«لو سكت من لا يدري لقل الخلاف بين الناس» .. حكمة بالغة

أمسك عليك لسانك –
د.صالح بن سعيد الحوسني –
«ومن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة التعامل معها وانصراف الناس إليها أصبحت تلك الوسائل ميدانا فسيحا للتعبير عن الرأي بحق أو بباطل وتعدى الأمر أن يسفه البعض رأي البعض الآخر وازداد الأمر سواء فانشغل الناس بتتبع أخطاء الآخرين ومزالقهم وهناتهم وتضخيمها، وأصبحت فاكهة لموائدهم يتلذذون بذكرها وينفقون سحابة نهارهم بل وليلهم في ذلك، مما نتج عنه انحراف واضح وتطرف سافر وخروج عن الإطار الإسلامي الذي يجب أن يوضع فيه اللسان، وأصبح التجرؤ في الفتوى والحكم في الأمور الشرعية يندفع لها الجهلة الذي لا يعرفون شيئا مما يتقولون فيه على الله تعالى»

خلق الله الإنسان مزودا بالكثير من الجوارح التي تمكنه من العيش في هذه الحياة والتواصل مع الآخرين، قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)، ومن أهم تلك الوسائل نعم البيان والنطق التي أمتن الله بها على الإنسان، فقال تعالى: (الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان)، وقال تعالى أيضا: (ألم نجعل له عينين، ولسانا وشفتين وهديناه النجدين)، بل إنّ الله تعالى قد ضرب المثل في بطلان الشرك وعبادة الأوثان في رجلين أحدهما أخرس أصم لا يفهم، ولا يُفهم غيرَه وهو عبءٌ ثقيل على من يلي أمره ويعوله؛ كما قال تعالى: (ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم).
وباللسان يستطيع الإنسان أن ينقل ما يدور في ذهنه من خواطر وأفكار إلى الآخرين، وينقل الأوامر والنواهي، وبه يتمكن من الحديث عن الماضي والحاضر والمستقبل، وبه يستطيع أن يقوم بأفضل الطاعات والقربات من نحو ذكر الله تعالى الذي به تطمئن القلوب وتكشف الكروب، وبه يستطيع أن يؤدي العبادات من نحو الصلاة والتلبية للحج، وباللسان يتمكن الإنسان من تلاوة القرآن الذي يثاب على كل حرف بعشر حسنات كما جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يستطيع الإنسان تعليم غيره العلم النافع من نحو كيفية تلاوة كتاب الله تعالى، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وكذا الحال في تعليم بقية العلوم والمعارف للآخرين، وقد طلب سيدنا موسى من ربه أن يطلق لسانه بفصيح المنطق ليفهموا كلامه قال تعالى: (قال رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي)، وباللسان يتمكن الإنسان من محاورة الآخرين، والأنس بحديثهم ومشاركتهم عقولهم، والانتفاع بتجاربهم إلى غير ذلك من منافع اللسان الكثيرة جدا.
ومع كل هذه المنافع العظيمة لنعمة اللسان والبيان والتي يكفي للواحد منا أن ينظر فيمن حُرم هذه النعمة ليجد الفرق شاسعا والبون عظيما بين الناطق والأبكم إلا أنه على الرغم من ذلك فإن انحراف الكثيرين عن الجادة والصواب في استغلال هذه النعمة واضح جلي في أحوال وتصرفات الناس، ولذا نجد التحذير كثيرا من شرور اللسان وفضوله، فقد قال تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، وخطر اللسان عظيم كما هو الحال في بقية الأخطار كما قال تعالى: (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون)، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطر اللسان الشيء الكثير؛ ومن ذلك قوله لمعاذ بعد أن سأله: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم- أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم»، وقال أيضا في خطورة الكلمة: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب»، ومن هنا كان عقل اللسان إلا عن الخير أحد أهم الوسائل للنجاة من شرور هذه الحياة كما جاء في حديث عقبة بن عامر الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك»، ولذا كان من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة التعامل معها وانصراف الناس إليها أصبحت تلك الوسائل ميدانا فسيحا للتعبير عن الرأي بحق أو بباطل وتعدى الأمر أن يسفه البعض رأي البعض الآخر وازداد الأمر سواء فانشغل الناس بتتبع أخطاء الآخرين ومزالقهم وهناتهم وتضخيمها، وأصبحت فاكهة لموائدهم يتلذذون بذكرها وينفقون سحابة نهارهم بل وليلهم في ذلك، مما نتج عنه انحراف واضح وتطرف سافر وخروج عن الإطار الإسلامي الذي يجب أن يوضع فيه اللسان، وأصبح التجرؤ في الفتوى والحكم في الأمور الشرعية يندفع لها الجهلة الذي لا يعرفون شيئا مما يتقولون فيه على الله تعالى، وانشغل الناس فيما بينهم بالرد على بعضهم البعض، وهو أمر يستنزف مقدرات الأمة ويقضي على أعظم طاقتها وهي الطاقة البشرية التي يجب أن تتوجه للبناء والتعمير والقيام بواجب الاستخلاف في الأرض حيث شرع الله تعالى.
وهذه الظاهرة السيئة لها جملة من الأسباب من بينها الفراغ الذي يعيشه كثير من الناس، فالفراغ طاقة ضخمة إما أن تُوجه للنافع المفيد أو أنها ستتحول لفيضان مدمر يأتي على الأخضر واليابس ولا يبقي ولا يذر من القيم والأخلاق، ومن أسبابها كذلك التربية الأبوية الضعيفة والتي لا يكترث الأبوان فيها بمعالجة أخلاق أبنائهم وتهذيبهم وإرشادهم، وقد يزداد الأمر سواء بانغماس الأبوين في آفات اللسان فتسري تلك العادة الذميمة وتنتقل إلى أبنائهم وقديما قال القائل: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه، ويضاف إلى ذلك عدم مراقبة الله تعالى وعدم الاكتراث بنواهيه وتوجيهاته، وأيضا الجهل بآثار هذه العادة وأخطارها الكثيرة التي قد لا تتضح أبعادها للكثيرين، ومن تلك الأسباب كذلك التعصب المذموم الذي اُبتلي به بعض أتباع المذاهب الفقهية، فيندفعون لتأييد مذهبهم ومنهجهم بإقحام أنفسهم لجج التقول على الله بغير علم بحق أو بباطل ، ومما يعين على اتساع هوة هذه الظاهرة الخطيرة ما تتصف به بعض النفوس من الأثرة والكبر والغرور والحسد ونحوها فتأخذها العزة بالإثم والعياذ بالله.
وحتى نقف على علاج لهذه الظاهرة الخطيرة فإنه يجدر بنا أولا أن نعلم أن اللسان هو أمانة بين أيدينا، ومن شأن المستأمن أن ينحو في التعامل مع الأمانة وفق توجيه صاحب الأمانة، ولذلك نضع جملة من الضوابط للتعامل مع هذه القضية ومنها؛ أن يتحدث الإنسان لموجب يستدعي منه الحديث: فالتحدث في موضع السكوت هذر مذموم، وتعسف قبيح، وقد قيل أن لسان العاقل خلف عقله؛ فهو من يأذن له بالنطق والحديث، بعد أن يستعرض الموضوع من كافة جوانبه مع استحضار الفوائد التي قد تكون من حديثه، وأيضا الوقوف مع الجوانب السلبية التي قد تنشأ بسبب تدخله، وهنا تقول القاعدة الفقهية إن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، والحاصل أن يكون الموجب للحديث قويا من غير ظهور أي مفسدة من ذلك.
وأن يتكلم في موضع الكلام: من غير إبطاء أو إسراع فاستعجال الكلام قبل أوانه كمن يريد قطف الثمرة قبل موعدها، وإهمال الكلام في موعده يجعل الحديث باهتا ضعيفا لا يصل لموضعه أو هدفه.
وأن يختصر في الحديث: فالإسهاب في الكلام مما تمجه الأسماع والأذواق، وكان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتحدث بحديث موجز بليغ لو شاء أن يعده العاد لعده من قصره، ذلك لأن الكلام الكثير ينسي آخره أوله، بل ربما يذهب بمقصود الكلام فلا يكاد يتبين وسط ذلك السيل الهادر من الحديث الذي يصعب الوقوف على مراده.
وأن يتخير الألفاظ الحسنة: وهو توجيه رباني أصيل وجهنا إليه كتاب الله تعالى في التعامل مع الناس؛ كما قال تعالى: (وقولوا للناس حسنا)، ويدخل في ذلك تجنب الكلمات التي توهم أكثر من معنى، أو تدخل اللبس على السامع أو القارئ، وكذلك تجنب المفردات الغامضة والغريبة، واختيار أسهل الألفاظ والعبارات التي توصل المعنى بأحسن طريق وأفضل وسيلة.
كذلك تجنب التزيد في الحديث: وخاصة عند نقل الكلام عن الآخرين، وهو ما يستلزم العدل والإنصاف في التعامل مع القريب والبعيد والعدو والحبيب، كما قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)، وكذا الحال عند نقل الفتوى والتي قد تكون دقيقة وأدنى خطأ قد يخرج الكلام عن سياقه المعتاد وهو له أكبر الضرر كما هو معلوم.
والحذر من التقول بغير علم ومعرفة: وهو أمر جاء النهي عنه كثيرا في كتاب الله تعالى، وعلى لسان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، ويقول عليه الصلاة والسلام: «من فسر رؤيا أو أفتى مسألة بغير علم، كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئرا لا قعر له، ولو انه أصاب الحق»
فهذه التنبيهات الإلهية تهدف لحفظ الفرد والمجتمع من آفات اللسان وأخطاره المتعددة ليهنأ المجتمع بهذه النعمة استغلالا للخير ووصولا لمرضاة الله تبارك وتعالى.