هوامش ومتون: الصوتُ الذي وحّد مشاعرنا

عبدالرزّاق الربيعي –

سمعت مرّة عبارة بليغة للمستشرق الفرنسي جاك بيرك، نطق بها بعد أن أصغى لأغنية لفيروز، صاغها على شكل سؤال هو «كيف لم يتوحّد العرب وفيهم صوت فيروز؟» قبل أيّام، استحضرت هذه العبارة، خلال حضوري حفل «موشحات، وقدود حلبية»، الذي أقامته دار الأوبرا السلطانية، عندما أحسست أن مشاعر الجمهور الذين هم من جنسيّات مختلفة قد توحّدت، فعلى مدى أكثر من ساعة ونصف الساعة من الطرب الأصيل انسابت الألحان من حنجرة النجم الصاعد بدر رامي، والنغمات من آلات الفرقة الموسيقية التي يقودها والده المايسترو محمد رامي زيتوني الذي كان واقفا كشجرة واضعا على ذراعه آلة الكمان، يتمايل مع الأنغام، فانتقلنا إلى حلب، والأندلس، وقصور الجمال التي شادتها أجيال، فمن بهاء الدين زهير والعصر العباسي، و«يامن لعبت به الشمول»:
ما الطف هذه الشمائل
نشوان يهزّه دلال
كالغصن مع النسيم مائل
لا يعجبه الكلام لكن
قد حمل طرفه رسائل
ما أطيب عيشنا واهنا
والعاذل غائب وغافل
وكان الشدو حادينا إلى عوالم الجمال، مع «يا شادي الألحان» التي لحنها سيد درويش إلى «نعم سرى طيف من أهوى» من البردة للبصيري:
نعم سرى طيف من أهوى فأرّقني
والحب يعترض اللذات بالألم
لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل
ولا أرقت لذكر البان والعلم
يا ساكنين بقلبي لا عدمت لكم
معنى لطيفا سرى معناه ضمن دمي
وتواصلت الأغاني ورامي يردد «مالك يا حلوة» التي وضع ألحانها أبو خليل القباني الذيغنى له أيضا «صيد العصاري» ويامال الشام» و«ياطيره طيري ياحمامة»، ومن ثم «فوق النخل»، و«قدك المياس»، «وقل للمليحة»، والعديد من الفقرات الموسيقيّة والغنائيّة، التي تفاعل معها الجمهور ليردّوا ردّا عمليّا على من يرى أن الذائقة العامة تدهورت وسط انتشار الأغاني السريعة، التي تطغى عليها أصوات الآلات الموسيقية، والكلمات الخالية من روح الشعر، والأصوات المجدبة، التي تضجّ بالصراخ، فمن الجميل أن تفرد دار الأوبرا السلطانية مسقط، هذه المساحة للطرب الأصيل للحفاظ على هذا النوع من الغناء من الاندثار، وهو يعاني بعد توقف المطرب صباح فخري، شفاه الله، وعافاه، وخلوّ الساحة الغنائية من الأصوات المدربة القادرة على أداء هذا النوع، وتمتلك قدرات صوتية مدربة ومعدة ولها خبرة في التعامل مع المقامات العربية الأصيلة، والتمكن من صياغة المواويل والقدرة على الارتجاليات الموسيقية مع مراعاة القواعد الموسيقية الأصيلة، وكل هذا وجدناه في صوت بدر رامي في الحفل الذي أقامته الدار، لتؤكد تمسّكها بالأصالة الموسيقية العربية التي هي هوية كلّ عربي، كما قال الدكتور عصام الملاح، فبعض القوالب الموسيقية قادرة على توحيد مشاعرنا جميعا من المشرق العربي إلى مغربه، فالحضور كان يصفّق منسجما، ويردّد مع المطرب كلمات القدود التي كثيرا ما كانت وسائل الإعلام تبثها، وكان نجمها صباح فخري الذي يعد رامي الابن الروحي له وأحد تلامذة مدرسته:

قدّك الميّاس يا عمري
يا غصين البان كاليسر
أنت أحلى الناس في نظري
جل من سواك يا قمري
قدك المياس مذ مالا
لحظك الفتان قتالا
كلمات بسيطة، وجمل قصيرة لكنها تدخل إلى القلب مباشرة، خصوصا إذا مدت أجنحتها على حبال صوت قوي:
أنا وحبيبي في جنينة
والورد خيّم علينا
كان الجمال قد فرش خيمته على مسامع الحضور الذين جاءوا ليستمعوا إلى القدود الحلبية، والمقامات العربية الأصيلة، والإيقاعات التي تعيدنا إلى عصر أمجاد الأندلس، كما فعل رامي، تلك العوالم جاء بعضها على مقام الراست الذي هو عماد الموسيقى العربية وله طابع خاص يؤكد أصالته العربية، وهذا هو القاسم المشترك مع الألحان التي جاءت على مقام الحجاز.
نتمنى من المؤسسات غير التجارية أن تهتم بهذه الفنون قبل أن تندثر، فمن واجبها إحياؤها، والحفاظ على هويتها الأصيلة، وأن تدعم هؤلاء المطربين والمطربات حتى تستطيع الارتقاء بذائقة الجمهور من خلال هذه الأصوات الأصيلة التي توحّدنا.