الشرق الأوسط إلى أين ؟

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –
ضمن الأسئلة المؤلمة المحدقة بالعالم المضطرب في حاضرات أيامنا يأتي السؤال عن أحوال ومآل الشرق الأوسط وجله إن لم يكن كله باستثناء إسرائيل عالم عربي اللغة واللسان ، غير أنه يبقى عالما من الآلام والدماء، والدموع والقلاقل ، ولهذا قال بعضهم إن الموت أضحى في الشرق عادة.

وقت كتابة هذه السطور يكاد المرء يستمع إلى قعقعة السلاح في البحر الأبيض المتوسط ، فالبوارج العسكرية وحاملات الطائرات الأمريكية والروسية تتسابق من جديد إلى المنطقة ، ووقت ظهور تلك الكلمات للنور لا يعلم إلا الله وحده المصير الذي ستكون المنطقة قد آلت إليه ، سيما في ضوء التوقعات شبه اليقينية بحدوث ضربة عسكرية ضد سوريا ، فيما الروس يقولون بان أي صاروخ سيطلق سوف يتم إسقاطه ، ما يعني أن المواجهة الكونية احتمال مفتوح .
ولعل السؤال الجوهري في هذه القراءة أين الخطأ ولماذا تتقدم دول العالم ويبقى الخوف والمرض، القلق إلى حد الموت ، التناحر والتصارع ، الحروب الأهلية والصراعات البينية هي المصير الذي تواجهه الأجيال العربية القادمة والإرث الذي يتركه لها من الآباء والأجداد ؟
مؤلمة جدا الإجابة لأنها تضعنا أمام المأساة الرئيسية والتي تتمثل في عدم مقدرتنا على التعاطي مع تغيرات الأوضاع وتبدلات الطباع حول العالم ، فقد عشنا في الماضي طويلا وعجزنا عن مجاراة المستقبل ، رغم ما يتوافر لها من تراث وميراث أبوي وإنساني خالد ، وما جادت به الطبيعة من موارد بناءة ، وفي المقدمة منها العنصر البشري الذي أبدع حضارة عربية بناءة استنارت بنورها أوروبا في القرون الوسطى .
مهما يكن من أمر أين نحن الآن ؟
على عتبات القمة العربية التي ستنطلق غدا في المملكة العربية السعودية لا يبدو المشهد مضيئا بحال من الأحوال ، وكيف يكون وهناك كارثة سنوات سبع وراء الأبواب لا تزال تلقي بظلالها الكثيفة والمؤلمة على شعوب المنطقة ، وبخاصة بعد أن ابتلع الكثيرون الطعم الذي تحدث عن الحرية والعيش والكرامة الإنسانية وهي شعارات لها معنى ومبنى غير انه تم تحريفها لتضحى وبالا كبيرا على شعوب المنطقة التي لاتزال تتقاتل فيما بينها وداخل الدولة الواحدة ، وليس سرا نذيعه أن فكرة الدولة العربية الموحدة قد تراجعت كثيرا جدا إلى الوراء وإلى الدرجة التي تحللت معها دول بعينها .
يمكن للمرء أن يعود عقد ونصف من الزمان اي الى زمن الاحتلال والغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ، فقد كان بداية الانفلات الذي ضرب المنطقة وخرجت من بعده علينا وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها كونداليزا رايس بطرح مكذوب أطلقت عليه « الفوضى الخلاقة » وها نحن نتساءل ما الذي جرته تلك الفوضى على الشرق الأوسط بداية وعلى بقية العالم شرقا وغربا تاليا ؟
دون أدنى شك تزايدت وتعمقت كراهية شعوب المنطقة للامبريالية الغربية ورأس حربتها الولايات المتحدة الأمريكية، إذ اعتبرت السبب الرئيس في الخراب والدمار المحدق بالمنطقة حتى الساعة سيما وان كافة الذرائع والمبررات التي لجات واشنطن إليها لتعزيز تدخلها العسكري في العراق أثبتت الأيام عدم صحتها ، واعترف الأمريكيون بذلك أو انه لم تكن هناك وقتها أسلحة دمار شامل أو ما شابه ، ولا أسلحة كيماوية ، ووصل الاعتراف حد إقرار الرئيس الأمريكي بوش الابن بالأمر . غير أن المشهد لم يتوقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى أن ذلك الغزو جعل من العالم العربي تربة وحاضنة غير مسبوقة للإرهاب الدولي وللتطرف الإسلاموي ولا نقول الإسلامي لأن الإسلام السمح المعتدل براء من تلك الجماعات الإرهابية .
في قلب العراق التأم شمل التنظيمات الإرهابية القديم منها والجديد ، بمعنى أن الغزو الأمريكي أعطى فرصة جيدة لفلول تنظيم القاعدة والفارين من أفغانستان لإعادة تنظيم صفوفهم بشكل مرتب ومدبر ترتيبا منهجيا ، وهناك ومن جراء الغزو أضحت العراق بيئة جاذبة للكثير من الإرهابيين من مختلف دول المنطقة ولاحقا ولدت داعش من رحم العراق لتمتد إلى سوريا وما عداها من مناطق في منطقة الشام التاريخية .
لم تتوقف الخطيئة عند هذا الحد بل أخذ القائمون على الأمر في واشنطن التدبير في الخفاء لإحداث أكبر كارثة في تاريخ المنطقة أي تسليم الحكم في غالبية أن لم يكن كل الدول العربية لجماعات الإسلام السياسي ، وربما راودهم خاطر انهم الأقدر على التعامل مع تلك المنطقة وسكانها ، وهي رؤية أرسى لها قبل عدة عقود رجل لا يحمل أي مودة أو خير للشعوب العربية أو الإسلامية ونعني به المؤرخ البريطاني الأصل الأمريكي الجنسية « برنارد لويس » وقد مضت إدارة باراك أوباما وراء تنظيراته وكانت السنوات السوداء المعروفة كذبا وبهتانا باسم « الربيع العربي » والذي لم يكن ربيعا ولا عربيا ، بل شتاء أصوليا قاسيا كل القسوة ، وأتاح الفرصة للإرهاب الأسود ، طاعون العصر كي ينتقل إلى سويداء القلب في العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
بلغ الشرق الأوسط بسبب تدخلات الولايات المتحدة والناتو حد الخطورة التي تدفع إلى طريق ما يعرف سياسيا باسم الدولة الفاشلة وعلى غير المصدق أن ينظر إلى أحوال ليبيا التي تعيش الآن سنوات عجاف من جراء إسقاط نظام القذافي ، فيما تمضي الرؤى الدولية من حولها إلى مآلات التقسيم والتجزئة ، وتبدو المصالحة متعذرة بشكل عميق ، وجهود توحيد الفصائل الليبية تبقى متعثرة ، فكل منها له توجهاته واستراتيجياته ولا نغالي إن قلنا أجنداته بما تخدم ومن تخدم ، والكارثة الكبرى أن هناك من الفصائل الليبية من يعتقد في الدوجمائيات وهي الجماعات الأصولية الإسلاموية وهذه لا تقبل النقاشات الأيديولوجية أو تمضي في طريق التراضي السياسي وفلسفة المواءمات ، ذلك أنها تؤمن بملكية الحقيقة المطلقة دون سواها .
من ليبيا دعونا نرتحل إلى جرح الساعة الثخين أي سوريا ونتساءل هل الحل هو قصف سوريا ؟
تسارع أمريكا ودول أوروبية أخرى من أجل هذا الفعل وهم يتذرعون بقضية إلقاء قنبلة غاز سام على مدينة دوما ما أدى إلى مقتل أطفال في مشهد غير إنساني .
هنا يتوجب على المرء بشيء من العقلانية التساؤل .. من الذي فعلها ؟ فلو كان نظام الأسد فليتحمل المسؤولية من قبل الشرعية الدولية ، لكن كيف يستقيم أن نصدق استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية وهو يعرف أنها ستهيج عليه عداوة العالم كله وفي المقدمة الأمريكيون والأوروبيون ، في حين انه حقق ويحقق انتصارات كبيرة في منطقة الغوطة الشرقية وبدء انسحاب المسلحين من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها من قبل ؟
الذين قدر لهم متابعة جلسة مجلس الأمن الأخيرة بشأن سوريا راعهم تصريحات المندوبة الأمريكية إلى الأمم المتحدة نيكي هالي وفيها تحدثت عن معاقبة سوريا سواء بموافقة الأمم المتحدة او بدون موافقتها ، ويبقى السؤال إلى متى تصبح دول الشرق الأوسط العربية فضاء مستباحا بهذا الشكل ؟
يحمل الشرق الأوسط حزنا وألما دفينين وإن غطت عليه قعقعة الأسلحة الأمريكية والأوربية في البحر الأبيض المتوسط ظاهريا لكنه غائر في القلب في حقيقة الأمر ، فعلى بعد أيام قليلة تحل الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين، وقد وجدت إسرائيل مؤخرا داعما أمريكيا لا يصد ولا يرد ، داعم اقدم على ما عجز عنه رؤساء أمريكا من قبل ، أي الاعتراف بالقدس التاريخية ، زهرة المدائن ، قدس القيامة والأقصى ، العربية المسيحية الإسلامية ، كعاصمة لإسرائيل الأمر الذي ينافي ويجافي طبائع الأمور وحقائق الأشياء ، ولم يكتف بذلك بل اتخذ قرارا مكملا بمقتضاه يتم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس . عمق هذا القرار الأمريكي من مآسي الشرق الأوسط ، وسوف يزيد الجراحات ألما ،
يعن لنا أن نتساءل كيف يمكن أن يهنأ الشرق الأوسط أو يعرف الأمن والسلام الطريق إليه وهو على هذا الحال والمآل غير الطبيعي ، ثم ألم يتساءل الرئيس الأمريكي وبقية مستشاريه عن التبعات والاستحقاقات لمثل هذا القرار على الإرهاب وتصعيده ؟
الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الجماعات الأصولية والمجموعات الإرهابية على اختلاف تسمياتها الشكلية وهي الموحدة في الجوهر ، سوف تجد في إشكالية القدس وفلسطين المبرر والذريعة والآلية التي تخترق بها من جديد عقول وقلوب الذين هم على حافة التطرف ، أما المتطرفون أصلا فسوف يتحولون إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت وفي أي مكان ، ما يعني أن الشرق الأوسط ومن جديد سوف يفقد أي أمل في السلام أو الاستقرار على المدى المنظور .
من أين يمكن للمرء أن يداوي جراحات وأمراض الشرق الأوسط؟ ربما يكون السؤال أوسع من أن تحده إجابة بعينها فالأمر يقتضي إرادة دولية بداية ، إرادة صادقة لا إرادة متلاعبة على المتناقضات تسعى إلى إدراك استراتيجيات بعينها دون أدنى التفات أو انتباه إلى مصالح شعوبه ، وبنفس القدر وأزيد إرادة عروبية وصحوة إسلامية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .
هنا ربما تكون القمة العربية فرصة جيدة لوضع لبنة أولية لإنقاذ المستقبل العربي ، مستقبل الأبناء والأحفاد من مزيد من التشرذم والتحزب ، التعصب والتشدد، الطائفية والإرهاب ، وبحال من الأحوال لن يكون المشهد العربي الحالي أسوأ من ذلك الذي كانت عليه أوروبا مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، تلك التي كبدت الأوروبيين ملايين القتلى ومع ذلك قدر للأوروبيين أن يتجاوزوا مآسيهم وان يقيموا وحدة بدأت اقتصاديا وانخرطت سياسيا ، وقد كفلت للأوروبيين مستقبلا طيبا ولأولادهم من بعده .
الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الشرق الأوسط على شفا حفرة من النار، والسقوط يسير جدا، فيما الصعود أمر عسير ، لكنه لا يعسر على أصحاب الإرادة الطيبة والعزيمة الصادقة .