تواصل: الصورة ملائكية والأصل « نيجاتيف» !

تونس المحروقية –
@hlaa202020 –

في بداية الألفية الثالثة وما قبلها وقبل ظهور تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي تعلق الكثيرون منذ نعومة أظفارهم بنجوم معروفين في الفن والموسيقى والأدب والإعلام والرياضة وغيرها ، وكانوا يلاحقون أخبارهم في الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون والمواقع الإلكترونية.
بعض هؤلاء كان لديهم مذيع مفضل يحفظون موعد إطلالته عبر الشاشة لدرجة قد لا يحفظها المذيع نفسه، ويميزون بدقة شكل إطلالته الواثقة التي لو تغيرت قليلاً لإرهاق أو تعب مفاجئ لاحظوا ذلك وكأنه أحد أفراد الأسرة، كما حاول الكثير منهم إرسال رسائل بريدية للقناة التي يقدم فيها هذا المذيع برنامجه لإخباره كم هم معجبون بحضوره وينتظرون برنامجه انتظارهم لإجازتهم الأسبوعية ! ، وكم طاروا فرحاً بقراءة رسائلهم على الهواء !
البعض الآخر كان لديهم مطرب مفضل يقتطعون صوره من المجلات ليعلقونها في خزانة ملابسهم أو في جوانب أسرتهم أو جدران غرفهم ليرونه في كل يوم ويفرحون وهو يدندنون بأغنياته التي يسمعونها من شريط الأغاني المهترئ الذي اختفى تقريباً بظهور تطبيقي “يوتيوب” و” ساوند كلاود”.
هناك أيضاَ من تعلق بكاتب وحفظ كتاباته كأنها جزء من مقرر دراسي يتوجب عليه أن يذهب في يوم الامتحان ليكتبها في ورقة أجوبة ليبرهن على اجتهاده وغيرهم من ارتبط بشغف برياضي مشهور وكان يطلق عليه ألقاباً من وحي أهدافه فمرة هو صاحب الضربة التي لا تصد ومرة هو ذو الأهداف المتوغلة للمرمى بثقة وغيرها من الألقاب.
كل هؤلاء المعجبين كانوا يتوقون لمشاهدة نجومهم المفضلين في مقابلات تلفزيونية يتحدثون فيها عن حياتهم الخاصة البعيدة عن مجالات نجوميتهم وكان منتهى سعادة هؤلاء المعجبين أن يعرفوا معلومة جديدة عن نجومهم كألوانهم المفضلة وكيف يقضون يومهم؟ ومن هم البشر الذين يعيشون معهم؟ وكيف تبدو منازلهم من الداخل؟ إضافة إلى أمنياتهم في أن يرونهم يتحدثون بشكل ارتجالي وليس معداً بعناية جداً كما يحدث في المقابلات الإعلامية، حتى جاءت وسائل التواصل الاجتماعي وبدأ هؤلاء النجوم يفتحون حسابات في هذه المنصات ليكونوا أقرب إلى معجبيهم، إذ منحتهم هذه المواقع فرصة الوجود المباشر في كل وقت يرغبون فيه خلال اليوم.
تتلقف خبر وجود نجومك المفضلين في هذه القنوات بفرح عال، وتقرر أن تتابعهم لترى حياتهم عن قرب سواءً من خلال كلماتهم التي يكتبونها في تويتر أو فيس بوك أو يومياتهم المنشورة بتفاصيلها المرئية في انستجرام وسناب شات.
تبدأ بالانبهار من عوالمهم وحياتهم المختلفة عن حياتك، تتابع ما يقولونه باهتمام وتتحمل فواتير هاتفك الباهضة من الباقات العالية للانترنت التي تستهلكها لمشاهدة كل ما يبثونه من فيديوهات ، تذهب كل يوم للنوم بعد أن ينتهي بث حساباتهم ، تشعر أنك أخيراً أصبحت قريباً منهم، وممتلئا بتفاصيلهم القريبة،ثم فجأة تنتبه أن نجمك المفضل يظهر عدة مرات في فيديوهاته وهو يشتم زملاءه ويمجد نفسه ثم تكتشف أن كاتبك المفضل له لسان بذيء لم تعتقد يوماً أنه يمكن أن يتفوه بمثل تلك المفردات حتى لو كان ذلك مع خصومه ومنتقديه ، ستتابع مطربتك التي في كل مرة تظهر في سناب شات تصرح بتصريحات غريبة توقعها في مشكلات مع جمهورها،ستجد بعض نجومك المفضلين لا يجيدون الحديث ومصطلحاتهم تظهر ضعف معرفتهم بالحياة وأن الثروة التي هطلت عليهم بسبب نجوميتهم أصابتهم بجنون، ستنتبه للبعض ممن يتعامل مع جمهوره وكأنه يتحدث من برج عاجي ، وآخرين ينافسون الفاشنيستات على عملهن فيقضون ما يتبقى من وقت عملهم في مجال نجوميتهم في ملاحقة المراكز والمحلات والمطاعم التي يروجون لها ، ستراهم يتعاركون عبر حساباتهم مع من يعارضهم أو ينتقدهم ، سترى حجم أخطائهم الإملائية في منشوراتهم ، ستقول ألم يذهبوا للمدرسة ويتعلموا الكتابة في مرحلة التعليم الأولى؟ ستسأل نفسك : لماذا يتحدثون بلغات أجنبية لا تجيدها أنت كجمهور، أليس جمهورهم عربي فقط ؟ ستنتبه أنهم فقط بشر وليسوا كاملين كما عشت جزءَا من عمرك تعتقد ذلك.
ستتمنى في لحظة لو أن زمن شح أخبارهم يعود ، ذلك العصر الذي كانت وسائل الإعلام تقدمهم بشكل مهندم الحضور والشخصية والنجومية والأخلاق فتقرر أن تلغي متابعة حساباتهم في تلك المنصات وتكتفي بالانتباه لنجوميتهم في المجال الذي أحببتهم من خلاله، لتأتي الصحف والمجلات الإلكترونية التي تستسقى معلوماتهم من حساباتهم لتحاصرك بأخبارهم، ولن يتركك سناب شات وانستجرام في حالك بل سيضع لك أخبارهم وفيديوهاتهم في الصفحة الرئيسية لمتصفح حسابك رغم أنك لم تعد تتابعهم وكأن حياتهم الشخصية أصبحت قدرك الذي لا انفلات منهم.
ستصل لحقيقة أن الصور الجميلة المتخيلة عن نجومك المفضلين أفسدتها كثرة استخدام أولئك النجوم لمواقع التواصل الاجتماعي بغير دراية أو ربما بتخطيط ظهور مزعج، فهم لم يعودوا يشبهون ما كنت تعتقده عنهم ، ستدرك أن بعض تخيلاتك عنهم ملائكية جدا ، كما لا تحتمل طبيعة البشر، ستفكر طويلا ثم تردد بثقة : كاتبك المفضل لا تتابع حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي،واكتف بكلماته المكتوبة بعناية بالغة والمعلقة على واجهة قلبك !