حـوالـة الـحـق

د. عبدالقادر ورسمة غالب –
awghalib@hotmail.com –

القانون يحمي الحقوق ويلزم بأداء الواجبات. وهذه القاعدة تنطبق على الجميع وبدون فرز ومن لا يلتزم بتنفيذ هذه القاعدة يطاله القانون إحقاقا للحق وتمكينا له. والالتزام يجب أن يكون مساويا للواجب حتى تنتهي المسؤولية من الناحية القانونية. وهذا الالتزام شخصي في مواجهة الشخص المعني، ما لم ـ وفق بعض الحالات ـ يتم انـتقال الالتـزام عبر المبادئ المعروفة في القانون المدني بـ”حوالــة الحــق”. وعدا الحوالة التي تنقل الالتزام الى طرف آخر، فإن انقضاء الالتزام التام لا يتم الا في حالة الوفاء الكامل أو بما يعادل الوفاء أو الإبراء …. أو غيره، وبما ينسجم مع التفاصيل والأحكام الواردة في القانون..
وبالعودة لمبادئ حوالة الحق، نقول انه يجوز للدائن أن يحيل حقه القائم في ذمة مدينه إلى شخص آخر، إلا إذا منع ذلك نص في القانون، أو اتفاق المتعاقدين، أو طبيعة الالتـزام، وتتم الحوالة دون حاجة إلى رضا المدين. ولا تجوز حوالة الحق إلا بمقدار ما يكون منه قابلا للحجز. وعبر هذا الإجراء يقوم الدائن بحوالة حقه لشخص آخر، وعبر هذه الحوالة ينتقل الالتزام الى الشخص المحال له الحق. وعليه، اذا أراد أحد أطراف العقد عدم حوالة الحق فيجب الحرص في النص على هذا الأمر وبكل وضوح في العقد المبرم بين الأطراف. وهذه نقطة قانونية هامة يجب التنبه لها والتمسك بها اذا دعا الحال، لأن اتفاق الاطراف هو الفيصل.
ووفق القانون، لا تكون الحوالة المقصودة نافذة قبل المدين أو الغير، إلا إذا قبلها المدين أو أُعلـن بها. على أن نفاذها في حق الغير بقبول المدين يستلزم أن يكون هذا القبول معروفا وثابتا في التاريخ. وفي جميع الأحوال، يجوز للدائن المحال له الدين، ولو قبل نفاذ الحوالة في حق المدين أو الغير، أن يتخذ من الإجراءات ما يحافظ به على الحق المحال له وذلك كإجراء احترازي وحتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه وتكون الحوالة مجرد “أوراق” عديمة القيمة والفائدة.
ومن الطبيعي، وحفظا للحقوق، أن ينـتـقل الحق إلى المحال له بكل صفاته وتوابعه وتأميناته وكل ما هو مرتبط به والا كان منقوصا وقد لا يحقق الأثر المطلوب. وفي مثل هذه الحالات، إذا كانت الحوالة بعوض فلا يضمن المحيل إلا وجود الحق المحال به وقت الحوالة ما لم يوجد اتفاق يقضي بغير ذلك.
وإذا كانت الحوالة بغير عوض فلا يكون المحيل ضامنا حتى لوجود الحق، كما لا يضمــن المحيل يسار المدين أو كفاءة ملاءته المالية إلا إذا وجد اتفاق خاص على هذا الضمان. وإذا ضمن المحيل يسار المدين ومقدرته المالية فإن هذا الضمان لا ينصرف إلا إلى اليسار وقت الحوالة ما لم يتفق على غير ذلك.
وفي مثل هذه الحالات، إذا رجع المحال لـه بالضمان على المحيل طبقا للأحكام الواردة في القانون المدني، فلا يلزم المحيل إلا برد ما أخذه من المحال له مع المصروفات حتى لو وجد اتفاق يقضي بدفع أكثر من ذلك.
ومع ذلك إذا كان المحيل يعلم بعدم وجود الحق في ذمة المدين فإنه يلتـزم بتعويض المحال له حسن النية عما ناله من ضرر. كما يكون المحيل مسؤولا عن تعويض المحال له عما يلحقه من ضرر بسبب أفعاله الشخصية ولو كانت الحوالة بغير عوض. ويقع باطلا كل شرط بقضي بغير ذلك وذلك تحقيقا للعدالة وحفظا للحقوق.
وعلى المحيل أن يسلم المحال له سند الحق المحال، وأن يقدم له وسائل إثباته وما هو ضروري من بيانات لتمكينه من استيفائه. وهذا التصرف ضروري ولا بد منه حتى يكون المحال له في وضع يمكنه من الاستفادة من الحوالة.
ولمنح المدين نفس الوضع، فإن القانون يجيز له أن يتمسك قبل المحال له بالدفوع التي كان له أن يتمسك بها قبل المحيل وقت نفاذ الحوالة في حقه، كما يجوز له أن يتمسك بالدفوع المستمدة من عقد الحوالة.
وفي بعض الحالات نجد الحوالة قد تعددت بحق واحد، قدمت الحوالة التي تكون أسبق في نفاذها في حق الغير. وفي هذا تسلل للحقوق ومنح حق الأفضلية لصاحب الحق السابق.
ومن النقاط الهامة جدا، أنه إذا وقع تحت يد المحال عليه حجز قبل أن تصبح الحوالة نافذة في حق الغير، كانت الحوالة بالنسبة إلى الحاجز بمثابة حجز ثان. وفي هذه الحالة إذا وقع حجز آخر بعد أن أصبحت الحوالة نافذة في حق الغير فإن الدين يقسم بين الحاجز المتقدم والمحال له والحاجز المتأخر قسمة غرماء علــى أن يؤخــذ من حق الحاجز المتأخر ما يستكمل به المحال له الحق المحال.
مما تقدم، يتضح أن القانون وضع أحكاما واضحة تتناول كل الحالات والافتراضات التي قد تظهر أو تؤثر على الحوالة ومسارها. وهذا لأهمية الحوالة في انتهاء الالتزام وتحويلها للمحال إليه بصورة تمكنه من الاستمرار في الالتزام حتى النفاذ. وعليه، وتجنبا للعواقب أو المخاطر القانونية، فإننا ننصح أطراف الحوالة وخاصة المحيل والمحال له بدراسة أمر الحوالة من جميع نواحيه مع التأكد التام من معرفة الضوابط والأحكام القانونية.. وبهذا يتحقق ما ينشده الأطراف وتأخذ الحوالة دورها الصحيح في نقل الالتزامات القانونية وفق إرادة الأطراف وإجازة القانون لها.