حرب تجارية نصف باردة

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

قالت صحيفة “ نيويورك تايمز” في عددها الصادر يوم الاثنين الماضي إن بعض أكبر الشركات في الولايات المتحدة ، بما في ذلك “جنرال إلكتريك” و” جولدمان ساكس” ، تحذر البيت الأبيض من الآثار السلبية للتدابير العقابية ضد الصين، وتنبه إلى أن الشركات قلقة من أنها ستبعد عن السوق الأكثر ربحًا والأسرع نموًا في العالم .
ما تقدم يوضح طبيعة التشابك المعقد في العلاقات التجارية الدولية وخاصة بين الصين وأمريكا والتي قد لا يجدي كثيرا معها اتخاذ إجراء حمائي هنا أو هناك مهما كان حجمه .
البداية كانت واضحة تماما. تملك الصين سوقا هو الأضخم في العالم، والأهم أنها كانت تملك أيضا وعيا عاليا بكيفية المفاوضة على هذا السوق أو “ بيعه” – بلغة أهل العلاقات العامة – للشركات الدولية وعلى رأسها الأمريكية والأوروبية، مالكة مفاتيح التقدم التكنولوجي .
وكانت اللعبة واضحة أيضا على الطرف الآخر فالشركات الأمريكية والأوروبية والتي اعتادت أن تحتكر أسرارها التكنولوجية وتحبس أسرار تقدمها عن الدول الناشئة التي تتواجد فيها حيث تعمل غالبا أو كليا بشروط مجحفة على البلد المستضيف ولا يفيد من عملها إلا الوكلاء التجاريون بالأساس .. أقول كانت تعلم أنها لا يمكن أن تدخل الصين بهذه الطريقة ولا بد من قدر ترضاه الصين من الالتزام بنقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الطرف الصيني، كما كانت تعلم أيضا أنها لا تملك ترف العزوف عن هذا السوق أو إهماله أو تجنبه . ومرت الأيام وبعد أن حققت صادرات الصين قفزات هائلة إلى الأسواق المتقدمة أولا ثم الناشئة على السواء بدأ الحديث يدور في الأوساط الأمريكية والغربية عن تعمد خفض الصين لعملتها للإضرار بشركائها التجاريين لكن لم تستطع تلك الضغوط أن تسفر عن تغير له قيمة، لأن واحدا من أقوى الردود الصينية عليهم كانت أن الشركات الأمريكية والغربية هي التي تقف وراء القفزة في الصادرات وإذا كانت الشكوى كبيرة وصاخبة من العجز التجاري المرتفع مع أمريكا مثلا فلابد من النظر إلى حجم تحويلات الأرباح التي جنتها الشركات الأمريكية لنعرف بدقة حجم مكسب وخسارة كل طرف في اللعبة .
لكن حين أوجب التطور الاقتصادي في الصين ضرورة التحاقها بمنظمة التجارة العالمية قدمت الصين بعض التنازلات بالفعل في مجال العملة وخفض بعض الإجزاءات الحمائية الملتوية التي تقوم بها، غير أن الوقت لم يلعب طويلا مع من نالوا تلك التنازلات ففي الأثناء بدأت تظهر صادرات تكنولوجية عالية المعرفة أو كثيفة راس المال وصينية صرف، وتتصاعد وتيرتها، أي أن الشركات الأمريكية والغربية بصدد أن تفقد بعض الأرباح التي اعتادت تحويلها من مكاسبها من سوق الصين ومن التصدير انطلاقا من الصين، وفي المقابل أيضا بدأت قوة الضغط الغربية تضعف للسبب الفائت من ناحية – انه تم فك احتكار التكنولوجيا نسبيا –  ومن ناحية أخرى لأن الأزمة المالية العالمية أوضحت كم هي الحاجة ماسة إلى سيولة في أمريكا وأوروبا، على الأقل للقيام بعمليات التيسير الكمي التي تمت وبالتالي اصبح للاستثمارات الصينية في السندات والأوراق المالية الأمريكية أهمية مضاعفة، وفي نفس الوقت فان جمهورا كبيرا في الدول الغربية من أهل البلاد أو من المهاجرين إليها (أو حتى السائحين الزائرين)  بدوا يعتمدون بشكل كبير على منتجات صينية لرخص ثمنها وعمليتها، واصبح للمنتجات الصينية دور في خفض شعور الطبقات دون المتوسطة بالتضخم أي دور في تحقيق نوع من السلام الاجتماعي في الغرب ذاته.
وبين الشد والجذب والحيرة في كيفية التعامل مع الصين برزت نقطتان جديدتان  أولاهما في صالح الصين وهى أن عملتها أصبحت عالمية ومن ثم اصبح لديها هامش مناورة نقدية أعلى وقدرة اكبر على التلويح بسحب جانب اكبر من أصولها المالية من أمريكا، والعامل الآخر وهو ارتفاع التكاليف في الصين بعد أن تحسن مستوى المعيشة وتراجع عدد الفقراء وقل الرصيد الذي تسحب منه المصانع والشركات الصينية عمالة بالغة الرخص ولكل ذلك تأثير على زيادة التكاليف والحد من القدرة التنافسية للصين . وفى نفس الوقت اصبح من المحتم على الصين زيادة مساهمة الاستهلاك الداخلي/‏‏‏ المحلي في الناتج القومى خصما من حساب التصدير والاستثمار، وبين قلق الصين من الوضع الجديد المصحوب كذلك بانخفاض في معدلات النمو العالية التي اعتادت تحقيقها وهو انخفاض منطقي مع التطور الذي حدث ، وبين قلق الغرب من الصين وقوتها الذاتية المتنامية على كل الأصعدة ، جاء ترامب ليتعهد في حملته الانتخابية بسلوك طريق الحمائية للحفاظ على فرص عمل الأمريكيين التي تضيع برايه جراء ذهاب الشركات الأمريكية للصين وغيرها وأيضا جراء سرقة الصين الناعمة للابتكارات وحقوق الملكية الفكرية الأمريكية. ظن المتابعون في البداية أن ترامب يسترضي قاعدته الانتخابية من العمال البيض الذين فقدوا وظائفهم أو تراجعت أجورهم وانه لن ينفذ ما يقول لأن الأمور العولمية أصبحت أعمق تعقيدا بكثير من مما يتخيل ترامب .
لكن الرئيس ترامب لم يكذب خبرا – كما تقول اللغة الدارجة – ونفذ وعده بالفعل فأعلن انسحاب أمريكا من مسار اتفاقية التجارة عبر الأطلسي ومن الاتفاقية التجارية المزمعة أيضا مع تكتل آسيوي عريض وأعلى كثيرا من نغمة انعزالية غريبة على أمريكا بالذات قوامها “ أمريكا أولا” واستخدم مرارا القول بأن العجز التجاري مسألة امن قومى،  ثم قرر مؤخرا (اعتبارا من 23 مارس الماضي)  فرض رسوم على واردات الولايات المتحدة من مواد الصلب والألمنيوم من بلدان الاتحاد الأوروبي والصين بمقدار 25% والألمنيوم  10%، وإزاء ردود الأفعال الغاضبة من أوروبا والصين ومن اليابان وفرنسا وألمانيا وحتى بريطانيا وأخيرا روسيا بل ومن الديمقراطيين بأمريكا نفسها ومن كريستين لاجارد والتهديد باتخاذ إجراءات مقابلة ومن اندلاع حمى ثأر تجارى عالمي قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنه سيفرض ضرائب على السيارات الأوروبية المستوردة في حال أقدمت دول الاتحاد الأوروبي على رفع الرسوم الجمركية ضد الشركات الأمريكية ، وهدد كل من يرد على الفعل الأمريكي ، وكأن الرفع قرار من محكمة نقض عليا لا يجوز لأي دولة أن تطعن عليه مهما كان حجم ما سيلحق بها من ضرر أو كان حجم شعورها بالظلم .
واقعيا وبعد وقت مناسب وعمليات تحذير دبلوماسية هادئة وحذرة على النهج الصيني والتنبيه الى ان لعبة الحماية سيخسر فيها الجميع وأنها تتعارض مع مبادئ حرية التجارة وقواعد منظمة التجارة العالمية وهي المبادئ التي شجعتها الولايات المتحدة في الأضل… قامت الصين ، بفرض رسوم جمركية على عدد من واردات المنتجات من أمريكا لحماية مصالحها، وتعويض الخسائر الناجمة عن الإجراءات الأمريكية. معروف أن ترامب يرى أن سبب العجز التجاري الأمريكي الضخم “حماقة الرؤساء الأمريكيين السابقين”، الذين انتهجوا سياسات تجارية خاطئة .
لم يعبأ الرئيس الأمريكي حتى بالتحذيرات التى اطلقها علماء مثل بول كروجمان الذي أكد بالورقة والقلم ان قرار ترامب سيضر في المجمل الصناعة الأمريكية ، كما رأى جون ماكين السيناتور الجمهوري المحافظ  أن “الأمن القومي يجب أن يلعب دورا مهما في قراراتنا على صعيد التجارة لكن يجب ألا يستخدم ذريعة للحمائية”.
وقال الاتحاد الوطني الأمريكى لبائعي التجزئة  “أنها رسوم ترامب ضررها سيقع على كل أسرة أمريكية “.
وحده اتحاد الصناعات الأمريكية قال إنها سترسي أسس اقتصاد أكثر متانة، بقية القصة معروفة فأوروبا لديها قوائم ستفرض عليها رسوم مقابلة رغم أم ترامب استثنى كندا والمكسيك وبعض الدول الأوروبية من قرار الصلب . روسيا قالت إنها سترد فهل معنى ذلك ان الحرب التجارية اندلعت فعلا وهل يمكن أن تصبح سببا لحروب فعلية في الميادين؟ . رغم صعوبة التنبؤ بما يعتزمه ترامب فان الأخير لا يميل إلى الحروب وانه يستخدم طريقة حافة الهاوية – مدرسة جون فوستر دالاس – على الطريقة الخاصة به أي يظل يضغط ويضغط على خصمه بالتلويح والتهديد والتغريدات النارية وبعض الأفعال الى ان يصل الى نقطة تفاوضية افضل له . لذلك ورغم كل ما يدور من توتر في الشرق الأوسط بالذات ومن حروب مشتعلة بالفعل فظني أن الحرب التجارية الحالية ستظل نصف باردة ونصف ساخنة على الأقل الى أن نرى وضعا سياسيا مختلفا في الولايات المتحدة .