القمة الكورية وآفاق السلام

عوض بن سعيد باقوير –

شكلت القمة بين زعيمي كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية منعطفا مهما علي طريق السلام بين الجارتين بعد حرب شرسه من عام 1950 إلى عام 1953 وقطيعة وعداء استمر منذ ذلك الوقت، حتي وصلت الأمور إلى حافة الحرب في ظل الهجوم والتصريحات النارية بين واشنطن وبيونج يانج على اثر التجارب النووية التي أجرتها كوريا الشمالية وخلقت توترا كبيرا في شبه الجزيرة الكورية.
ومع عقد القمة التاريخية بين البلدين الجارين وفي منطقة تمثل الهدنة كانت المشاعر مختلطة خاصة للشعب الكوري من خلال حرارة اللقاء والأجواء الإيجابية التي سادت اللقاء والبيان الختامي الذي عكس إرادة القيادتين في إنهاء حالة الترقب والتوتر بين الكوريتين والاتفاق علي سلسلة من الخطوات التي تمهد إلى سلام شامل ودخول كل من سول وبيونج يانج إلى مرحلة التعايش السلمي والتعاون بين الشعب الكوري الواحد.
قمة الأمل
كل من تابع الاستقبال المميز للزعيم الكوري الشمالي على الخط الفاصل بين البلدين والأجواء الطيبة التي سادت اللقاء والبروتوكول المحكم الذي ساد خطوات اللقاء والبيان الذي صدر عن القمة التاريخية يدرك بأن تحولا مهما قد حدث في فكر القيادة الكورية الشمالية من خلال تلك الخطوة المهمة والتي تعطي الأمل للكوريين بالعيش بسلام. فالحديث عن الشعب الواحد والسلام والتعاون وفتح صفحة جديدة هي مفردات تكررت كثيرا في كلمات الزعيمين خلال لقائهما مما انعكس على نتائج القمة والتي جاءت معبرة عن مرحلة جديدة في شبه الجزيرة الكورية.
فالكوريتان لهما قواسم مشتركة فكوريا قبل الحرب كانت دولة واحدة وشعبا واحدا لكن التدخل الأمريكي والسوفييتي في عقد الخمسينات أدى إلى تقسيم كوريا بناء على أسس أيديولوجية فكوريا الجنوبية أصبحت ضمن الحلف الغربي وكوريا الشمالية ضمن الحلف السوفييتي آنذاك وهذا بلا شك سبب ضررا اجتماعيا ما زال الشعب الكوري يعاني منه على مستوى لم شمل العائلات وهو إحدى القضايا التي تحدثت عنها القمة وتم الاتفاق على إجراءات حولها.
على صعيد بناء الثقة فإن القمة بالتأكيد لن تحل كل قضايا الخلاف دفعة واحدة ولكنها بالتأكيد فتحت الباب لإيجاد قناعات بأن الحروب والتوتر لن يخدم البلدين وتجربة الحرب الكورية المريرة لا تزال آثارها باقية حيث تدمير كوريا وتسببت تلك الحرب في مقتل وجرح الملايين من الكوريين ومن هنا فإن الشعور بأهمية الأمل وتحقيق السلام هو ما عبر عنه البيان الموضوعي الذي صدر عن القمة وكانت ردود الأفعال المحلي الكوري والدولي إيجابي نحو مرحلة تتسم بالتفاؤل والسلام والتعاون بين البلدين والشعبين وتحويل منطقة الحدود من منطقة توتر إلى منطقة للسلام

القضايا الشائكة
تظل الأسلحة النووية التي تمتلكها كوريا الشمالية هي الهاجس الأهم لدى كوريا الجنوبية وحتى لبلدان جنوب شرق آسيا حيث أن التجربة التاريخية في اليابان تعد مريرة حيث تم استخدام السلاح النووي من قبل الولايات المتحدة منتصف عام 1945 ضد مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين ومن هنا تستحضر دول كاليابان وكوريا الجنوبية وبقية الدول الآسيوية خطر السلاح النووي.
وقد جاء الترحيب الآسيوي واضحا من خلال قمة الأسيان حيث كان الجميع سعيد بالقمة الكورية وما نتج عنها من روح تنم عن مسؤولية كورية – كورية لإنهاء التوتر وإنهاء سباق التسلح وإقامة علاقات طبيعية بين الجارتين.
البرنامج الكوري الشمالي المتقدم كان مثار خوف كوريا الجنوبية وكانت واشنطن تهدد هي الأخرى مما أوجد أجواء عدائية كادت أن تتسبب بحرب كارثية في شبه الجزيرة الكورية ومع فشل المحادثات السداسية والتي كانت تقودها الصين باعتبارها الحليف الأقرب لكوريا الشمالية ظهرت التصريحات النارية بين واشنطن وبيونج يانج خاصة على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي هدد فيها الرئيس الأمريكي ترامب بتدمير كوريا الشمالية وهو تصريح غريب ورد عليه الزعيم الكوري الشمالي بأن أزرار السلاح النووي هي قريبة منه وأن ولايات أمريكية هي في مرمى الترسانة النووية لكوريا الشمالية.
لقد أوجد ذلك التصعيد الخطير قدرا من المخاوف للعالم ومن هنا جاءت القمة الكورية لتعيد الأمل نحو نزع فتيل حرب شعواء مما أعاد التوازن والحكمة للديبلوماسية، ولا شك أن زعيمي الكوريتين قد سجلا موقفا شجاعا وتاريخيا عندما أدركا بأن الحرب لن تحل المشاكل بين البلدين في ظل الاستقطاب الدولي خاصة من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية وفي ظل مناخ يتسم بالحروب الأهلية خاصة في المنطقة العربية، وإدراك قيادتي البلدين بأن مصير تلك الحروب أصبح كارثيا في سوريا واليمن وليبيا وربما كان استحضار مآسي تلك الحروب حاضرًا لدى القيادتين خاصة من قبل القيادة الكورية الشمالية ومن هنا كانت الخطوة بين الكوريتين مذهلة للمراقبين خاصة فيما يخص توقيتها ونتائجها وما توصلت إليه من حراك سياسي يفتح المجال نحو توقيع اتفاق سلام تاريخ بعد عقود من التوتر وعدم الثقة والترقب للحرب عند حدوث أي تقديرات غير متوقعة.

الحلم الكوري
من القضايا الإنسانية والتي نتجت عن القمة خاصة حديث الزعيمين عن الشعب الواحد هو رجوع نغمة الحلم الكوري المتمثل في وحدة كوريا وانطلاق هذا العملاق الآسيوي إلى فضاء العالم ويبدو أن التعاطف الكبير الذي ساد القمة والتغطية الإعلامية الواسعة والتي لم يسبق لها مثيل أوجدت شعورا جياشا بين الكوريين بأن هذه القمة قد تفتح المجال نحو تحقيق ذلك الحلم وما الحديث عن لم شمل العائلات إلا خطوة صغيرة في سبيل تحقيق ذالك الحلم.
الحروب عادة تمزق الأوطان ولعل اليمن نموذج على ذلك كما هو الحال الآن في كوريا ومن هنا فإن نموذج القمة الكورية يحتاج إلى تأمل من القادة العرب، فرغم العداء الكبير بين الجارتين والحرب التدميرية والتهديدات المتواصلة على الحدود إلا أنه في لحظة فارقة في التاريخ، ومن خلال إرادة سياسية حقيقية تغير مسار كل شيء في العلاقات بين الكوريتين. والعرب لديهم خصومات محدودة ورغم ذلك عجزوا عن حل خلافاتهم السياسية وعقدوا عشرات القمم دون وجود إرادة سياسية كافية من أجل لم الشمل والانطلاق بالأمة العربية وشعوبها نحو مناخ جديد ونحو علاقات إيجابية وإنهاء الخصومات المفتعلة. إن نموذج القمة الكورية هو درس كبير للعرب وغير العرب في تغليب مصلحة الشعوب والأمم وفتح قنوات الاتصال حتي في زمن التوترات.
نظرة فاحصة عندما التقي الزعيمين الكوريين عند الخط الفاصل وهو خط الهدنة كانت لحظة تاريخية أبهرت العالم وبالتالي دخل الزعيمان التاريخ من أوسع أبوابه صحيح أن القضايا الخلافية لن تحل بين عشية وضحاها ولكن الخطوة الأهم قد بدأت ومعها صفق العالم لتلك الجرأة الكورية ومدي انسجامها مع القرارات التي تنهي الإشكالات وتعطي الأمل نحو بناء الثقة والسلام للأجيال.
الحلم الكوري بدأ الانطلاق ويدرك الكوريون أن الخطوة الأخيرة سوف تكون وحدة كوريا كما حدث مع ألمانيا وتحطيم جدار برلين وهكذا هي القيادات التي تبحث عن الأمل لشعوبها وأن تتذكر في لحظات فارقة بأن السلام والاستقرار والبعد عن روح الكراهية والانتقام هو ضرورات لتطور الشعوب وأنه لا بد من إيجاد عالم إنساني بعيد عن إزهاق أرواح الأبرياء في كل مكان وأن البشر يستحقون المجازفة السياسية واتخاذ خطوات تمكن الشعوب من العيش بسلام والبعد عن تحقيق الأحلام الخاسرة والتي تمزق الأوطان وتوجد أجواء ملبدة بالكراهية.
إن قمة الكوريتين جاءت في وقت مناسب وفي وقت يحتاج فيه العالم إلى مثل هذه الخطوات الشجاعة ومن هنا فإن العالم العربي تحديدا يحتاج إلى مثل هذه الخطوة من خلال قمة مصارحة وإنهاء الخلافات بشكل كامل والدخول في أجواء التعاون والتكامل الاقتصادي حتى لا تستمر القوى الكبرى في ابتزاز مقدرات الشعوب العربية ويظل العرب دوما في مؤخرة الركب العالمي.
إن ما حدث بين الكوريتين حتى لو كان في مرحلته الأولى سوف تكون له انعكاسات إيجابية في آسيا والعالم لمن أراد أن يتعلم الدروس والدرس الكوري كان بليغا وتاريخيا ويعطي أملا لإنهاء النزاعات والحروب الإقليمية فقط تتوفر الإرادة السياسية كما توفرت لزعيمي كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية.