الأيام: الطفل ذو كمامة البصل!

في زاوية دفاتر الأيام كتبت سما حسن مقالا بعنوان: الطفل ذو كمامة البصل!، جاء فيه: أثارت صورة التقطت لطفل صغير على حدود غزة وهو يرتدي ملابس داخلية زرقاء، ويضع على وجهه كمامة مكونة من نبتة بصل استلها من حقل البصل القريب من السياج الفاصل بين غزة وحدودها، هذه الصورة أثارت العالم حول ما حدث من مواجهات في ذكرى يوم الأرض، وبعد مرور اثنين وأربعين عاما على هذه الذكرى الأليمة.
الجموع الغزية التي خرجت لإحياء هذه المناسبة على حدود غزة المتاخمة لمنطقة الخطر، وحيث الجنود يتمركزون في مواضع مدروسة بحيث يكون كل من يحاول أن يقترب في مرمى نيرانهم، وقد خرج هذا الطفل ولم يعتقد أن صورته ستصبح أيقونة مسيرة العودة 2018 كما أطلق عليها.
الصورة كانت لافتة ومؤثرة، وضعية الطفل وعيناه اللتان تشعان بالإصرار والعزيمة، وترويان ألف قصة وقصة في لحظة وميض خاطفة، استحقت أن يتساءل الجميع عن صاحب هذه الصورة؟ والأهم أن الصورة تعرضت للسرقة من مصورين ادعى كل واحد أنه هو من قام بالتقاطها.
لنا أن نتصور حجم الخطر الذي تعرض له الطفل وكذلك المصور، والمصور الحقيقي وهو من مخيم دير البلح المجاور لمخيم المغازي الذي يعيش فيه الطفل مع عائلته، وبدأ البحث عنه واستمر لمدة يومين، حيث أعلن أكثر من أب أن هذا الطفل هو ابنه، ولكن الحقيقة كان يبحث عنها المصور الحقيقي «أسامة الكحلوت» وهو صحفي نشط وتميز بتحقيقاته اللافتة والجريئة.
استطاع أسامة الكحلوت أن يصل لبيت الطفل واصطحب معه عددا من أصحابه وطرق باب البيت، وحين أصبح أمام الطفل طلب منه أن يشير بإصبعه الصغير نحو المصور الذي قام بتصويره وهو يضع «كمامة البصل» على أنفه وفمه ليتقي الغاز المسيل للدموع.
أشار الطفل بكل صدق وأمانة نحو الكحلوت، والذي قدم الطفل للقنوات الفضائية والمحلية والتي كانت تبحث عنه لإجراء اللقاءات معه، وكشف شخصيته «واسمه بالمناسبة محمد بسام عياش»، وتحدث الشارع عن الطفل البطل ونسي الجميع أمر الصحفي الذي قام بالمخاطرة بحياته وتصويره.
أسامة الكحلوت هذا الصحفي الشاب المجتهد تعرف إلى الطفل بعد أن عرضت عليه صور لعدة أطفال قريبي الشبه منه، والأطفال عادة ما يكونون متشابهين، والتفرقة بينهم أصعب خاصة حين يكون الشبه كبيرا، ولكن المصور الصحفي الكحلوت يشبه تماما قصة أحد مصوري ناشيونال جرافيك ويدعى ستيف ماكوري والذي التقى بفتاة أفغانية جميلة جمالا لا يوصف في أحد مخيمات الأفغان في شمال الباكستان، حيث سافر في رحلة عمل، وقد استرعت انتباهه صورة عينيها الحزينتين، وقام بتصويرها بناء على طلبها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، وقد أصبحت هذه الصورة مشهورة على مدى سبعة عشر عاما واشتهر معها المصور ولكن لم يعرف اسم صاحبتها، حتى قرر المصور أن يعود ثانية للبحث عنها، وقد تعب كثيرا في البحث حتى عثر عليها، ولم تتذكر الفتاة المصور ولكن المصور تذكرها لأنه كان أمام أكثر عينين رآهما في حياته جمالا وحزنا.
عرف العالم الفتاة واسمها «شربات جولا»، وقد حصد الجوائز العديدة مقابل تلك الصورة التي صورت معاناة الأفغان على مدى ثلاثة وعشرين عاما.
المصور ستيف ضم هذه الصورة التي أثارت العالم وظلت حتى الوقت الحاضر تعلق في الردهات والمطارات والأماكن الفخمة تحت اسم «لوحة فتاة زرقة الماء العذب»، في كتاب خاص بصور التقطها من بلاد مختلفة لأناس هم ضحايا الحروب، وقد تصدرت الصورة غلاف الصحف والمجلات في العام 1985 للإشارة إلى المعاناة الأفغانية، وحيث لم تكن الفتاة تبتسم لأنه يحظر عليها الابتسام في وجه رجل غريب.
في الواقع انني تابعت التعب الذي حل بالمصور الشاب، والمجهود الذي بذله ليحظى بصورة تناسب الحدث، والخطر الذي تعرض له، ودفاعه منفردا عن حق ملكيته للصورة والتي نشرها متعجلا دون توقيعه فتعرضت للسرقة، ونسب تعبه لغيره، ولذلك يجب أن يطل علينا هذا المصور في كل مناسبة يطل فيها البطل الصغير، ويجب أن يتم تكريمه من وزارة الإعلام الفلسطينية، كما على الوزارة تبني الصورة والمحافظة عليها باسم صاحبها الذي لولاه لما كنا عرفنا عن «محمد بسام عياش» شيئا، لما كنا عرفنا أنه قد خرج مقلدا والده بهذه الكمامة والذي أصيب في الانتفاضة الأولى.