الشبكة الإنسانية.. العالم بين الماضي والحاضر!!

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
وسط الآلام والدماء التي تسببت فيها الصراعات السياسية على مدى السنوات الأخيرة وكان للشرق الأوسط فيها من أسف نصيب الأسد، ربما بات التساؤل الذي على لسان الجميع: هل من أمل أفضل للبشرية، وبخاصة إذا ما تصارعت وتنازعت القوى الكبرى في العالم على أراضيها؟ والسؤال المتمم أو المكمل هل البشرية ضافت بمن عليها أم أن طمع الإنسان وشهوته في التسلط والامتلاك هي التي تقود العالم إلى الانفجار المقصود أو غير المقصود مرة وإلى الأبد؟

من حسن الطالع أن غالبية تلك التساؤلات يمكن للمرء أن يجد عنها إجابات شافية وافية عبر الكتاب الشيق «الشبكة الإنسانية… نظرة مختلفة على تاريخ العالم» الذي صدر الأيام القليلة الماضية ضمن سلسلة عالم المعارف الصادرة تاريخيا عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت. الكتاب من تأليف «وليام هاردي مكنيل» المؤرخ والمؤلف الأمريكي، وابنه «جون روبرت مكنيل» المؤرخ والمؤلف والأستاذ في جامعة جورج تاون الأمريكية العريقة، ومن ترجمة المترجم المصري القدير الدكتور «مصطفى قاسم».
لماذا تجب الإطلالة على هذا العمل الفكري والإنساني الكبير؟
الجواب لأنه يرد البشرية إلى وحدتها بعد أن طال بها التفرق والتشرذم، وبعد أن كثرت صراعاتها عوضا عن تعاونها الذي كان قبل آلاف السنين. يذهب المؤلفان إلى ان جماعات صغيرة متفرقة، عددها لا يزيد عن بضعة ملايين من البشر كانت يعيش بعضها في عزلة وغفلة شبه تامتين عن بعضهما البعض ولا تستغل من طاقة الأرض ومواردها إلا ما يقيم أودها لعمرها القصير قبل ستة أو سبعة آلاف عام استحالت الآن إلى «قرية كونية» تجمع اليوم عبر أزكان العالم الأربعة ما يزيد على ستة مليارات إنسان، في اتصال وثيق وتفاعل مكثف وحركية دؤوبة، يستغلون من طاقة الأرض ومواردها ما يزيد على ثمانين ضعف ما كان أسلافهم الأوائل يستغلونه، ويتمتعون بمتوسط عمري وحالة صحية ونظام غذائي ومستوى رفاه أعلى إلى حد لا يقارن بهؤلاء الأسلاف.
لعل السؤال المثير للتأمل كيف تحولت البشرية إلى الوضع الراهن رغم قلة الإمكانات وندرة المصادر وقصور الوسائل العلمية والعملية منذ القدم عن خدمة الإنسان، وصارت على ما صارت إليه الآن من تحولات وتبدلات ضخمة ومثيرة حولت حظوظ البشر من الفاقة إلى الغنى، ومن المرض إلى الشفاء، ومن الخوف إلى الأمن.. أي سر عاشته البشرية ووصل بنا إلى هذه اللحظة الفارقة الآنية؟
يقدم كتاب «الشبكة الإنسانية» الذي ينتمي إلى طائفة الكتب التي تبحث في التاريخ الإنساني العالمي وإن كانت مزيجا فريدا من علمي الأنثروبولوجيا والتاريخ، رؤية للسياقات الزمنية الإنسانية التي تبرز ما يمكننا ان نطلق عليه خط سير البشرية منذ ان وجدت على الأرض، بما يحتويه من أنماط التعاون والصراع بين جماعات البشر المختلفة عبر شبكات الاتصال والتفاعل التي تشكلت بينهم قديما، وأخذت تزداد كثافة وأحكاما على مر السنين، وبفضلها انتقلت الأفكار والتقنيات والطموحات بين الجماعات البشرية، وأدمجت كل الجماعات في شبكة عالمية موحدة تمثل دوامة من الاتصال والتفاعل المتواصلين.
غير أن علامة الاستفهام التي يطرحها منهج المؤلفين في هذا العمل الكبير هي: هل كانت تلك الشبكة نعمة أم نقمة على البشرية ؟ وبمعنى آخر هل كان القطع بين الأمم والشعوب عبر جغرافيات وديموغرافيات متباينة أنفع وأرفع من التلاحم الحالي؟
يقول البعض: إن فكرة الالتحام الزائد والقرية الكونية قد سبب اضطرابا كبيرا لانساق البشرية، فما يحدث في أقصى الشرق صار يؤثر على سكان أدنى الغرب، وبذلك لم تعد فكرة الشبكة الإنسانية ميزة بالمطلق، بل عيبا قاتلا، ذلك انه على سبيل المثال إذا انهارت بورصة نيويورك فإن أسواق موسكو وبكين وبروكسيل والشرق الأوسط سوف تقابل مصيرا مشابها، ولهذا يتخوف كبار رجال المال والأعمال في حاضر أيامنا من حدوث أزمة مالية عالمية قد تضحى أشد خطرا وهولا من نظيرتها التي جرت بها المقادير في ثلاثينات القرن الماضي. عطفا على ذلك فان سرعة انتشار الفيروسات والأمراض قد فاقت ما كان قبل ألفي عام بآلاف بل ملايين المرات، ومرد ذلك سرعة وسائل النقل والمواصلات بين دول العالم، وما كان يقطع في رحلة بالشهور اليوم تقطعه الطائرات في ساعات وربما بعد عقود قليلة في دقائق. يختلف إذن شكل الشبكة الإنسانية الحالية عن حال العالم إبان الامبراطورية الرومانية، حيث كان العالم مقسما إلى قطاعات جغرافية وبشرية بعيدة كل البعد عن بعضها البعض، وبالتالي كانت مسألة تأثر منطقة سكانية ما بأخرى ضعيفا جدا، حتى وإن كانت هناك حركة تجارة بينية بين الدول والبشر.
المؤلفان الأمريكيان صاحبا الكتاب يؤكدان على أنه من خلال الشبكات الإنسانية تعارف البشر وتعاونوا وتنافسوا وتصارعوا، مما أسهم في تقدم المجموع، وقد انتقل مركز الشبكة- أو الشبكات- الذي نسميه الحضارات من منطقة إلى أخرى، بدءا من ممر «النيل- السند»، ومع كل انتقال كانت الشبكة تزداد أحكاما وكثافة وتزيد المجتمع الإنساني تعقيدا أي تحضرا.
هنا يمكن للناقد أن يقدم رؤية تفترق عن ما جاء به المؤلفان المؤرخان الخبيران في سيرة ومسيرة الأمم والشعوب، والنقد يتوقف بنوع خاص أمام فكرة تقدم المجموع وهل كانت الشبكات الإنسانية بالفعل داعي تقدم أم وسيلة من وسائل التناحر؟
من أسف يمكننا أن ندلل على أن القرن العشرين قد أثبت على الأقل في النصف الأول منه ان الافتراق هو الذي ساد وأن الوفاق قد باد، وأن التشتت هو الذي حل عوضا عن التجميع، بمعنى ان ضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية وقد تجاوزا معا أكثر من سبعين مليون نفس بشرية، وهو رقم فاق عدد البشرية خلال زمن التجمعات الأولى البدائية في قارات الأرض المختلفة.
ليس هذا فقط بل أن التواصل الإنساني عينه قد مكن البشرية من تطوير العلوم والتكنولوجيا في مسارين الأول يمكن أن يجعل من حضور تلك الشبكات الإنسانية نعمة، عبر الاختراعات التي سهلت حياة الإنسان، وبالقدر عينه فان ناتج الحضور العلمي للشبكة الإنسانية مضى في طريق القنبلة النووية والتي تحولت اليوم إلى صواريخ باليستية نووية قادرة على أن تبيد جمع وتفرق شمل الإنسانية مرة وإلى الأبد. المقدمة الشيقة للمترجم الدكتور «مصطفى قاسم» تؤكد على أن الفقر والمرض والجهل والاستبداد وإنكار قيمة الإنسان وتغييب العقل ورفض الآخر أمراضا تنتشر مبعثرة هنا وهناك في عالمنا المعاصر، ولكن لا مناص من الاعتراف بأن تحولا جذريا قد حدث على المستوى العالمي، ومن منظور التاريخ الإنساني الطويل، نحو الوفرة والصحة وانتشار التعليم، ونحو نظم الحكم الديمقراطية التي تعلي من شأن الإنسان وقيمته، وتحكيم العقل في إدارة الشأن العام وتنظيم المجتمعات، وسيادة التسامح بين أصحاب الأديان والثقافات المختلفة. غير أن هذا الحديث مردود عليه، فمسألة الوفرة باتت قسرا وحصرا على القوى الأمبريالية تلك التي حصدت خمسة عقود من احتلال دول العالم وأوروبا خير مثال على ذلك، فقد احتلت معظم أرجاء الشرق الأوسط والأدنى بقوة السلاح، بل واغترفت من خيراته ما دعا لتراكم رأس المال لديها، وهو ما مكنها من بناء هياكلها المالية والاقتصادية، وفي حين عرفت طريقها إلى الوفرة فإن ملايين الشعوب المستعبدة لها لا تزال تعيش مآسي الجوع والعطش والفقر وعلى غير المصدق أن ينظر إلى حال ومآل الدول الإفريقية بنوع خاص. أما الولايات المتحدة الأمريكية المثال الحي والمتجسد لفكرة الوفرة فلم يسائلها أحد عن قتل وإبادة الملايين من الهنود الحمر، استولت على أراضيهم وخيراتهم وثرواتهم، ومن خلال ما توافر لها وهو الكثير جدا، استطاعت ان تصنع امبراطورية ربما تجاوزت في قوتها ومنعتها الامبراطورية الرومانية العتيدة.
ثم إذا قدر لنا أن نناقش مسألة نظم الحكم التي يطلق عليها الديمقراطية التي تعلي من شأن الإنسان، سنجد أن الجدل الدائر الآن أمريكيا وأوربيا إنما يتمحور حول الانتقال من حالة الديمقراطية السياسة إلى الديمقراطية الاجتماعية، بمعنى أن هناك ديمقراطيتان الآن، واحدة للسياسيين الذين يتحكمون في مصائر وأقدار الشعوب، وأخرى اجتماعية للمحكومين ولا توازن بينهما، سيما وإن أقل من 10 بالمائة من الجماعة الأولى تسيطر على 90 بالمائة من ثروات البلاد. وبين هذا وذاك باتت الاتهامات الموجهة للديمقراطية عديدة، ففي الداخل الأمريكي على سبيل المثال هناك ديمقراطية تباع على الأرصفة، بمعنى أنها ديمقراطية رأس المال، حيث كل شيء قابل للبيع والشراء، وخير دليل على صحة هذا الحديث هو ان أحدا لا يضع حدودا للتبرعات التي تقدم للمرشحين السياسيين في البلاد بدءا من المتنافسين على اصغر مقعد في بلدية على أطراف البلاد، وصولا إلى البيت الأبيض الذي عادة ما يدخل إليه صاحبه بفضل تبرعات كبريات الشركات، عطفا على تضافر جهود المجمعات الكبرى في البلاد سواء أكانت مجمعا صناعيا عسكريا، أو مجمعا للمال والبنوك، أو رجال الأعمال والصناعة، أو حتى الجماعات المؤدلجة مثل اليمين الأصولي المسيحي.
تقطع سطور الكتاب بأنه في حال أغلب سكان كوكب الأرض ومن منظور التاريخ الإنساني الطويل، صارت الحياة أفضل وأكثر إشباعا على المستويات كلها، وهي نتيجة نختلف معها اختلافا جذريا، ففي نهايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يعيش العالم في قطاعات عريضة منه حالة من الجوع الذي يمثل عار العالم، ومن الصراعات على الموارد الطبيعية كالمياه تحديدا، ومن التهديدات الإيكولوجية التي توضح إلى أي حد ومد باتت النرجسية الفكرية هي المسيطرة، ولا يزال الرجل الأبيض يظن في نفسه مبعوث العناية الإلهية لبقية شعوب العالم، ولا يزال الظلم الاجتماعي بين شمال غني وجنوب فقير قائم، ولا تزال حكومات ما يسمى بالعالم الأول تضرب عرض الحائط بالتهديدات الناجمة عن الأسلحة النووية.
هل الإنسانية في صورة شبكتها الحالية أكثر تحضرا من عالم الإنسان الأول حتى بعد كل إسهامات الثقافات والأمم الغابرة؟
الجواب بالإيجاب موضع شك، ولهذا تبقى خطوات البشرية القائمة والقادمة محفوفة بالمخاطر، حتى بلورة رؤية لنظام وسياق عالمي جديد.