البحث العلمي في السلطنة.. الواقع والمأمول

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يطرح الاقتصاد القائم على المعرفة نفسه كإحدى الأولويات المهمة في أجندة التنمية، هذه التنمية التي تتداخل فيها القيم المعرفية وتعلي من قوتها وتأثيرها وتفسح أمامها المجال نحو التنوع والخيارات المفتوحة المتعددة؛ فبغير هذه المعرفة لا يمكن لهذا الاقتصاد أن يتعزز ويؤتي ثماره لقيام تنمية حقيقية، وقبل الوصول إلى هذا النوع من الاقتصاد القائم على المعرفة، فلا بد من تأسيس مجتمع المعرفة، وهو المعول عليه لتحقيق شروط هذا النوع من الاقتصاد، لذلك يعد البحث العلمي أحد أهم الأدوات الضابطة أو الفاعلة لتحقيق هذا المجتمع، وذلك لما ينتجه من ثراء معرفي لا بد من أن تأخذ به أي تجربة تنموية، ومن هنا يأتي تخصيص مجلس للبحث العلمي في السلطنة معبرا عن هذا الاهتمام الفارض نفسه بقوة المعرفة؛ من ناحية؛ وبحاجة متطلبات الواقع، من ناحية ثانية؛ وذلك ليس فقط لتأسيس مجتمع المعرفة في السلطنة، ولكن أيضا بالوصول إلى هذا المجتمع إلى تحقق كل متطلباته واستحقاقاته، أخذا بما تنتهجه كل دول العالم في هذا الاتجاه، وذلك لتحقيق كثير من الأهداف لعل في مقدمتها إيجاد الحلول التطبيقية لقضايا التنمية من ناحية، ولتعزيز جوانبها المختلفة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من ناحية ثانية؛ وهذا ما يستدعي في المقابل بناء القدرات الوطنية البحثية والابداعية كركيزة أساسية لتحقيق هذا المجتمع، بالإضافة الى استثمار الطاقات الشابة في مجالات البحث، سواء أولئك الذين لا يزالون على مقاعد الدراسة، أو الذين قطعوا شوطا كبيرا في الحياة العملية، مع استمرار الجهد نحو تحقيق هذه الغايات كلها دون توقف، فالحياة تفرض اجندتها الحديثة ذات التوجه الذي يفرض تحديات جمة على واقع الناس، الكثير من الإشكاليات التي تحتاج الى كثير من الجهد، والى كثير من وجود الحلول الإبداعية، وهذه كلها لا يحققها إلا هذه الفئة الشابة من أبناء عمان، المعقودة عليهم الآمال الكبيرة في هذا الجانب، ويقينا أن السلطنة حريصة على أن تحجز لها مكانا في مؤشرات الابتكار العالمي، سواء اليوم أو في الغد المنظور، فهذه مرحلة لا بد من الوصول إليها للاستفادة من تجارب الدول التي تملك رصيدا نوعيا في مجالات البحث العلمي، وإن كانت السلطنة قد قطعت شوطا كبيرا في هذا الاتجاه فإن ذلك يفرض عليها الكثير من الجهد لاستمرار النمو في ذات الاتجاه، فالمسألة ليست موقوتة بفترة معينة، بقدر ما تستلزم الاستمرار، وإعمال الجهد في هذا الاستمرار لمسايرة الركب العالمي في هذا الاتجاه، حيث لا بديل عن ذلك إطلاقا.
لذلك يأتي إنشاء مجلس البحث العلمي في عام 2005م؛ «لتأسيس منظومة إبداعية تستجيب للمتطلبات المحلية والتوجهات العالمية، وتعزز الانسجام الاجتماعي وتقود إلى الابتكار والتميز العلمي» – حسب الهدف منه – هذه المؤسسة الرائدة التي قطعت شوطا كبيرا في تعزيز المهام الموكولة إليها في مجال المادة البحثية، وترسيخ مفهومها كمحور مهم من محاور التنمية، فتعد بذلك أهم منطلق نحو تأصيل هذا النهج العلمي الحديث، ويساعدها في ذلك مجموعة من المؤسسات الأكاديمية؛ المتمثلة في الجامعات والكليات، وبعض الجهات المعنية التي تعتمد أداة البحث العلمي مرتكزا أساسيا لأنشطتها المختلفة، ويسعى المعنيون في مجلس البحث العلمي سعيا حثيثا في تفعيل الدور الذي يقوم به المجلس، وذلك من خلال تبني برامج وسياسات تطويرية لأداة البحث العلمي، وتشجيع أبناء المجتمع المحلي على انتهاج مبدأ البحث العلمي في مختلف أنشطة الحياة للوقوف أكثر على أسباب المعوقات والتحديات التي تكتنف كثيرا من أنشطة الحياة اليومية، وسرعة وجود الحلول العلمية لها، ومن هنا يأتي اعتماد استراتيجية البحث العلمي من قبل المجلس؛ وذلك بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية والمؤسسات الأكاديمية؛ وهي الاستراتيجية التي تضم عددا من البرامج البحثية، سواء برامج المنح البحثية المفتوحة داخل السلطنة، او برامج المنح البحثية الاستراتيجية ذات الطابع الدولي؛ الذي تتعاون السلطنة به مع الجهات البحثية المعنية بالبحوث من خارج السلطنة، وانعكاسا لهذا يؤكد المعنيون في المجلس؛ بصورة دائمة؛ حرصهم على أن تحتل أداة البحث العلمي في المجالات ذات الأولوية الوطنية المكانة الأولى لتحقيق المواءمة مع متطلبات التنمية، وما تفرزه الحياة اليومية من قضايا، وقد قطع مجلس البحث العلمي شوطا كبيرا في تحقيق الكثير من استحقاقات هذه الاستراتيجية، والتي يتعاون في تحقيقها مع عدد من الجهات المعنية في القطاعين، وقد أشاد المعنيون في المجلس من خلال تصريحات صحفية سابقة بما تحقق من إنجاز من برامج هذه الاستراتيجية، وذلك سعيا في تحقيق الرؤية التي تسعى إلى «أن تكون السلطنة ضمن الدول الرائدة في مجال الابتكار (ضمن أفضل 20 دولة في 2040)، حيث يتبين ذلك من خلال هذه الجهود في ترتيب السلطنة في المؤشرات الدولية المختلفة كمؤشر الابتكار العالمي وغيرها من المؤشرات».
وتأتي الإشارة هنا أيضا إلى الدور الذي توليه المؤسسة البرلمانية (مجلسي الدولة والشورى) في مجال البحث العلمي، وما تنجزه مختلف اللجان الدائمة في المجلسين من جهود في هذا الاتجاه، حيث تعد مسألة البحث العلمي مرتكزا مهما في عمل اللجان، وذلك من خلال الدراسات التي يقوم بها المتخصصون في هذه اللجان، وهي الدراسات التي تعين الأعضاء على اختيار الحلول والتوصيات المناسبة لمختلف الموضوعات المطروحة على طاولة النقاشات، وذلك من خلال النتائج التي تتوصل اليها الدراسات البحثية في اتخاذ القرارات الصائبة في معالجات التشريعات المتنوعة، وقد عقد مجلس الدولة مؤخرا الملتقى الإقليمي للبرلمانيين في مجال العلوم بالتعاون مع المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، وقد أكد الملتقى في ختام اجتماعاته على أهمية إيلاء البحث العلمي العناية والتطوير لكونه داعما رئيسيا لمجالات التنمية المختلفة.
إن الاستثمار النوعي في المجالات الاقتصادية، على وجه الخصوص، في السلطنة؛ يحتاج الى كثير من وضوح الرؤية بشأن اعتماد منهج البحث العلمي كأداة للتفسير والتوضيح، ووضع الحلول الإبداعية لمختلف القضايا والمشكلات التي تعترض سلاسة العمل في أي قطاع من قطاعات الإنتاج، وهذا الأمر ليس يسيرا أن يتحقق إلا من خلال توظيف البحث العلمي التطبيقي على وجه الخصوص، خاصة وأن السلطنة مقبلة على الاستثمار في مجالات اقتصادية نوعية في مجالات الصناعات التحويلية، وفي مجالات السياحة، وإنشاء المدن الذكية – كأحد أهم متطلبات التنمية في المرحلة القادمة – كل ذلك يعلي من سقف الاهتمام بمجالات البحث العلمي، وإيلائه الأهمية الخاصة، وذلك ليس فقط من خلال بناء القدرات الوطنية في مجال البحث العلمي، ولكن أيضا من خلال تخصيص موازنة قادرة على الإيفاء بمتطلبات البحث مع كل فترة زمنية نامية في رصيد الوطن، مع شمولية النظرة في أن الاهتمام بمسألة البحث العلمي لا يجب أن تقتصر على مؤسسات بعينها، كمجلس البحث العلمي، وهو الموجه الأول لها ؛ بالتأكيد، ولا على المؤسسات الأكاديمية؛ وهو عملها الأصيل؛ وإنما يحتم الأمر أن تسعى كل المؤسسات لإيلاء جانب البحث العلمي أهمية خاصة، وذلك من خلال بناء القدرات البحثية من موظفيها، وتشجيع من يرغب منهم في امتطاء صهوة جواده، حيث لم يعد الأمر يسيرا اليوم في اتخاذ القرار الصائب بناء على تقييم نظري فقط، إن لم يكن معززا بحقيقة علمية..
وهذه الحقيقة لن تتحقق إلا من خلال إعمال منهج البحث العلمي للوقوف على القرار الصائب، وهذا بدوره يحتم على المؤسسة الأولى المعنية ببناء وتأسيس وتعزيز هذه القدرات وتأصيل منهج البحث العلمي لدى ابنائنا وبناتنا منذ الصغر ، وهي وزارة التربية والتعليم، حيث تبدأ الناشئة خطوتها الأولى، ومن هنا يمكن التأسيس السليم لمنهج البحث العلمي من خلال الطلاب عبر مراحل فتراتهم الدراسية المتوالية، حيث يبدأ المنهج متدرجا من الصفوف الأولى، وحتى الانتهاء من مراحل ما قبل الدراسة الجامعية الأولى، بحيث يصل الطالب الى مرحلة الجامعة، وقد هضم منهج البحث العلمي، ولم يعد أمامه سوى التطبيق العملي، وبذلك يمكن خلق قدرات وطنية عالية المستوى في مجالات البحث العلمي؛ في المرحلة الجامعية، وبصورة سلسة دون تكلف، ولا خيار للمرحلة القادمة من هذا التوجه، فالتحديات التي تجابهها الدول اليوم، هي تحديات نوعية في مختلف مجالات الحياة، وليس يسيرا مواجهتها، لتعقيداتها الموضوعية، ولاختلافاتها النوعية، ولكثافتها العددية، مع التسليم من أن المجتمعات الإنسانية ذاهبة نحو التعقيد في كل ما يحيط بها من تحديات وقضايا، يستصعب حلها مع كل مرحلة زمنية تأتي.