مـفـاهـــــيم خاطـئة..!

د. أمل بنت سعيد الشنفري –
انتشرت في مجتمعاتنا العربية في الآونة الأخيرة بعض المفاهيم الخاطئة فيما يتعلق بعدد من المعطيات الاجتماعية والثقافية وحتى الدينية، ليكون لهذا الفهم الخاطئ عواقب غير محمودة على مسيرة التقدم والبناء في هذه المجتمعات.

أحد أهم هذه المفاهيم التي أساء البعض فهمها، هو مفهوم «التوكل» الذي يتعاطى معه كثير من الناس الآن وكأنه يعني العجز والتكاسل والخنوع. وبالتالي أصبح هذا المفهوم الخاطئ للتوكل «وسادة لينة» يتوسدها كل متقاعس عن العمل والاجتهاد والمثابرة، متخاذلا عن تحقيق سنة الله في خلقه ممثلة في تعمير الأرض وبنائها.
وبمرور الوقت، أصبحت مسامعنا تألف «عبارات التواكل» التي تتردد من حولنا في كل مناسبة، حتى ظن أولئك أنهم بهذه العبارات يعبرون عن الإيمان بقضاء الله وقدره وقسمته في الأرزاق، ليصبح الخلط بين التوكل والتواكل سببا في عدم السعي للكسب، وسبباً في التخلي عن ثوب الهمة والعزيمة والعطاء.
إن نتائج التواكل وخيمة على المجتمع والأمة بما يجلبه من تخلف ووهن وضعف..فالتواكل يؤدي إلى التعلق بالأوهام والأماني والتخلي عن القيام بحمل المسؤوليات، والخلود إلى التقصير، والاتكاء على الحجج الواهية عند كل فشل بحجة أنه أمر الله وأقدار ربانية، وهذا المفهوم الخاطئ يتنافى مع الفطرة الإنسانية السليمة، وعقيدة الإسلام.
وأما التوكل على الله سبحانه وتعالى بعيد كل البعد عن التواكل والتقاعس وترك الأسباب في اتخاذ الخطوات الجادة نحو تحقيق النجاح في هذه الحياة والسعي لتعمير المجتمعات والأوطان. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً».
والتوكل ثقة بالله واعتماد عليه سبحانه بعد اتخاذ الأسباب، وقد ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قوله: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا».. فسلم المجد لن يرتقيه المتقاعسون، إنما يرتقيه كل من شمر عن ساعدي الجد والاجتهاد بعد توكله حق التوكل على الله دون الاعتماد على غيره من البشر.
فالطامح للعُلا، وصاحب الإرادة لن يتكئ على عصا الضعف والوهن، وإنما بشعلة العزيمة المتوهجة في أعماقه ستنير أفعاله الطريق له وللآخرين، فكما قال المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم
وهكذا رأينا حين أدرك المسلمون المعنى الحقيقي للتوكل على الله أبهروا العالم بإنجازاتهم الحضارية، وخلفوا للإنسانية إرثا عظيما من العلوم في شتى الميادين التي قامت عليها الحضارة الحديثة. فبتضحياتهم الكبيرة وهممهم العالية هزوا أركان أعتى الإمبراطوريات آنذاك وقضّوا مضاجع الأعداء. لكن عندما تشوهت المعاني واختلطت المفاهيم في أذهان وعقول الكثير من أبناء هذه المجتمعات، توسدوا وسادة الكسل والخذلان واعتمدوا في تسيير شؤونهم على الغير، فتهاوت رايتهم الخفاقة، وتهدمت صروح الأمجاد العتيدة، ليقبعوا تحت وطأة الأعداء يلتمسون منهم السند والحماية من بعضهم البعض.
إن التواكل هو ذريعة كل عاجز اختار لنفسه أن يحيا حياة خاوية لا هدف لها ولا معنى، والمتواكل يعيش بين الضعفاء حتى يقضي نحبه تاركا دنياه دون أي أثر أو تأثير، لتطوي الأيام ذكراه كأنه لم يكن يوما بين الأحياء.
إن سنة الله في خلقه أن يعمر الإنسان الأرض بما فضله الله على غيره من المخلوقات.