الطاعــة

تقول ماجدة قاسم في كتاب «قصص الأخلاق للأطفال والناشئين»: الطاعة هي الانقياد والاستسلام والخضوع لله وللرسول، قال تعالى: {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون}. وهناك نوعان من الطاعة: طاعة عمياء لا يعرفها الإسلام ولا يأمر بها أتباعه، وهناك طاعة مبصرة واعية مبنية على القرآن والسنة، قال عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم: تعرف إلى الرجال بالحق ولا تتعرف على الحق بالرجال. ولهذه الطاعة المبصرة مجموعة من الضوابط، منها ألا تكون في معصية، وأن تكون في المعروف.
وللطاعة فوائد عظيمة في الدنيا والآخرة، فهي سبب في رضا الله تعالى، قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}. كما أنها سبب في نصر الله وتأييده. وفي المقابل فإن معصية الله والرسول فيها الانكسار والهزيمة والخذلان؛ ولذا لما أمر رسول الله الرماة في غزوة أحد أن يلزموا أماكنهم وبعد بداية المعركة ترك الرماة أماكنهم ونزلوا ليجمعوا الغنائم، هنا انهزم المسلمون وتعلموا درسا عمليا في أن طاعة الله والرسول فيها النصر، وأن المعصية لله والرسول فيها الهزيمة.
ورضي الله تعالى عن الطائعين ولذا لما أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه الوحيد إسماعيل عليه السلام استجاب لأمر ربه، وذهب إلى ابنه إسماعيل وكان غلاما صغيرا، وأخبره بأمر الله تعالى بذبحه، فلم يتردد الابن، بل أطاع ربه وأباه، وقال: {يا أبت افعل ما تؤمر}، وهنا أسرع إبراهيم عليه السلام وأحضر سكينا ليذبح بها ابنه إسماعيل عليه السلام طاعة لأمر الله، وهنا فدى الله تعالى إسماعيل بكبش عظيم، وقال لإبراهيم مادحا: {يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين}.
الطاعة لا تكون إلا في المعروف؛ ولذلك لما تم اختيار أبى بكر الصديق خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم قام ليخطب في المسلمين، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته (أزيل شدته ومحنته) إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».
ومن جانب آخر فإن طاعة الله والرسول فيها الخير والبركة والسداد والنصر؛ ولذا يحكى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مددا لجيش عمرو بن العاص في موقعة ذات السلاسل، وكان قائد المدد هو أبو عبيدة بن الجراح، فلما وصل المدد إلى جيش عمرو وقال لهم عمرو بن العاص: أنا أميركم. إنما أنتم مدد مددته. فلما رأى أبو عبيدة إصرار عمرو وقال له: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: «إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا»، وإنك إن عصيتني لأطيعنك. ثم سلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو خشية أن يعصى رسول الله أو تحدث فتنة في جيش المسلمين.
كما أن طاعة الله ورسوله تجلب الرحمة، قال تعالى: {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون}. ولذا لما خلق الله تعالى آدم أمر الملائكة أن تسجد له، فأطاعت الملائكة أمر الله، فسجدوا جميعا، إلا إبليس، فإنه عصى أمر الله، ورفض أن يسجد لآدم. فطرد الله إبليس من رحمته جزاء عصيانه لأمر الله. وأسكن الله آدم وزوجه الجنة، وأمرهما ألا يأكلا من شجرة معينة . فلما رأى إبليس ذلك، وسوس إليهما أن يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها، فعصى آدم ربه، وأكل من الشجرة، فأخرجهما الله من الجنة، ثم تاب الله عليه. وأيضا لابد من طاعة الوالدين في المعروف؛ ولذا أطاع نوح عليه السلام ربه حينما أمره أن يصنع السفينة وأن يحمل عليها من كل شيء زوجين اثنين، فلما انتهى نوح من صنع السفينة، أمره الله أن يركب فيها هو والذين آمنوا، وأمطرت السماء مطرا شديدا، وتفجر الماء من الأرض، وهنا دعا نوح عليه السلام ابنه ليركب معه في السفينة ولكن الابن عصى أمر أبيه كما عصى أمر ربه وكفر به، وظن ابن نوح عليه السلام أن الجبل سوف يحميه من الماء ولكنه غرق مع الكافرين، لأنه لا عاصم من أمر الله.
ومن أنواع الطاعة طاعة ولى الأمر فيما لا معصية فيه، قال صلى الله عليه وسلم: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره»، ولذا صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصبح ذات يوم، ثم قال لأصحابه يوصيهم: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ (الأسنان)، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
والطاعة في المعصية لا تجوز، ولذا يحكى أنه في بعض الغزوات وأثناء الطريق، توقف قائد المسلمين – وكان يدعى عبد الله- ونزل وجيشه ليستريحوا، فأوقدوا نارا، ثم قال لمن معه: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى. وهنا قال لهم عبد الله: ألقوا بأنفسكم في النار. فقام بعض الناس ليلقوا بأنفسهم في النار طاعة للأمير. فلما رأى الأمير ذلك منعهم، وقال: إنما كنت أضحك معكم. فلما عاد القوم ذكروا ما حدث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال لهم: «من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه».
ومعصية الله والرسول فيها الانكسار والهزيمة والخذلان؛ ولذلك في غزوة أحد، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرماة أن يصعدوا فوق جبل أحد، وأن يحموا المسلمين من الخلف، ولا يتركوا أماكنهم مهما حدث. ولما انتصر المسلمون في بداية الغزوة ورأى الرماة فرار المشركين ظنوا أن المعركة قد انتهت فتركوا أماكنهم، ونسوا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-. فلما رأى المشركون نزول الرماة من الجبل رجعوا وهاجموا المسلمين من الخلف وهزموهم، وهكذا كان عدم طاعة الرماة لأمر الرسول -صلى الله عليه- وسلم سببا في هزيمة المسلمين.