تعزيز الأداء المؤسسي الحكومي

د. سيف بن سليمان المعني –

لا شك بأن شعور المسؤولين في الدولة بأن هنالك حاجة ماسة إلى تعزيز الأداء المؤسسي الحكومي نابع من حرصهم على تحسين بيئة العمل والنهوض بها، فالاعتراف بوجود مشكلة وتحديد عناصرها مهم جدا للبحث عن حلول مناسبة والخروج من البيروقراطية التي أصبحت معرقلة، فتفعيل دور الجودة الإدارية، للتقليل من حدة البيروقراطية في الإنجاز المؤسسي أصبح ضرورة ملحة، فالتنوع الاقتصادي وتشجيع الاستثمار يحتاج إلى دقة وسرعة في الأداء المؤسسي لإنجاز المعاملات. يرى البعض أن هذه المعاناة التي تمر بها إجراءات إنجاز المعاملات غير مقصورة على الفرد وحده بل إن ضررها أصاب الموظف الذي وجد نفسه مقيدا أمام لوائح إدارية تعتمد على الرتابة والتسلسل الإجرائي، وإن كانت تمثل أسلوب عمل للإدارات والمؤسسات.
بتاريخ 28 مارس 2018م نظم معهد الإدارة العامة برعاية معالي الشيخ خالد بن عمر المرهون وزير الخدمة المدنية رئيس مجلس إدارة المعهد لقاء تخصصيا جمع أصحاب السعادة وكلاء الوزارات ومن في حكمهم بلغ عددهم 60 مشاركا، وكان الهدف من اللقاء «تعزيز الأداء المؤسسي الحكومي». خلال تحضيري لهذا المقال وتصفح الشبكة العنكبوتية وجدت الكثير من اللقاءات والندوات التي عقدت عبر السنوات الماضية، ومن جهات مختلفة ومتعددة، وهذا ليس انتقاصا أو انتقادا للقاء الهادف والمقدر، فالكل يدرك أهمية تبسيط الإجراءات وتقليص مدة انتظار إنجاز المعاملات، ولذلك من حق كل واحد منا على تراب هذا الوطن أن يشعر بأن الندوات واللقاءات كثيرة ومتعددة ولكن المحصلة على أرض الواقع لا تزال قليلة، فلا يزال الجميع يشكون من الروتين والبيروقراطية باعتراف المسؤولين أنفسهم.
السؤال هو لماذا ظل الأداء الحكومي متهما بعدم التقدم إلى الأمام وتحسين مستوى أدائه رغم شعور الجميع بأهمية تبسيط الإجراءات وتسريعها، لما من شأنها تشجيع المستثمرين سواء كان المحليون منهم أم غير العمانيين، في نظري الأسباب الرئيسية تتلخص في الآتي:
– المتهم الأول بالدرجة الأولى هو تعدد الجهات وتداخل العمل المؤسسي فيما بينها، في ظل عدم وجود تنسيق وتكامل فيما بين هذه المؤسسات، وكل جهة لها لوائحها وإجراءاتها المتوارثة.
– التدريب أهم عنصر محفز ومكون لشخصية الموظف قبل أن ينتقل إلى عمله، فمن غير المعقول أن يتوقع من الموظف أن يكون دقيقا في عمله عند تعيينه مباشرة بعد تخرجه من المدرسة أو الكلية، ويعتمد على انتقال المعرفة إليه من خلال التدريب على رأس العمل دون أن يسبق ذلك تدريب مهني يتكامل مع التدريب على رأس العمل، فالتدريب على رأس العمل قد ينقل إليه عدوى عدم المبالاة أو التقصير في الأداء، لذلك إعداد الموظف إعدادا جيدا وتدريبه تدريبا جيدا، وغرس قيم الإخلاص في بيئة العمل وواجبه الأساسي نحو من يقدم لهم الخدمة على أنها واجب وليست منة هو مطلب في غاية الأهمية، وهذا المطلب لا يقتصر على الموظف الصغير بل حتى على القيادات الإدارية العليا والمتوسطة بصفتها الموجهة لدفة العمل اليومي.
– ضرورة وجود وصف وظيفي واضح لكل موظف من أعلى الهرم المؤسسي وحتى أصغره، فلو تم هذا الوصف لوجد الكثير من الازدواجية والتكرار في العمل من موظف لآخر، وبالتالي سيكون من السهل تقليل عدد الموظفين وتركيزه على عدد قليل ومؤهل ومحاسب على إنجازه أو تقصيره.
– عدم تطبيق مبدأ الثواب والعقاب الذي شجع كثيرا من الموظفين على التسيب في أدائهم لأعمالهم، هذه الفئة ربما تكون محدودة العدد، لكنها بالتأكيد أضرت بالفئة المنتجة والمخلصة في عملها، أي أن التقصير من بعض هذه الفئات حتى وإن كان عددها محدودا، يضع أعباء إضافية على الفئة المواظبة والمنتجة في عملها، وهذا غير منصف، مما سينتج أو نتج عن ذلك انتقال عدوى عدم المبالاة إلى بعض أعضاء الفئة المخلصة.
– الترقيات بالدور أو بالسنوات لا يساعد على تميز الموظفين في أدائهم حيث انه يساوي بين المجتهد وغير المجتهد، فطالما أن الترقية مضمونة وفق الدور والراتب متساو فإن بعض هذه الفئات لا ترهق نفسها في تطوير أدائها والإخلاص في عملها، وكذلك المنافسة على البروز في الإنتاج.
– إدخال نظم الحاسب الآلي في الإدارات وربطها ببعضها في عمل مؤسسي متكامل، وهذا يتطلب إعادة هندسة أسلوب العمل من جديد بما يتمشى مع نظم الحاسب الآلي وليس بالضرورة يأخذ الدورة الروتينية المعتادة كما هو في العمل اليدوي طالما أن النتيجة ليست فقط أفضل بل أدق وأسرع، وفي نظري لا يجب أن يترك التحول الإلكتروني على أساس خيار، بل من المهم أن يكون ضرورة وضرورة ملحة، فالنظام الإلكتروني يقوم آليا بحث الموظف على ضرورة إنجاز عمله ضمن الفترة الزمنية المحددة وإلا فإن المعاملة ستنتقل منه إلى الجهة التي تليه.
من جانب آخر عدم وجود آلية لتفحص أي بطء في العمل الحكومي بغية معرفة الأسباب التي أدت إلى ذلك البطء، تسبب في تفاقم هذه المشكلة، لمعرفة ما إذا كان السبب ممارسات موروثة أم أن هناك مشكلة معينة في آلية العمل تعيق سرعة الإنجاز، كما أن التكامل والتنسيق بين الوحدات الحكومية يحتاج إلى تفحص وإيجاد حلول سريعة تقرب هذه الجهات في التنسيق والتشاور وتوحيد الإجراءات.
في كثير من الدول هنالك إدارة تعنى بمتابعة هذا الأمر ودراسته دراسة وافية لمعرفة أسباب البطء ووضع الحلول، تسمى دراسة العمل«work study» في نظري حان الوقت لإيجاد هذه الإدارة القادرة على معالجة هذا الجانب بمهنية تامة، ولها السلطة في إعادة هيكلة أسلوب العمل، فالموظف بطبعه لا يحب التغيير ويتمسك بما اكتسبه من معرفة عبر الزمن ويعتقد بأن ما يقوم به صحيح، لأنه يخشى التغيير بما يحمله من مجهول بالنسبة له، وآخرون يشعرون أن التجديد سيسلب سلطتهم، ولذلك يقاومون التغيير، ما لم يتم فرضه عليهم كمطلب ضروري وأساسي وبالتالي تدريبهم تدريبا بما يتفق مع نظام العمل الجديد.