وتر: شكراً أيها الموت

شريفة بنت علي التوبية –

نحن أمة لا تستيقظ عواطفها إلا بعد الموت، ولا نعترف بحبنا للشخص إلا بعد رحيله، نحن أمة تكرم الإنسان بعد موته وتقدّره وتمنحه من الأوسمة والشهادات ما بخلت به عليه في حياته، ليكون الأجمل والأنقى والأفضل والأطهر، فالإنسان حينما يموت يتحول إلى ملاك كما يبدو بعد أن كان شيطاناً كما يصفوه وهو على قيد الحياة، وكأن الموت يلقي بمعجزته على قلوب البشر لتتغير أحاسيسهم تجاه من كان حياً يرزق بينهم، وكأن الحياة كانت عاجزة عن فعل ذلك.
وأنت تسمع عبارة «الطيبون فقط من يموتون» تشك أن الموت ما تجاوزك سوى لأنك لست طيبا، فلو كنت طيباً ما تركك ولا أخطأك، وربما في تلك اللحظة قد ترى الموت جميلا بجمال الأموات، وأن الأموات أحبوا موتهم لأنهم ذهبوا وما عادوا مرة أخرى، فحياتهم الآخرة أجمل من حياتنا الدنيا، أنهم يرقدون بسلام، الأحياء فقط من يفكرون بالذهاب إلى الموت، الأحياء فقط من يعيشون حربهم وحقدهم وحسدهم.
نعم أحببت الموت بقدر ما جعلوا من الموتى أبطالاً وبقدر ما جعلوا من الأحياء خونة وفاسدين وأشرارا، أحببت الموت لأن لي معه أحبّة وأصدقاء لعلهم بانتظاري هناك في مكان ما وزمن ما وحياة لا أعلم عنها شيئا سوى اسمها، أخال سُعاد التي سبقتني منذ تسعة أعوام إلى جنتها تلومني لأني تأخرت في اللحاق بها أو ستعذرني لأن الأمر خارج عن إرادتي، وأنا بكامل استعدادي للقاء، فلن يؤخرني عن ذلك كتابة مقالي الأسبوعي، أو حتى قراءة كتاب مؤجل، أو حتى مذاكرة الدرس الأخير مع الأبناء، ولكن كل شيء حسب موعده، أنها أعمار ولا نملك سوى أن نشغلها ونعيشها بكل ما لدينا من طاقة الحياة.
حكاياتنا مع الموت لا تقف فقط في محبة الأموات والتهافت لشراء كتبهم إذا كانوا كتّاباً مثلاً، أو إبراز إنجازاتهم بعد رحيلهم وكأن الموت يذكرنا بهم، أو حتى إعلان محبتهم، ولكن نحن أيضاً أمة تمجّد الموت وتبعث إلى الموت أرواح بريئة طاهرة وربما لم تعرف من الحياة شيئاً ولم تختبرها سوى بلحظة ميلاد وموت، حتى غدا الموت لعبتنا الجديدة وعبثنا الجديد وحكايتنا الجديدة، نكتب عنه كحكاية عابرة في زمن أصبح الموت فيه لا يمثل لنا أكثر من خبر في جريدة، ومن مات منا ما كنا سنمنحه من التقدير شيئا لولا أنه مات، فشكراً للموت الذي يجعل منا أبطالاً بعد أن أنكرتنا الحياة ونحن على قيدها.