صحة الإنسان في الإســــلام .. منهج وتشريع

الحكمة من تحريم المحرمات –
د. سعيد بن سليمان الوائلي –
كلية العلوم الشرعية- مسقط –
«إن تحريم الإسلام لكل ما حرم إنما يكون لمقصد شرعي يتمثل بالدرجة الأولى في إبعاد الإنسان عن كل ما يضر بدينه وبعقله وبصحته النفسية والبدنية، فكل محرم من طعام وشراب يصح وصفه بأنه دنيء وخبيث. من أجل ذلك نجد الدراسات الشرعية والبحوث الطبية تناولت الحكمة الشرعية من تحريم هذه الأشياء وأمثالها. ونلحظ أن تحريم هذه المأكولات يأتي ليؤكد عناية الإسلام بصحة الإنسان في بدنه ونفسه وعقله، وأن هذه العناية بحفظ النفس والعقل من المقاصد الكلية في الشريعة الإسلامية، ليكتمل بوجود الإنسان بكل مقومات حياته، فيتمكن بعد ذلك من أداء مهمته في الوجود».

إن مما يؤثر بصورة كبيرة في النفوس ما يكون عرضه في قالب الحفظ لكيان الوجود بمراعاة بقاء أفراده، بصورة فنية تأخذ بمسامع الفؤاد إلى أبعد آثاره، وذلك عند التأمل والتفكر في النصوص الشرعية المثبتة لحفظ الذات الإنسانية، واعتبار ذلك من المقاصد الشرعية التي أتى الإسلام الحنيف لإثباتها.
لقد أتى الإسلام محافظا على ذات الإنسان، مع مراعاة ما يصلح له وجودا وعدما، فشرع من أجل ذلك، بل وغطى في تشريعاته كل ما يتعامل معه الإنسان، في أوامره ونواهيه وحدوده.. بحيث يحفظ كيانه في الوجود وتثبت ذاته في الحياة، فيكون وجوده بصورة صحية متكاملة، صحيح العقل صحيح البدن.
ومن أبرز تلك النصوص القرآنية التي ينبغي الوقوف عندها للتدبر والتأمل في هذا الموضوع، آية كريمة تبيّن جانبا من التشريع الإلهي في غذاء الإنسان، تحليلا للطيبات وتحريما لجانب من المحرمات: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
فإذا كانت الآية الأولى أصل في بيان الحلال من طيبات الرزق الذي امتن الله به على عباده؛ ليجد الإنسان مجالا لما تقوم به حياته من الغذاء، فإن الآية الأخرى التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ) حصر للمحرمات، وهذا الحصر بيان لأصناف المطعومات المحرمة في الشرع بالصورة القطعية، وقد قال الله تعالى عنها في موضع آخر: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأنعام: 145].
هذه الأشياء المحرمة تعد في صورة الخبائث، فقد جاء في وصف النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث حيث قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) [الأعراف: 157].
وإن مما لا شك فيه أن تحريم الإسلام لكل ما حرم إنما يكون لمقصد شرعي يتمثل بالدرجة الأولى في إبعاد الإنسان عن كل ما يضر بدينه وبعقله وبصحته النفسية والبدنية، فكل محرم من طعام وشراب يصح وصفه بأنه دنيء وخبيث. من أجل ذلك نجد الدراسات الشرعية والبحوث الطبية تناولت الحكمة الشرعية من تحريم هذه الأشياء وأمثالها، فالحكمة من تحريم الميتة قيل: هي أن الحيوان لا يموت غالبا إلاّ وقد أصيب بعلة والعلل مختلفة وهي تترك في لحم الحيوان أجزاء منها فإذا أكلها الإنسان فإنه يخالط جزءا من دمه جراثيم الأمراض، مع أن الدم الذي في الحيوان إذا وقفت دورته غلبت فيه الأجزاء الضارة على الأجزاء النافعة، ولذلك شرعت الذكاة لأن المذكى مات من غير علة غالبا، ولأن إراقة الدم الذي فيه تجعل لحمه نقيا مما يخشى منه أضرار. ومن أجل هذا قيل في الجنين: إن ذكاته ذكاة أمه؛ لأنه لاتصاله بأجزاء أمه صار استفراغ دم أمه استفراغا لدمه ولذلك يموت بموتها فسلم من عاهة الميتة.
وحكمة تحريم الدم أن شربه يورث ضراوة في الإنسان فيغلظ طبعه ويقسو قلبه، ويصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة الإسلامية، لأنها جاءت لإتمام مكارم الأخلاق وإبعاد الإنسان عن التهور والهمجية، ولذلك قيد في بعض الآيات بالمسفوح، لأنه كثير لو تناوله الإنسان اعتاده ولو اعتاده أورثه الضراوة والفظاعة والغلظة، هذا بجانب التأثير على الصحة بسبب العفونة والجراثيم التي تؤدي إلى الأمراض المختلفة.
وحكمة تحريم لحم الخنزير تتمثل في أنه يتناول القاذورات والنجاسات، فتنشأ في لحمه دودة مما يقتاته لا تهضمها معدته، بما يعرض آكله أن يصاب بها، لأنها تؤثر على صحته حيث تودي به إلى الموت. هذا بالإضافة إلى التأثير على الجانب الخلقي حيث يورث الخسة في الطبع وعدم العفة والنزاهة.
وكذلك نجد الكلام فيما جاء تحريمه من الحيوانات الضارية والطيور المفترسة، فقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وجاء من رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام».. فيشمل ذلك كل الحيوانات والطيور المفترسة التي تتغذى بالدماء واللحوم النيئة، ولا يبعد أثرها السيئ أن يكون مثل تناول الأصول التي تتغذى عليها.
إذن، نلحظ من هذه النصوص أن تحريم هذه المأكولات تأتي لتؤكد عناية الإسلام بصحة الإنسان في بدنه ونفسه وعقله، وأن هذه العناية بحفظ النفس والعقل من المقاصد الكلية في الشريعة الإسلامية، ليكتمل بوجود الإنسان بكل مقومات حياته، فيتمكن بعد ذلك من أداء مهمته في الوجود.. بل إن الشريعة الغراء لم تغفل الجوانب الأخرى التي تكمل العناية والاهتمام بالإنسان في صورته الفردية والجماعية ليغطي جانب التحريم أشياء أخرى تودي بالإنسان إلى الهلاك كالسم.. فكما لا يجوز للإنسان أن يزهق روحه ويلقي بنفسه في التهلكة بتناول السم، كذلك يحرم عليه أن يهلك نفسه بالمسكرات والمخدرات. من أجل ذلك قيل ما قيل في الخمر، وأن كل مسكر خمر وكل خمر حرام.
ومن المعلوم أن الخمر أم الخبائث، وقد قال الحق تعالى ذكره في بيان حكمها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 90]، وقال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) [البقرة: 219]. وقد ذكر بعض المفسرين أن الإثم الذي في الخمر نشأ عما يترتب على شربها تارة من الإفراط فيه والعربدة من تشاجر يجر إلى البغضاء والصد عن سبيل الله وعن الصلاة، وفيها ذهاب العقل الذي يدفع إلى الإضرار بالأنفس والأموال، والتعرض للسخرية، وفيها ذهاب المال في شربها، ومن آثامها ما قرره الأطباء أنها تورث المدمنين عليها أضراراً في الكبد والرئتين والقلب وضعفاً في النَّسل، وقد انفرد الإسلام عن جميع الشرائع بتحريمها، ولأجل ما فيها من المضار في المروءة حرمها بعض العرب على أنفسهم في الجاهلية.
بجانب ذلك نجد من ضمن التكليف الشرعي لبني آدم الذين حملوا أمانة التكليف وحتى لا يضر الإنسان بنفسه في المأكل والمشرب أتى النهي عن الإسراف في كل شيء من مأكل ومشرب وغيره مما ينتفع به في هذه الحياة.
ويأتي النص القرآني واضحا في ذلك، حيث يكون الخطاب فيه لبني آدم، وليس لمن آمن منهم فحسب، يحمل النهي الصريح عن الإسراف حيث يقول تعالى ذكره: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31].
والملفت للنظر في هذه الآية الكريمة ما ختمت به، من أن الله عز وجل لا يحب المسرفين، هذه العبارة تقتضي استحقاق أصحاب هذا الفعل لعذاب الله وسخطه، والعياذ بالله تعالى. يعني تتضمن الوعيد على الإسراف، فمن كان من المسرفين فإن الله لا يحبه فلا يكون من أهل الثواب، فإذن يكون من أهل العقاب.
وكأن الحفاظ على صحة الإنسان من الأهمية بمكان عالٍ، لدرجة بيان عدم الاسترسال في تناول ما أبيح له، فإن تجاوز الحد في ذلك يصل إلى درجة الحرمة في مواضع الإسراف والإفراط.. ولما له من أثر سلبي وضرر صحي على المسرف في الأكل حيث تضعف قواه من التخمة وتتعطل مداركه من كثرة الأكل والشبع، ويكون عالة على غيره بسبب التعطل.
وبنظرة أخرى، نجد في الآية الكريمة توجيه لترشيد الاستهلاك في المأكل والمشرب والزينة التي يستخدمها الإنسان، ويتعامل معها في إطاره الخاص والعامّ، فليس في ذلك تحريم لزينة الله التي أخرجها لعبادة ولا تحريم للطيبات من الرزق، (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، وإنما أن يكون المتعامل معها بوسطية واعتدال باقتصاد وعدم إهدار، بانتفاع وعدم تضييع.
هذه بعض المواضع المحددة لاعتناء الدين الإسلامي بما يحفظ للإنسان صحته من حيث تحريمه لبعض صنوف الأطعمة والأشربة، واعتبار هذا الكائن له أهمية قصوى تشرع من أجله الأوامر والنواهي لمقاصد شرعية وحكم حاصلة.
من ثم كان التكليف مناطا بالقدرة والاستطاعة على الأداء، فينبغي أن يحافظ الإنسان على ما وهبه الله تعالى من النعم.