الأفضل للعرب.. تحالفات للسلام وليس للحرب

د. عبد العاطى محمد –

بعد أن أرجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ رغبته في سحب القوات الأمريكية من سوريا، دعا إلى أن تحل قوات عربية محل هذه القوات في حال انسحابها فعلا.
وبعيدا عن الحسابات الأمريكية والأهداف من ورائها، أثارت الدعوة تساؤلات عديدة على الصعيد العربي حول مدى قبولها وجدواها، كما أعادت إحياء التساؤل القديم الممتد منذ بداية الأزمة، بشأن أيهما أفضل عربيا، الانخراط في تحالف يساعد جديا في حل الأزمة سياسيا، أم في تحالف عسكري يعمق جراح الحرب ويطيل أمدها؟.
ومع أنه يبدو بديهيا من البداية أن الاختيار الأول، أي الحل السياسي السلمي هو الأفضل، وقد انحاز له الجانب العربي بالفعل وكان لذلك شواهده على أرض الواقع سواء من حيث البيانات والتصريحات الرسمية أو المواقف من كل الخطوات التي مر بها هذا الحل دوليا حتى الآن، إلا أن شبهات الانحياز للخيار العسكري ظلت تطارد هذا الاختيار الأول بسبب استمرار الحرب هناك على مدى 7 سنوات. وجاءت دعوة ترامب بإقحام دول عربية في الحرب لتؤكد أن هذه الشبهات لا تزال قائمة وتطل برأسها من وقت إلى آخر وفقا للتطورات في الأزمة على الأرض. وما لا يمكن إغفاله أن ترامب ما كان له أن يفجر دعوة كهذه لو لم يجد ضوءا عربيا أخضرا من البعض الذي تحمس للدعوة عن اقتناع أو عن مجاملة للرئيس الأمريكي أو للمراهنة على مكاسب مستقبلية قد تبدو مجهولة اليوم ولكنها قد تتضح مع مرور الأيام. والقصد هنا أن دعوة ترامب أضحت حدثا فرض نفسه على تطورات الأزمة سواء قدر للدعوة النجاح أم لا.
وبما أننا أمام جزء حي من المشهد يتمثل في الحوار والتفاوض حول تدخل عسكري عربي ولو على سبيل الاحتمال القوى، فالنقاش بصدده يصبح مشروعا عند الرأي العام العربي، شأنه في ذلك شأن كل الأحداث والأفكار التي مرت بها الأزمة السورية على مدى السنوات الماضية، ويفتح النقاش الباب أمام أسئلة عديدة الإجابات فيها تثير القلق المشروع أكثر مما تثير من اطمئنان ليس فقط على المستقبل السوري، وإنما على الموقف العربي برمته من قضاياه الساخنة في هذا الزمن العصيب من حياة الأمة العربية.
بداية لا يستقيم، لا عقلا ولا خلقا سياسيا من حيث مصداقية التمسك بالمبادئ، أن يكون التوجه السياسي العام السائد منذ سنوات هو أنه لا حل عسكري للأزمة السورية، وأن الخيار الأفضل هو الحل السلمي، ثم تكون هناك استجابة صريحة أو مستترة للمشاركة في عمل عسكري في نفس الوقت. وقد يتلمس البعض العذر في أن أطرافا عربية شاركت من قبل في تشكيل تحالفات دولية عسكرية للحرب ضد «داعش» في العراق، ومن ثم لا غرابة في العمل بنفس التوجه في سوريا. ولكن هذا مردود من زاوية أنه كان تحالفا ضد الإرهاب، ذلك الخطر الذي لا يتأخر أحد عن المشاركة في القضاء عليه، بينما في الحالة السورية موضع النقاش، فإنه سيكون تحالفا ضد النظام السوري وليس ضد الإرهاب. ومع أنه من حيث المبدأ لا يصح أن يتحارب البعض في مواجهة بعضهم البعض (لم يقبل أحد احتلال نظام صدام حسين للكويت)، فإن «داعش» يلفظ أنفاسه الأخيرة في سوريا بإقرار الجانب الأمريكي نفسه، بما يعني أن من سيذهب إلى هناك سيكون هدفه إسقاط النظام لا الحرب ضد «داعش». وحتى لو كان الهدف هو تغيير النظام، فإن المتفق عليه بهذا الشأن هو أن يتم وفقا لمسار الحل السياسي الذي يسعى المبعوث الدولي إلى تحقيقه عبر «منظومة جنيف» وليس بالحرب. وفي هذا الإطار لابد من الأخذ في الاعتبار جديد الموقف الروسي بعد واقعة الضربة الأمريكية لسوريا على خلفية الاتهامات باستخدام النظام للسلاح الكيماوي في دوما، حيث قالت موسكو إن تطورا كهذا يجعل من الصعب الاستمرار في جهود الحل السلمي أو في مسيرة جنيف.
وأما إن جاءت الدعوة الأمريكية من منطلق الحسابات الأمريكية المحضة ، فإنها تصبح دعوة مفتوحة لتوسيع مجال الصراع في سوريا وتوريط الجانب العربي فيه دون حساب للعواقب الوخيمة لذلك. فالأمر الواضح من إلحاح الرئيس الأمريكي بهذا الشأن هو أنه يريد دعم دويلة ما للأكراد في الشمال الشرقي لسوريا وأن تقوم القوة العربية التي يدعو لتشكيلها بالمهمة العسكرية التي تؤمن تحقيق هذا الهدف (هناك في منبج نحو 2000 جندي أمريكي يريد ترامب إعادتهم سالمين لأرض الوطن)، كما يريد دويلة ما سنية عربية في أقصى الجنوب قرب الأردن مركزها درعا، أيضا بغطاء عربي عسكري. وهنا وهناك تتولى الولايات المتحدة التدريب والمساعدة من بعد بينما القوات على الأرض عربية، وأن يتولى الجانب العربي أيضا مهمة التمويل!!. ومن جانب آخر تصبح دويلة الجنوب بمثابة سياج الأمان الذي يمنع وصول إيران إلى قرب الحدود مع إسرائيل. والفكرة هنا هي الترويج لتقسيم سوريا عمليا، ولكن هذه المرة بأيد عربية. وهنا يتجسد أيضا التناقض بين المعلن والمتفق عليه عربيا بالحفاظ على وحدة التراب السوري، وبين المشاركة في مخطط لتقسيمه!. وفي حالة تمرير الدعوة، فإنها تغضب قطعا كلا من تركيا وروسيا وإيران، بل والعراق أيضا، ومن البديهي ألا تمر مرور الكرام دون تحرك مضاد من هذه الأطراف يدفع ثمنه من يتجاوبون مع هذه الدعوة من حيث الضرر الذي سيلحق بالمصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية المتبادلة، كما أنه يوسع حتما من دائرة الصراع الإقليمي في المشهد السوري المأساوي، بينما كل الجهود تتجه إلى تحجيم هذه الدائرة ونقل المواجهة من الصراع إلى التعاون المستقبلي. ولن يكون مفاجئا إن وجدت الدعوة الأمريكية طريقها للتحقق أن يتكون تحالف مضاد يضم تركيا وروسيا وإيران والعراق، أي أن المنطقة ستعاني من استقطاب إضافي يعمق من حالة عدم الاستقرار. والسؤال الذي يطرح نفسه بهذا الصدد هو هل من الممكن فعلا أن تضحي الأطراف العربية التي يرشحها ترامب لتفعيل دعوته بمصالحها الإستراتيجية مع هذه الأطراف الدولية المنزعجة أو الغاضبة من أفكار ترامب المتقلبة والصادمة وغير محسوبة العواقب، حتى لو نفذ ترامب تهديده بإلغاء أو تعديل الاتفاق النووي مع طهران؟. الإجابة بالقطع لا، فالتغييرات القسرية في العلاقات الدولية ليست أمرا سهلا وتكلفتها عالية للغاية على الجميع. وليس من المؤكد أن تلقى الدعوة ما يجعلها مشروعة عربيا بمعنى أن الجامعة العربية سيكون من الصعب عليها أن توفر الشرعية لهكذا خطوة، ولو أن ذلك ممكنا لكان قد حدث في آخر قمة عربية التي عقدت في وقت متزامن مع انطلاق الدعوة الأمريكية، وهو ما لم يحدث، بل خرجت القمة بنفس الموقف القديم الداعي إلى حل الأزمة السورية سلميا. وظهر مقعد سوريا خاليا، ولم توجه الدعوة للمعارضة سواء بالحضور أو بشغل المقعد مما يعني أن الوضع العربي العام ليس مجهزا لقبول هذه الدعوة. وإذا لجأت الولايات المتحدة لمجلس الأمن فلن تتمكن من تمرير قرار يعطي مشروعية للخطوة التي تريدها الآن من الجانب العربي، لأن كلا من روسيا والصين ستعترضان. كما أن الظروف اختلفت عما كانت عليه قبل 7 سنوات. ولن تكرر الجامعة العربية ما فعلته في السابق عندما أعطت الضوء الأخضر للناتو بضرب نظام القذافي.
ما هو منتظر حقا من أية تحالفات عربية مع قوى خارجية هو أن تكون ذات طبيعة سياسية في المقام الأول تعمل على الوصول إلى فرص أكبر لتحقيق تسويات سياسية مرضية لكل الأطراف، لا أن تكون تحالفات عسكرية مؤقتة تهدف أساسا إلى استمرار الحروب وتوسيع مجالاتها ورفع تكلفتها البشرية والمالية. وقد تمت تنحية الجانب العربي من الحل السياسي الدولي المعلن عبر صيغة جنيف لأسباب تتعلق بالخلافات العربية حول الملف السوري. وبعد 7 سنوات لم تنجح الجهود الدولية بهذا الصدد ولم تؤد الخلافات العربية إلى ما كان يبتغيه كل طرف، بل ازدادت الأمور سوءا سواء بخصوص المشهد السوري نفسه أو بالمشهد العربي في مجمله، ثم تلقي الولايات المتحدة بدعوة لا تتفق مع المسار السياسي المنتظر وتؤدي في حالة تنفيذها إلى صب المزيد من الزيت على النار لتزداد اشتعالا. ومع أنها كذلك أي تشكل تهديدا حقيقيا، فإنها في نفس الوقت يمكن أن تكون فرصة من حيث إن تكلفتها وتداعياتها السيئة كفيلة بأن يراجع الجانب العربي نفسه لتفاديها، وذلك بأن يكون الرد هو المشاركة الفعالة في الجهود السلمية عبر صيغة جنيف الأولى، دون استقطاب دولي بل بمشاركة من الجميع بمن فيهم الولايات المتحدة، وأن يفتح الجميع من الأطراف الإقليمية (دون إسرائيل) صفحة جديدة تنحي الخلافات جانبا إن لم تنجح في تسويتها تماما، وتطرح نفسها ضامنا قويا للتسوية السياسية، وهي بحكم مصالحها مع كل من روسيا والولايات المتحدة وأوروبا الغربية قادرة على أن تقوم بالمهمة التي طال انتظارها.