هــــل تـهدد العمـلة الصينية هيمنة الدولار على تجارة النفط؟

سارا سو ــ فوربس ترجمة قاسم مكي –
في تحدِ للهيمنة الأمريكية التي طال بها الأمد على صناعة النفط، جاء في الأخبار أن الصين تخطط لتدشين برنامج تجريبي لسداد قيمة وارداتها من النفط بعملتها الوطنية الرينمينبي (اليوان) ربما بداية من النصف الثاني لهذا العام. وطالبت الجهات التنظيمية في الصين عدة مؤسسات مالية بالاستعداد لتسعير الواردات النفطية بالرينمينبي. وربما تطلب الصين من اثنين من كبار موردي النفط إليها هما روسيا وأنجولا التعامل في تجارة النفط بالرينمينبي. كما بدأت بيجينج مؤخرا تداول العقود الآجلة (المستقبلية) للنفط بعملتها الوطنية.

وكانت الصين قد تفوقت على الولايات المتحدة كأكبر مستورد للنفط في العام الماضي حيث استوردت 8.4 مليون برميل في اليوم مقابل واردات أمريكية بلغ حجمها 7.9 مليون برميل في اليوم. ونسبة لوضعها كسوق رئيسية للنفط الخام دشنت الصين شراء العقود الآجلة للنفط الخام بالرينمينبي في 26 مارس الماضي . ووجدت السوق الجديدة للعقود الآجلة ترحيبا حارا حيث تم تداول عقود لحوالي 20 مليون برميل عند إغلاق السوق في اليوم الأول. ماذا يعني هذا إذن بالنسبة لإمكانية استخدام الصين عملة الرينمينبي في سداد وارداتها من النفط؟ وهل سيشكل هذا التحول بداية النهاية لهيمنة الدولار على تجارة النفط العالمية ؟ البعض يقول نعم وآخرون يقولون لا. حقا ثمة مطالبة بإنهاء احتكار الولايات المتحدة لتجارة النفط.
فبلدان مثل روسيا وأنجولا تفضل إنهاء سيطرة الدولار في صناعة النفط الدولية. وهي السيطرة التي ساعدت بدورها الولايات المتحدة على المحافظة على هيمنتها الاقتصادية وفرض نفوذها السياسي والاقتصادي على العالم.
كما أن البلدان التي ترغب في التقليل من تعرضها للأخطار السياسية من جانب الولايات المتحدة (تشمل هذه الأخطار سياسة العقوبات الأمريكية) قد تسارع إلى العمل على تقليص أهمية الدولار الأمريكي في التجارة العالمية وتفضيل التعامل بعملات بديلة ومستقرة في التبادل التجاري. وإذا قبل عدد (مقدر) من البلدان الغنية بالنفط تجارة النفط الصينية المقومة بالرينمينبي فستتلاشى حينها مركزية الدولار في تجارة النفط. لكن محللين آخرين حاججوا بأنه نسبة للقيود المفروضة على حساب رأس المال (في ميزان المدفوعات) الصيني والمستوى المحدد يوميا للريمينبي (التثبيت اليومي لقيمته الخارجية إزاء العملات الأخرى) فإن إمكانية التداول الواسع للسلع بالعملة الصينية أقل جاذبية من الخيارات الأخرى المتاحة للمستثمرين الأجانب.
سبب آخر يجعل التداول بالرينمينبي أقل تفضيلا هو أن الحكومة الصينية كثيرا ما تتدخل في الأسواق حين يفهم أن أوضاعها غير مستقرة. لقد أوجدت هذه العوامل توجسا وسط المتعاملين الأجانب المحتملين والذين يفضلون التداول في أسواق تتمتع بالسيولة ويمكن التنبؤ بعائداتها. السؤال هو : هل ينهي هذا الوضع سيطرة الدولار على تجارة النفط؟ حقا ترغب بلدان مثل الصين وروسيا خفض اعتمادهما على الدولار. ويبدو هذا هدفا استراتيجيا لهما. وفي الغالب سيشكل الاستخدام المتزايد للرينمينبي في التسويات المالية لتجارة النفط تحديا لسيطرة الدولار. لكن ذلك سيستغرق وقتا لأن الدولار راسخ حول العالم. فالعملة الأمريكية تستخدم ليس فقط في تداول السلع ولكن أيضا كمؤشر رئيسي في أنظمة سعر الصرف الأجنبي وأيضا كعملة احتياط ضرورية.
لقد ظل هذا الاستخدام التقليدي للدولار سائدا منذ مؤتمر بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية حين كان باقي العالم يحاول معالجة عدم الاستقرار الاقتصادي والنقدي. وفي الوقت الحاضر يشكل الدولار نسبة 64% من عملات الاحتياط العالمية (يأتي اليورو في المركز الثاني بنسبة 20%.) وتساهم بلدان تثبت عملاتها مقابل الدولار بثلث (33%) الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
ويتم استخدام الدولار الأمريكي في 85% من المعاملات التي تتعلق بسعر الصرف الأجنبي.
بالمقارنة، يشكل الرينمينبي 1% من احتياطي النقد العالمي. وعلى الرغم من الاضطراب الأخير الذي شهدته أسواق الأسهم الأمريكية بسبب التقلبات السياسية إلا أن الولايات المتحدة لا تزال حتى الآن أقوى اقتصاد في العالم.
وفي حين أن ذلك لا يعني استمرار وضعيتها المهيمنة إلى الأبد لكن سيكون على الصين إثبات أنها ليست فقط قوية سياسيا واقتصاديا ولكنها أيضا مستقرة ومفيدة للعالم. وحين يأتي ذلك الوقت سيكون في مقدور الصين تعظيم دور الرينمينبي في تجارة النفط. وعلى الرغم من القوى التي تعمل ضد الرينمينبي كعملة دولية إلا أنه يملك إمكانية الحلول محل الدولار في تجارة النفط بمرور الزمن.
لكن هذا قد يستغرق عشرات السنين ويعتمد على التدهور الاقتصادي للولايات المتحدة (من جهة) واستمرار النمو والتحرير الاقتصادي في الصين (من جهة أخرى.) وفي تلك الحال سيكون استخدام الرينمينبي أوسع نطاق. وقد يستخدم تحديدا في مجال تجارة النفط لكن ليس فقط للواردات الصينية بل أيضا لتداول النفط بين بلدان أخرى لديها اهتمام ببناء احتياطيات أجنبية بعملة الرينمينبي.
قد لا يأتي هذا الوقت أبدا لكن بصفتي دارسة للتاريخ الاقتصادي أرى أنه ممكن تماما.