اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو من كل عام، وبين ميثاق الشرف الإعلامي العماني، لم يكن واضحا سوى في إشارات سريعة وردت في كلمتي رئيس الجمعية ونائبه، فإن الحديث الذي امتد لأكثر من ساعتين حول الميثاق كان في جوهره حديثا عن حرية الصحافة، تلك الحرية التي لا يمكن أن تكتمل وتزدهر دون وجود قواعد أخلاقية تحفظ حقوق الصحفيين من جانب، وتعزز من جانب أخر التزامهم بالعمل لما فيه صالحهم، وصالح مؤسساتهم، وصالح المجتمع ككل.
لقد أثبتت التجارب العالمية أنه ليس بالقوانين وحدها يُنظم الإعلام، وأنه لا بد من وجود إطار مهني جامع يتفق عليه الإعلاميون يحدد مكتسباتهم ومسؤولياتهم، ويتعهدون بموجبه بالعمل على حماية حرية الرأي والتعبير حتى لمنافسيهم في وسائل الإعلام الأخرى وللمختلفين معهم. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن احتفال العالم هذا العام باليوم العالمي لحرية الصحافة فتح المجال لأول مرة لدعم ما أسماه حق القراء والمجتمعات في التعرض لكل منصات الإعلام المختلفة. وأطلقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وعدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في العالم مبادرة تعاونية جديدة لدعم رسالة اليوم العالمي لحرية الصحافة تحمل شعار: اقرأ أكثر، استمع أكثر، افهم أكثر. وهي دعوة لتشجيع الجمهور على التعرض لكل الروايات والقصص من مصادر متعددة، وقد قامت الصحف والمؤسسات الإذاعية والتلفزيونية القائدة في العالم بنشر دعوات لقرائها ومستمعيها ومشاهديها تشجعهم علي زيارة المنصات الإخبارية الأخرى التي تقدم مصادر ووجهات نظر وإيديولوجيات سياسية متنوعة. بالطبع ليس هناك قانون يمكن أن يجبر الصحف ووسائل الإعلام علي القيام بمثل هذه المبادرات التي تعنى في المحصلة الأخيرة ذهاب القراء والمستمعين والمشاهدين إلى صحف وقنوات إعلامية منافسة أخرى، ولكنها أخلاق المهنة التي تعلي من شأن الاختيار الحر للأفراد، وتنظر إلى التعددية الإعلامية كحافز للنمو والتقدم. ولعل هذا ما أكد عليه ميثاق الشرف العُماني عندما ألقي علي عاتق الإعلاميين في السلطنة مسؤولية «ضمان التنوع في عرض وجهات النظر المتعلقة بالأحداث والقضايا العامة»، وطالبهم بتجنب «التحيز لجانب على آخر».
وتبدو الأخلاق المهنية شديدة الصلة بحرية الصحافة في الشعار الذي اختارته اليونسكو لاحتفالها الخامس والعشرين باليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو «توازن القوى: الإعلام والعدالة وسيادة القانون» ، وكذلك في التوصيات التي انتهى إليها المؤتمر الدولي الذي عقدته في العاصمة الغانية «أكرا» يومي 2 و3 مايو، وصدر تحت عنوان «إعلان أكرا 2018». ومن المهم أن نشير هنا إلى أن ميثاق الشرف الإعلامي العُماني قد سبق إعلان أكرا وشعاره، بالتأكيد في باب المبادئ العامة على «دعم مبادئ سيادة القانون ومساندة العدالة واحترام أحكام القضاء».
وقد تضمن إعلان أكرا 80 توصية ومطالبة، منها 50 موجهة لحكومات الدول الأعضاء في المنظمة، و14 موجهة لليونسكو، و7 توصيات موجهة للمجتمع المدني والأكاديمي، بالإضافة إلى تسع توصيات موجهة للصحفيين والمؤسسات الإعلامية والنشطاء على وسائل الإعلام الاجتماعي بالإضافة إلى شركات الإنترنت. ورغم أهمية كل هذه التوصيات فإننا نقصر الحديث في هذا المقال علي التوصيات الموجهة للصحفيين والتي يمثل بعضها التزامات أخلاقية جديدة لمهنة الصحافة بينما يؤكد البعض الآخر على الالتزامات المعروفة، والتي تتضمنها مواثيق الشرف الإعلامي ومنها الميثاق العُماني. وتؤكد هذه التوصيات في مجملها أن حرية الصحافة وثيقة الصلة بالتنظيم الذاتي المهني وبالتالي بمواثيق الشرف الأخلاقية.
لقد دعا إعلان أكرا الصحفيين والمؤسسات الإعلامية ضرورة الالتزام بنشر معلومات يمكن التحقق منها للجمهور بهدف متابعة أداء المؤسسات العامة ومحاسبتها وكشف أية تجاوزات تحدث فيها، وتندرج هذه الدعوة ضمن المبادئ العامة لميثاق الشرف الإعلامي العُماني التي تنص علي «حماية حق المجتمع وأفراد الجمهور في المعرفة». وفيما يبدو تجاوبا مع ما حدث في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة طالب إعلان أكرا الصحفيين ببذل جهود مكثفة خلال تغطية الانتخابات لضمان تزويد الجمهور بمعلومات من مصادر مستقلة يمكن التحقق منها عن الأحزاب والمرشحين والقضايا، وعن أية محاولات مشبوهة للتأثير في الانتخابات، حتى يتمكن الناخبون من اتخاذ قراراتهم بناءً على معلومات صحيحة. ويطالب الإعلان المؤسسات الإعلامية بأن تكون اكثر شفافية بشأن سياساتها وممارساتها التجارية التي يمكن أن تؤثر علي معالجاتها للأحداث والقضايا، ونشر هذه السياسات على الجمهور بلغة واضحة ومفهومة. وفي إشارة واضحة إلى مواثيق الشرف الإعلامية يشدد الإعلان على ضرورة قيام المؤسسات الإعلامية بوضع وتنفيذ أنظمة فعالة لتلقي شكاوى الجمهور مما ينشر فيها، تعمل في ضوء معايير الشرف الإعلامي التي تضمن التعامل مع هذه الشكاوى بشكل عادل. وقد أكد ميثاق الشرف الإعلامي العماني هذا الأمر بوضوح، وذلك بالنص في المبادئ العامة علي «ضمان حقوق الأفراد والمؤسسات في الرد علي ما ينشر أو يبث عنهم في وسائل الإعلام وتصحيحه».
ولعله من المفيد الإشارة إلى أن إعلان أكرا أعاد التأكيد علي بعض الحقوق الخاصة بالصحفيين، ودعا جميع الأطراف إلى الوفاء بها، وطالب تحديدا المؤسسات الإعلامية حول العالم باحترام حقوق الإعلاميين في الحصول على رواتب عادلة وتأمين جيد وظروف عمل جيدة. ويتفق هذا الطلب مع ما تبناه ميثاق الشرف الأخلاقي الإعلامي العُماني في باب الحقوق المهنية، وذلك بالنص على «حق الصحفي والإعلامي في الحصول علي اجر عادل»، وأضاف إليه «حق الحصول علي تعويض مناسب في حال تعطيل الصحيفة أو إغلاق محطة البث». ويرتبط بذلك مطالبة الإعلان المؤسسات الإعلامية بتقديم معدات السلامة وتدريب الصحفيين الذين يعملون في مناطق خطرة أو الذين قد يتعرضون للهجوم أثناء تأدية عملهم، وهو تقريبا ما نص عليه الميثاق العُماني في باب الحقوق المهنية عندما أكد علي «توفير وضمان الحماية المادية والقانونية للصحفي أثناء مزاولة عمله وضمان سلامته الشخصية وسلامة أدوات عمله».
ويتوافق ميثاق الشرف الإعلامي العماني مع ما جاء في توصيات إعلان أكرا بشأن المسؤولية الشخصية للصحفيين في احترام حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في الخصوصية وحرية التعبير. إذ يتضمن الميثاق في باب الواجبات المهنية نصا يؤكد على ضرورة احترام الصحفيين حق الأشخاص في الحفاظ علي سرية حياتهم الخاصة، وتجنب التعرض للحياة الخاصة لأي شخص، كما تضمن باب المبادئ العامة إشارة واضحة إلى التزام الصحفيين والإعلاميين في السلطنة باحترام الحق في الخصوصية، والدفاع عن حرية الرأي والتعبير.
هذا التوافق الواضح بين ما ورد في ميثاق الشرف الإعلامي العُماني وما ورد في إعلان أكرا 2018، يجعلنا نؤكد أن مكانة الإعلام العماني وترتيبه العالمي في سلم الحرية سوف يتحسن كثيرا، بعد ان أصبح من خلال هذا الميثاق يتحدث باللغة التي يفهمها ويقدرها العالم.