انطلاق أعمال مؤتمر «فكر 16» بالتركيز على صناعة الاستقرار ودوره في بناء المستقبل

الاسـتقرار صنـاعة وجـهـد وعمـل مسـتمر وتنمـية دائمـة وتطـور لا يتـوقف –
برعاية «عمان» إعلاميا.. وبمشـاركـة قيـادات سـياسية وثقـافـية واقتصـادية عـربية –
انطلقت أمس أعمال مؤتمر «فكر» السنوي الذي تنظمه مؤسسة الفكر العربي في دورته السادسة عشرة في دبي، تحت عنوان «تداعيات الفوضى وتحديات صناعة الاستقرار» وبرعاية إعلامية من عمان.

وأوضح الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي في الافتتاح، بحضور الأمير خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي، ان مؤتمر الفكر العربي في دورته الـ١٦ بدبي يناقش «صناعة الاستقرار» . . مؤكدا ان الاستقرار صناعة وجهد وعمل مستمر وتنمية دائمة وتطور لا يتوقف .. الاستقرار هو حركة دائمة لصنع الحياة .. وهو بحث مستمر عن مستقبل أفضل لمجتمعاتنا».
وانطلقت أعمال المؤتمر السنوي «فكر16» بجلسة افتتاحية شارك فيها وزير الدولة للشؤون الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة أنور قرقاش، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ركزت على أهمية الاستقرار ودوره في بناء مستقبل أفضل، ورسم إطار عام لواقع الفوضى وتداعياته، وسبل صناعة الاستقرار على مستوى المنطقة.
ورأى قرقاش أن الاستقرار مسألة أساسية للاستثمار، فإذا لم يشعر المستثمر بوجودهِ، ومعرفة أن هذا البلد أمامه سنوات من الاستقرار، لن يربط نفسه بالاستثمار، وتوقف عند تجارب البلدان العربية في السنوات الأخيرة، ليشدد على أن الاستقرار هو مطلب أساسي وسط الفوضى والعنف والتفكيك، وما تعرضت له العديد من الدول العربية، معتبرا أن فقدان الاستقرار هو فوضى عارمة. وتحدث عن التجارب التاريخية والتنموية المختلفة لـ22 دولة عربية، وتباين النجاح بين تجربة وأخرى.
وأكد على الحاجة الملحة إلى نظام عربي يقوم على احترام سيادة الدولة الوطنية، ويغلب عليه التعاون الاستثماري والاقتصادي وقيم التنمية والازدهار.
في حين أكد الوزير أيمن الصفدي أن أزمتنا العربية هي أزمة فكر وحضارة وثقافة نحتاج إلى نهضة شاملة لتجاوزها. مشيرا إلى أن الإرهاب هو خطر جماعي بلا شك، ونخوض الحروب ضده دفاعا عن أمننا واستقرارنا، ولا بد من محاربة الإرهاب بكل الوسائل والسبل والتحديات التي نواجهها معا وليس كل دولة وحدها، وهي تحديات تتطلب مواجهة مشتركة.
وشهدت الجلسة العامة الأولى «الرؤية والسياسات والدور» في اليوم الأول من مؤتمر «فكر16»، نقاشا متنوعا فيما يتعلق برؤى الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والصين، حول الوضع في المنطقة العربية وصوَر وأشكال الفوضى فيها وأسبابها، وتصورات هذه الدول وسياساتها لصناعة الاستقرار، ودورها في تحقيق هذا الهدف.
تضمنت الجلسة مداخلات لكل من رئيس كرسي «أرلي بورك» في الشؤون الاستراتيجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الولايات المتحدة الأمريكية الدكتور أنتوني كوردسمان، ومدير معهد الاستشراق في الأكاديمية الروسية للعلوم الدكتور فيتالي نعومكين الذي تعذر حضوره، والخبيرة في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، الدكتورة فلورانس غوب، وعميد كلية دراسات الشرق الأوسط والمدير التنفيذي لمركز الدراسات العربية في جامعة اللغات والثقافة في بكين، لوه لين، وعقب على المداخلات الملكي الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود، ورئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فيما أدار الجلسة الدكتور جوزيف مايلا أستاذ علم الاجتماع السياسي والعلاقات الدولية.
تطرق الدكتور أنتوني كوردسمان إلى الأهداف الاستراتيجية الأمريكية الرئيسة في المنطقة التي تشمل ضمان تدفق النفط الخام والغاز المُسال ومنتوجاته إلى السوق العالمية، والحفاظ على المصادر الرئيسة للإيرادات الأمريكية في آسيا، وعلى صحة الاقتصاد العالمي وضمان الخطوط الرئيسة للاتصالات، وتحدث عن هزيمة الإرهاب والتطرف العنيف من مصادره، أي الأراضي العراقية والليبية والسورية واليمنية، والوصول إلى إطار عمل دولي للتعاون مع الحرب على الإرهاب.
وتلا مدير الجلسة كلمة الدكتور فيتالي نعومكين فأكد فيها أن تقويض الاستقرار في المنطقة يعود إلى ميل عميق نحو النزاع على ثلاثة مستويات: محليا، وإقليميا، ودوليا، وأكد أن الخلافات المذهبية والإثنية والدينية وغيرها لها أثر تخريبي على المنطقة كلها، وهي تقوض الاستقرار والتطور فيها، ومن الأسباب الأخرى لوصول المنطقة إلى هذه المرحلة تراجع دور العديد من المنظمات الدولية والإقليمية غير القادرة على التعامل مع التحديات العديدة، وكذلك انتهاك بعض القوى الخارجية بشكل غير قانوني لسيادة أمم مستقلة في المنطقة، فضلا عن محاولات الإطاحة بالقوة بأنظمة غير مرغوب فيها، ولم يؤد ذلك سوى إلى تعزيز احتمالات النزاع، وأكد على ضرورة التعاون بين روسيا والغرب وخصوصا الولايات المتحدة، للإسهام في تحقيق الاستقرار في المنطقة وليس المواجهة، وحذر من أن أي صدام روسي أمريكي سيجعل الدول العربية بشكل عام وسورية بشكل خاص ساحة لـ«آخر حرب في تاريخ البشرية»؛ لذلك دعا إلى اعتماد الحكمة والحكم السليم لمنع وقوع هذا السيناريو الكارثي.
ورأت فلورنس غوب أن أوروبا هي جارة الدول العربية تجمعها بها روابط تاريخية واقتصادية واجتماعية، وأن رؤية الاتحاد الأوروبي تجاه العالم العربي اليوم تقوم على ضرورة أن تكون هذه المنطقة أكثر مرونة، وطرحت بصفتها ممثلة لأوروبا أسئلة على الحضور الذي يمثل المنطقة العربية السؤال الأول الذي يتعلق بالهيكليات الأمنية التي تمنع النزاعات في المنطقة أو النزاعات بين المنطقة وقوى خارجية، إذ تنشب في كل عقد حربا تتورط فيها دولة غير عربية و25 نزاعا داخل دول عربية، واعتبرت أن العالم العربي يحتاج إلى نظام أمني يمنع الحروب مع أطراف خارجية ويمنع الحروب الأهلية. أما السؤال الثاني فيتعلق بالنظام السياسي المناسب للمنطقة، فهل هي الديمقراطية على غرار أوروبا، وإن لم تكن الديمقراطية، فما النظام المناسب الذي يحافظ على حقوق الجميع؟ والسؤال الثالث حول النظام الاقتصادي الذي يناسب المنطقة والذي تحتاج إليه، ورأت في ختام كلمتها أنه لا توجد إجابات لدى أوروبا على هذه الأسئلة، بل هي موجودة في المنطقة، لكنها تتعهد كجارة بمساعدة العرب.
وعرض الدكتور لوه لين رؤيته لأسباب الاضطرابات في المنطقة العربية، وهي بحسبه أربعة: أولا الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعل المنطقة ساحة يستطيع فيها كل من لديه ذرائع بأنه لاعب عالمي، ليبحث عن النفوذ ويبدأ الصراعات الإقليمية. ثانيا التنمية غير المتوازنة في الدول العربية التي تزيد الوضع سوءا، حيث أدى النمو الاقتصادي الذي يقوده النفط إلى تراجع التصنيع قبل الأوان، وعزز الموقع الخاضع للمنطقة العربية في التسلسل الهرمي العالمي للإنتاج. ثالثا الصراعات الدينية المتكررة بين الدول والقبائل. رابعا تدخل القوى العظمى الذي يؤدي إلى نشوب الفوضى في المنطقة العربية. فالمنطقة لطالما كانت في دائرة الضوء سواء محليا أو دوليا؛ بسبب صراعاتها المستمرة التي لم نتمكن من وضع نهاية لها، وخصوصا بعد تدخل كبير من القادة المحليين والدوليين الذين يهدفون إلى استعادة السلام في هذه المنطقة، وشدد على أنه لا يمكن حل الاضطرابات في المنطقة العربية بمجرد استخدام القوة العسكرية، بل من خلال الصبر والتفاوض السلمي والتعاون لتحقيق الاستقرار.
وتوقف لوه لين عند مبادرة الحزام والطريق، وهي رؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ سنة 2013 التي تسعى إلى دمج الصين مع اليابسة الأوروبية الآسيوية من خلال شبكة واسعة من ممرات النقل وخطوط أنابيب الطاقة والبنى التحتية للاتصالات. وأوضح أن الصين تنظر إلى المنطقة العربية كشريك أساسي في المبادرة، واعتبر أنه لحل الاضطرابات في المنطقة تلتزم الصين بالترويج لمحادثات السلام والتسوية السياسية بين الدول المختلفة، مشددا على أن بلاده تحترم جميع المقترحات للتسوية السياسية وتؤيدها، فطالما كانت مقبولة بشكل عام للأطراف في هذه المنطقة وتتماشى مع رغبة شعبها.
بعد ذلك عقب الأمير تركي الفيصل على الأوراق التي قدمها المتحدثون، فأكد أن غياب الرؤى والتوجهات الاستراتيجية عند القوى الدولية كافة، حول متطلبات السلم والأمن الدوليين، مسؤولة عما يعيشه العالم من توتر واحتقان وعدم يقين، كما أن السياسات الدولية المتخبطة للدول القائدة في المنظومة الدولية مسؤولة عن كثير مما يجري في العالم وفي منطقتنا.
ورأى أن ميزان القوى العالمي تغير وتغيرت معه موازين القوى الإقليمية، ودخلت منطقتنا في فراغ استراتيجي أظهر طبيعة التحديات التي تواجه دُولنا العربية داخليا وخارجيا، وأكد أن الصراع العربي الإسرائيلي هو الصراع المحوري في المنطقة، وهو بؤرة عدم استقرارها منذ بدايته حتى اليوم، مشيرا إلى أن الشعوب العربية تنظر إلى القوى الدولية من خلال مواقفها حيال هذا الصراع الذي يشكل حَله مفتاح الأمن والاستقرار في المنطقة، واعتبر أن هذه المواقف هي الكاشفة للنفاق السياسي للقوى الدولية التي تنادي وتُبشر بترسيخ قيم الحرية وحق تقرير المصير والمساواة بين البشر وحكم القانون.