هل تنسحب القوات الأمريكية من سوريا؟

عبد العزيز محمود –
سواء تم سحب القوات الأمريكية في وقت قريب كما طلب ترامب، أو تم تأجيل ذلك إلى وقت غير محدد بناء على توصية البنتاجون ووكالات الأمن القومي فالمؤكد أن طرح فكرة الانسحاب، هو اعتراف بأن الاستراتيجية الأمريكية في سوريا تعاني من ورطة كبيرة.

ثمة شواهد على أن ما أعلنه الرئيس دونالد ترامب بشأن اعتزامه سحب القوات الأمريكية من سوريا في «وقت قريب جدا» ربما يستغرق وقتا أطول مما هو متوقع، فالبنتاجون والخارجية ووكالات الأمن القومي وصقور الكونجرس يتحفظون على توقيت القرار، الذي يلقى معارضة أيضا من جانب حلفاء الولايات المتحدة في الخارج.
لكن الرئيس الأمريكي فيما يبدو مقتنع بأن الوجود الأمريكي في سوريا لم يعد له معنى، في ظل التطورات الجارية علي الأرض، وهو يقول إن الانسحاب أصبح ضرورة على أساس أن مهمة القوات الأمريكية هناك قد انتهت بالقضاء على تنظيم – داعش – بل إنه يحاول أن يتجنب أي تورط أمريكي في سوريا، حتى أنه جمد 200 مليون دولار كان وزير الخارجية المقال، ريكس تليرسون، قد تعهد بتخصيصها لإعادة الإعمار.
لكن المسألة لا تبدو بهذه البساطة، فالوجود الأمريكي في سوريا لم يكن يستهدف فقط القضاء على تنظيم داعش، وإنما كان يستهدف أيضا الهيمنة على حقول النفط واحتواء التمدد الإيراني ومنع روسيا من مواصلة بسط نفوذها في الشرق الأوسط.
وهكذا فإن أي انسحاب أمريكي متعجل من سوريا يعني اعترافا صريحا بفشل السياسة الأمريكية في سوريا، وتسليما بانتصار كل من روسيا وإيران، كما يشكل، وهذا هو الأهم، خطوة في اتجاه فقدان الولايات المتحدة لأهميتها الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهذا آخر ما يريده البنتاجون والخارجية ووكالات الأمن القومي وصقور الكونجرس. فكل هؤلاء يدركون أن الانسحاب سوف يخلف فراغا لن تستفيد منه إلا روسيا وإيران وتنظيم داعش .
كما أن قرارا من هذا النوع يجب أن يخضع لتقييم مجلس الأمن القومي الأمريكي باعتباره الجهة المختصة بالنظر في الشؤون العسكرية والأمنية، كما يجب أن يخضع للتقييم العسكري من جانب البنتاجون، ومن الواضح أن الطرفين لا يحبذان أن تكرر الولايات المتحدة بانسحابها من سوريا، الخطأ نفسه الذي ارتكبته بالانسحاب من العراق في عام ٢٠١١، وما ترتب عليه من نتائج داخل العراق وخارجه ايضا .
وهذه أيضا هي نفس رؤية الاتحاد الأوروبي وإسرائيل وبعض دول الخليج العربية ، والذين يرون أن الانسحاب الأمريكي المحتمل من سوريا سوف يدعم النفوذ الروسي والإيراني في المنطقة، كما سيفتح المجال أمام إيران لاستكمال مشروع الطريق البري الذي يربط بين طهران وبيروت على ساحل البحر المتوسط مرورا بالعراق وسوريا.
بل إنه سوف يساعد النظام السوري على استعادة السيطرة على شمال سوريا وحقول النفط التي تمثل ٩٠٪ من إنتاج البلاد، وهو وضع يضع الأكراد بين كماشة الجيشين التركي والسوري، فضلا عن أن الانسحاب الأمريكي قد يخلق حالة من الفوضى في شمال وشرق سوريا ربما يستفيد منها تنظيم داعش ، الذي تعرض بالفعل للهزيمة، لكنه وباعتراف جهات عديدة لم يهزم تماما، وإنما اختفى تحت الأرض، في انتظار فرصة لاستعادة مواقعه.
ولعل هذا ما دفع وزارة الدفاع الأمريكية للتأكيد على أن مهمة القوات الأمريكية في سوريا لم تتغير، وانه لا توجد حتى الآن خطط متعلقة بالانسحاب، بل على العكس هناك تجهيزات لمرحلة جديدة (لم يتم الإعلان عن طبيعتها) في ديسمبر المقبل لدعم الاستقرار في سوريا، ويبدو البنتاجون وكأنه يضغط على الرئيس الأمريكي لتأجيل عملية الانسحاب إلى وقت لاحق.

يذكر أن التدخل الأمريكي في سوريا بدأ استخباراتيا في عام ٢٠١١ لدعم المعارضة المسلحة ثم تحول إلى تدخل عسكري مباشر في عام ٢٠١٤ لمواجهة تنظيم ـ داعش – وجبهة النصرة، وفي عام ٢٠١٧ استهدف مواقع عسكرية سورية، وبسببه تمكنت القوات الأمريكية بمعاونة الأكراد من إحكام سيطرتها على ٣٠٪ من الأراضي السورية في الشمال، حيث يتواجد ٩٠٪ من إنتاج سوريا من النفط.
كما تمكنت من هزيمة تنظيم داعش ، الذي فقد ٩٥٪ من الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا، بما في ذلك مدينة الرقة، العاصمة الافتراضية لما كان يعرف بدولة الخلافة، بعد فقدانه كل الأراضي التي كان يسيطر عليها في العراق.
لكن الاستراتيجية الأمريكية في سوريا تعرضت لانتكاسة، مع التدخل العسكري الروسي في سوريا عام ٢٠١٥ والذي ساعد النظام السوري وبدعم من إيران وحلفائها على استعادة معظم الأراضي التي فقدها، وهزيمة التمرد المسلح المدعوم أمريكيا. وبدا واضحا أن الاستراتيجية الأمريكية لا تعمل بشكل جيد، سواء لتحقيق المصالح الأمريكية، أو مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بدليل أن روسيا أصبحت لاعبا رئيسيا في الشرق الأوسط، بينما وسعت إيران نفوذها على حساب إسرائيل، ودخل الجيش التركي إلى شمال سوريا لملاحقة الميليشيات الكردية المسلحة.
هذا هو الوضع الذي تواجهه الولايات المتحدة الآن في سوريا، والتي أصبحت ساحة منافسة جيوسياسية بين روسيا والولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وتركيا، حيث يستخدم كل طرف قوته العسكرية لتوسيع مجالات نفوذه في الداخل السوري والمحيط الإقليمي الأوسع، وهو ما قد ينذر بتفجر صراع عسكري اكبر، قد يهدد النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
وأمام هذا الوضع المعقد، وفي ظل غياب استراتيجية أمريكية ذات كفاءة، قرر الرئيس ترامب اللجوء إلى الحل الأسهل، وهو الخروج من سوريا وتركها حسب تعبيره للآخرين، لكنه يحاول أن يحصل قبل تنفيذ ذلك على ضمانات أمنية من كل من روسيا وإيران، وأن يتم إحلال قوات فرنسية محل القوات الأمريكية في شمال سوريا، وهو ما تعارضه تركيا وبقية الأطراف.
ترامب يعتقد أن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا سوف يجعل روسيا تتحمل بمفردها إدارة تكاليف الصراع هناك، مما يعني مزيدا من الأعباء الاقتصادية والعسكرية وربما البشرية، فضلا عن احتمال حدوث نزاع في المستقبل بين كل من روسيا وإيران وتركيا نظرا لتضارب المصالح فيما بينها.
وسواء تم سحب القوات الأمريكية في وقت قريب كما طلب ترامب، أو تم تأجيل ذلك إلى وقت غير محدد بناء على توصية البنتاجون ووكالات الأمن القومي فالمؤكد أن طرح فكرة الانسحاب، هو اعتراف بأن الاستراتيجية الأمريكية في سوريا تعاني من ورطة كبيرة.